العدد 44 - السنة الرابعة – جمادى الأولى 1411هـ، كانون الأول 1990م

سؤال وجواب

السؤال: عندنا في لبنان قسم كبير من الناس يسرقون التيار الكهربائي عند وجوده، إما بالتوصيل (التعليق) من الخارج، وإما بالتلاعب بالعداد، أو رشوة الجابي، أو غير ذلك. منهم من يبرر سرقته بأن الكهرباء من الأملاك العامة، ومنهم من يبررها بأن مؤسسة الكهرباء مقصّرة في واجبها بحيث حمّلت الناس خسائر فادحة. فما هو حكم الشرع في ذلك؟

 الجواب:

سرقة الكهرباء حرام شرعاً، فالكهرباء مال من الأموال ولا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفسه منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرىءٍ مسلم إلى عن طيب نفسه» وغير المسلم ملحق بالمسلم في حرمة أكل ماله… إذا لم يرد تخصيص. والكهرباء في لبنان ليست من الأملاك العامّة لأنها ليست منشأة على مساقط المياه العامة. وحتى لو كانت الكهرباء مقامة ومولّدة بواسطة المياه العامة فإن هناك جهة تتولى التنظيم والتوزيع على المشتركين أن يلتزموا بهذا التنظيم ما دام قائماً بصورة مشروعة.

هذا هو الأصل: سرقة التيار الكهربائي حرام سواء كانت بالتعليق أو التلاعب بالعداد أو برشوة المراقب.

ولكن هناك شاذة، وهذه الحالة الشاذة طال أمدها وعمّت غالبيةَ  المناطق حتى أصبحت هي الأصل وأصبح الصل شاذاً.

الحالة الشاذة هي انقطاع التيار الكهربائي فأصبحت هي الأصل، ووجود التيار صار حالة نادرة.

وهكذا صار هناك إخلال بالعقد، وهذا الاخلالِ جاء من جهة مؤسسة الكهرباء. العقد بين المؤسسة والمشترك يقوم على امداد المؤسسةِ المشتركَ بالتيار بشكل دائم مقابلَ سعر محدد.

مؤسسة الكهرباء (سواء كانت تابعة للدولة أو مستقلة أو مزيجاً من الاثنين) أخلّت بالعقد، وادّعت العجز عن الوفاء بالعقد بسبب الظروف الأمنية وظروف تمرد كثير من المشتركين عن دفع التزاماتهم. هذا العجز والإخلال من مؤسسة الكهرباء ألجأ الناس إلى شراء مولدات خاصة وإقامة شبكة تمديدات جديدة، إضافة إلى تعطيل المصالح وشل الأعمال.

هذه الخسائر التي فُرضتْ على المشترك جراء إخلال مؤسسة الكهرباء بالعقد يجب أن تتحملها المؤسسة.

كان المفروض في المشتركين المتضررين أن يتقدموا بدعوى أمام القضاء. ولكن القضاء معطل والدولة معطلة والأمور سائبة، فضاعت حقوق المشتركين. فإذا بدأت مؤسسة الكهرباء بإعطاء التيار من جديد فعليها أن تعوّض المشتركين المتضررين. فإذا أمكن تسوية هذا الأمر فبها. وإلا فإنه يحقّ شرعاً للمشترك المتضرر أن يحصّل حقوقه بطرق غير شرعية ما دام يتعذّر عليه تحصيلها بالطرق الشرعية.

وهذا يستند إلى أصل فقهي مبني على الحديث التالي: جاء في صحيح البخاري باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف. وأورد الحديث: عن عائشة أن هنْداً بنت عُتبَة قالت: يا رسول الله، إنّ أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».

قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ج9/ ص420: (واستدل به على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه وهو قول الشافعي وجماعة، وتسمى مسالة الظفر. والراجح عندهم لا يأخذ غير جنس حقه إلا إذا تعذّر جنس حقه، وعن ابي حنيفة المنع وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه إلا أحد النقدين بدل الآخر. عن مالك ثلاث روايات كهذه الآراء) وأضاف: (قال الخطابي: يؤخذ من حديث هند جواز أخذ الجنس وغير الجنس… وقد أطلق لها الإذن في أخذ الكفاية من ماله) وأضاف: (وقد وجه ابن المنير قوله أن في قصة هند دلالة على أن لصاحب الحق أن يأخذ من غير جنس حقه بحيث يحتاج إلى التقويم، لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهند أن تفرض لنفسها وعاليها قدر الواجب، وهذا هو التقويم بعينه).

ويشهد لهذه القاعدة الفقهية بالإضافة إلى قصة هند هذه واذنه صلى الله عليه وسلم للحّجاج بن عِلاط السُّلَمي يوم فتح خيبر. جاء في سيرة ابن هشام ج3/ ص223: [ولما فتحت خيبر… فقال: يا رسول الله، إنّ لي بمكة مالاً عند صاحبتي أم شيبة… ومال متفرق في تجار أهل مكة، فأذنْ لي يا رسول الله؛ فأذنَ له، قال: أنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول (أي اكذب)، قال: قُل].

وهنا أذن له صلى الله عليه وسلم أن يكذب، وهذه حالة غير الحالات الثلاث التي رخص الشرع للمرء أن يكذب فيها وهي: الكذب في الحرب على العدو، والكذب للاصلاح بين اثنين، وكذب الرجل على زوجته لإرضائها. هذه الحالة هي حالة اللجوء إلى طريق غير مشروع من أجل تحصيل الحق الذي يتعذر تحصيله بالطريق المشروع.

وهذا لا يتوقف على مال النفقة أو مال التجارة بل يعم جميع الحقوق لأنها تشترك في علة واحدة وهي «الحق المعرّض للضياع».

من هذه الحقوق مثلاً أن ينقل المسلم بضاعته في البلاد الاسلامية دون أن يدفع المكوس (الجمارك)، ويحق له شرعاً أن يهرب هذه البضاعة لينجو من دفع المكوس.

ويحق له هو أن يتنقّل في البلاد الاسلامي فإذا منعته بعض حكوماتها، فله الحق شرعاً بالدخول خلسةً أو باستعمال اسم مستعار.

وإذا كان له دين عند جهة تماطله فله أن يحصّل دَيْنَهُ بطريقة عير شرعية.

ومسألة الكهرباء فإن غالبية الناس الآن في لبنان لها حق ثابت في ذمة مؤسسة الكهرباء فإن استطاعوا تحصيله بالطرق العادية بتفاهم متبادل وإلا فإن للمشترك المتضرر أن يحصل مقدار حقه بالطرق غير العادية، ولكن ليس بطريقة الرشوة □

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *