العدد 44 - السنة الرابعة – جمادى الأولى 1411هـ، كانون الأول 1990م

إعادة الخلافة من أعظم واجبات هذا الدين

بيان أن الدين والسلطان توأمان

هذا البحث مأخوذ من كراسة للكاتب الشيخ «علي بن الحاج» وهو أحد قادة «الجبهة الاسلامية للانقاذ» في الجزائر. وبعضهم يعتبره الرجل الثاني في الجبهة بعد رئيسها «عباس مدني». والكراسة تحمل عنوان: «تنبيه الغافلين وإعلام الحائرين بأن إعادة الخلافة من أعظم واجبات هذا الدين». وقد رأت «الوعي» أن هذا البحث ذو قيمة كبيرة في توعية المسلمين فرأت أن تنشره إسهاماً منها في نشر رسالة الإسلام.

وبالمناسبة نودّ أن نلفت نظر الذين يقولون: «فما ذنب المسلمين في هذا الوقت الذي لا يستطيعون فيه أن ينصبوا خليفة، والله تبارك وتعالى قال: ]لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا[» نود أن نلفت نظرهم إلى أن المسلمين في هذا الوقت يستطيعون أن ينصبوا خليفة إذا جَدّوا في ذلك. أمّا إذا أهملوا الفريضة ووُجِد من يفتيهم بأنها ليست فريضة وبقيت غالبيتهم متهاونة في شأن هذه الفريضة فإن نصب الخليفة سيتأخر. ولا ينجو من إثم بقاء المسلمين دون خليفة إلا من يعمل بشكل جادّ لتنصيبه.

إذا كان المسلمون لا يستطيعون نصب خليفة بشكل فوري. فإن عليهم أن يعملوا بشكل مستمر كي يهيئوا الأسباب ويزيلوا العوائق ويرتبوا الأمور ولو أخذ ذلك سنوا وسنوات، فرسول الله r استمر مع أصحابه ثلاثة عشر عاماً يعمل بكل جدية حتى استطاع أخذ السلطة واقامة الدولة في المدينة المنورة.

أمّا القول بأن المسلمين غير مستطعين الآن، إذاً فإن الله لا يكلّفهم العمل لاقامة الخلافة. هذا القول هو خطأ بشكل قطعي. ولا تبرأ ذمة المسلم إن قلّد مثل هذا القول لأنه يتصادم مع الآيات الصرحية والأحاديث الصحيحة ويتصادم مع إجماع الصحابة الكرام وأقوال الأئمة والعلماء علىمدى الأجيال.

فيما يلي: بحث فضيلة الشيخ علي بن الحاج:

نُقولُ أهلِ العلم في واجبات الرعية نحو الخليفة الشرعي

إذا ما قام خليفتنا المسلم بواجباته نحو الرعية على أكمل وجه وجب على الرعية أمور نص عليها أهل العلم وإليك نقولهم الساطعة في ذلك:

·قال الفراء في الأحكام السلطانية ص12:

«وإذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة».

·قال د/ محمد فتحي عثمان في كتابه من أصول الفكر السياسي الاسلامي ص454:

«إذا تولى الإمام ولاية شرعية، ونهض بمسؤوليته وواجباته دون تقصير كان على الرعية أن تؤدي واجبها نحوه، وواجبات الرعية هي حقوق للامام كما أن واجبات الإمام التي عليه الاضطلاع بها تعتبر في الجانب الآخر من حقوق الرعية، وقد أجمل الماوردي وأبو يعلى واجبات الرعية التي هي في الوقت نفسه حقوق للامام في أمرين (الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله)».

·وجاء في كتاب تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة ص359:

«وللسلطان والخليفة على الأمة عشرة حقوق:

فالحق الأول: بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً، في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، إلا أن يكون معصية. قال تعالى: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ[ وأولو الأمر هم الإمام ونوابه، عند الأكثرين وقيل هم العلماء، وقال النبي r: «السمع والطاعة على المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية». فقد أوجب الله تعالى ورسوله طاعة ولاة الأمر ولم يستثن منه سوى المعصية، فبقي ما عداه على الامتثال.

الحق الثاني: بذلك النصيحة له سراً وعلانية. قال رسول الله r: «الدين النصيحة. قالوا: لمن؟ قال لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

فخص ولاة الأمر بالنصيحة لما فيه من أداء حقهم وعموم المصلحة بهم.

الحق الثالث: القيام بنصرتهم باطناً وظاهراً، ببذل الجهود في ذلك لما فيه من نصرة المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين.

الحق الرابع: أن يُعرَفَ له عظيمُ حقه وما يجب من تعظيم قدره فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام وما جعل الله له من الاعظام ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظّمون حرمتهم ويلبون دعوتهم، مع زهدهم وورعهم، وعدم الطمع فيما لديهم، وما يفعلة بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم خلاف السنة.

الحق الخامس: إيقاظه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته، شفقة عليه وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانه لما جعل الله إليه من الخطأ فيه.

الحق السادس: تحذيره من عدو يقصده بسوء، أو حاسد يرومه بأذى أو خارجي، يخاف عليه منهم، أو من غيرهم، ومن كل شيء يخاف عليه منه على اختلاف أنواع ذلك وأجناسه فإن ذلك من آكد حقوقه وأوجبها.

الحق السابع: إعلامه سير عماله الذين هو مطالب بهم، وشغول الذمة بسببهم، لينظر في نفسه في خلاص ذمته وللأمة في مصالح ملكه ورعيته.

الحق الثامن: إعانته على ما تحمّله من أعباء مصالح الأمة ومساعدته على ذلك بقدر المكنة. قال الله تعالى: ]وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى[ وأحق من أعين على ذلك ولاة الأمور.

الحق التاسع: ردُّ القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه لما في ذلك من مصالح الأمة، وانتظام أحوال الأمة.

الحق العاشر: الذبُّ عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس، والأهل في الظاهر والباطن والسر والعلانية».

بيان أن الدّين والسلطان توأمان

كثير من الناس يظنون أن الإسلام مجرد دعوة روحية تهذيبية بعيدة عن موضوع السلطان أو إقامة دولة تحمي هذا الإسلام وتحوطه وهؤلاء بلا ريب يجهلون طبيعة هذا الدِّين وهاهم علماء المسلمين يردون على هذا الزعم الباطل ويفندونه فاسمع إليهم جيداً.

أولاً: الدين والسلطان توأمان:

1- قال ابن تيمية في مقدمة السياسة الشرعية ج28/244 من مجموع الفتاوي:

«الحمد الله الذي أرسل رسله بالبينات، والهدى وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزل الحديد فيه بأس ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إنّ الله لقوي عزيز وختمهم بمحمد r الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأيده بالسلطان النصير الجامع معنى العلم والقلم للهداية والحجة ومعنى القدرة والسيف للنصرة والتعزير».

2- قال أيضاً في السياسة الشرعية ص161:

«إنّ الله أوجب على الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم إلا بقوة وإمارة وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة».

وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوي 28/253: «فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، كما قال تعالى: ]إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ[ وقال ليوسف عليه السلام: ]إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ[ وقال تعالى في صفة جبريل: ]إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ @ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ[.

3- قال الغزالي: الاقتصاد في الإعتقاد ص199:

«إن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن السلاطين والأئمة وإن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج وعمَّ السيف وشمل القحط وهلكت المواشي وتعطلت الصناعات وكان كل من غلب سلب ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم إن بقي حيّاً والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف ولهذا قيل الدين والسلطان توأمان ولهذا قيل الدِّين أسٌّ والسلطان حارس وما لا أسّ له مهدوم وما لا حارس له فضائع وعلى الجملة لا يتماري العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم وتشتت الأهواء وتباين الآراء لو خُلُّوا وشأنهم ولو لم يكن لهم رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا عن آخرهم، وهذا داء لا علاج له إلا سلطان قاهر مطاع يجمع الآراء فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا وضروري في نظام الدين ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة وهو مقصود الأنبياء، قطعاً فكان وجوب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه فاعلم ذلك».

4- وقال ابن تيمية ج28/ ص394.

«وإذا انفرد السلطان عن الدِّين أو الدِّن عن السلطان فسدت أقوال الناس».

5- وقال الفخر الرازي 26/199.

«وعند اجتماع الناس في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات لا بد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل فثبت أنه لا ينتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس».

6- قال الغزالي في الإحياء:

«ومعلوم أن السلطنة والإمارة لو تعطلت لبطل الدين والدنيا جميعاً وثار القتال بين الخلق وزال الأمن، وخربت البلاد وتعطلت المعايش».

® قال محمد عبده في كتابه الإسلام والنصرانية ص65:

«لكن الإسلام دين وشرع، فقد وضع حدوداً ورسم حقوقاً وليس كل معتقد في ظاهر أمره بحكم يجري عليه في عمله فقد يغلب عليه الهوى وتتحكم الشهوة فيغمط الحق ويتعدى المعتدي الحدّ فلا تكمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا وجدت قوة لإقامة الحدود وتنفيذ حكم القاضي بالحق، وصون نظام الجماعة وتلك القوة لا يجوز أن تكون فوضى في عدد كثير، فلا بد أن تكون في واحد وهو السلطان أو الخليفة».

® قال ابن ادريس: آثار ابن باديس ج2/ ص216:

«إن السيادة لا تكون إلا بالملك وأن الملك لا يكون إلا بالقوة قوة الأبدان وقوة العقول وقوة الأخلاق وقوة المال وبهذا يكون العدل الذي هو اساس الملك وأن لا قوة إلا بالعمل والعمل والتهذب».

® قال عبد القادر عودة في كتابه الإسلام وأوضاعنا السياسية ص76:

«وأجهل من هؤلاء وأشد غباء من يظنون أن مصلحة المسلمين في أن يحافظوا على الإسلام عقيدة وينبذوه نظاماً، ذلك أن العقائد والمبادئ الاسلامية لا يمكن أن تعيش وتنتشر إلا في ظل النظام الاسلامية الذي تكفل بوضعه الخلاق العليم».

وقال في ص114:

«السلطان في القديم والحديث لم يخرج عن أن يكون سلطاناً مادياً أو سلطاناً روحيا فإذا تكلمنا عن هذين النوعين من السُلطان بالنسبة للدول فإن السلطان المادي هو سلطان الحكم أمّا السلطان الروحي فهو سلطان الأنبياء والمصلحين وأصحاب الآراء على العموم».

والسلطان المادي يفرض من الخارج، تفرضه على الناس القوة الغلبة، أما السلطان الروحي فيفرض من الداخل، فيفرضه الناس عن أنفسهم وتلزمهم إياه قلوبهم وأرواحهم وعقولهم.

والسلطان المادي في الدولة يستمد من قوة الدولة ويتركز في أشخاص الحكام القائمين عليها، أما السلطان الروحي فيستمد مما يجيء به الرسل أو المصلح لا من شخصه. والناس دائماً يخشون السلطان المدي ولا يثقون فيه ويهربون من السلطان المادي كلما استطاعوا، فلا يطيعونه إلا كارهين ولا يسالمونه إلا مغلوبين ولا يؤازرونه إلى طامعين وإذا استطاعوا أن يتفلتوا من حكمه وكان في منفعة لهم فلن يصدهم عن الانفلات عقل ولا ضمير، أما السلطان الروحي فإن الناس يطلبونه قبل أن يطلبهم يعبّدون أنفسهم له قبل أن يستعبدهم يربطون أنفسهم له قبل أن يستعبدهم ويربطون أنفسهم به راضين مسرورين.

والسلطان الروحي بالرغم مما له من أثر في الأفراد قد يتعطل سيره أو يضعف عمله إذا كان السلطان المادي مضاداً له، لأن في طباع الكثيرين من البشر أن يؤثروا الأمن والسلامة فيهملوا العمل بما يؤمنون به خشية أن يصيبهم أذى. أو يكتمون في أنفسهم فلا ينتقل إلى غيرهم.

وكذلك في طبيعة الأفراد أنهم يشق عليهم أن يلزمهم السلطان المادي ما يجنبهم إياه السلطان الروحي. وأنهم يميلون إلى مقاومة السلطان المادي للتخفيف عن أنفسهم وإرضاء ضمائرهم، وهذه المقاومة هما كانت ضعيفة تؤدي بمرور الزمن إلى تقويض السلطان المادي أو إضعافه.

فإذا بني السلطان المادي على أساس من السلطان الروحي كان ذلك ادعى إلى اسعاد الجماعة وتضامنها وتوثيق الصلات بين افرادها وبث الثقة بين المحكومين والحاكمين، بل إن ذلك يوفر على الحاكمين مشقة التنفيذ والمراقبة لأن كل فرد يعيّن من نفسه رقيباً على نفسه ويقبل على أداء واجبه إرضاء لضميره، لا خشية العقاب، والنتيجة الطبيعية لهذا كله هي ثبات الأنظمة وحرص الحاكمين والمحكومين عليها. وهذا الذي يلائم طبائع البشر ويدعو إلى استجابتهم ويوفر لهم السعادة والحب والأمن ويصرفهم إلى الخير. وبهذا كله نزل القرآن على قلب محمد r حيث ربط السلطان المادي وهو سلطان الدولة بالسلطان الروحي وهو سلطان الدين. وأقام السلطان المادي على دعامة من السلطان الروحي وفي حدوده، وجعل من الإسلام عقيدة ونظاماً، وديناً ودولة.

7- قال محمد الغزالي في من هنا نعلم ص22: «بل هو (الإسلام) منهاج استوعب مجموعة ضخمة من التعاليم الروحية والعملية وقد للناس قواعد بينة للاصلاح العام تمس من قريب شؤون الفرد والمجتمع والدولة… ومن الذي يزعم أن دعوة إصلاحية تبتعد عن ميدان الحكم وتزهد في الإفادة منه لمبادئها… وهو ما حدث مع الرسول العظيم صاحب هذه الشريعة، فقد بدأ هادياً ومبشراً ونذيراً وانتهى قاضياً وحاكماً بعد ما تحولت رسالته من طور الدعوة التي تُطارد وتضطهد إلى طور الدولة التي تأخذ لربها ونفسها ما تريد.

… وهكذا يراد بالاسلام وحده أن يحرم من أسباب السلطان وأن يعيش فلسفة روحية مجردة في الوقت الذي تتسلح فيه اليهودية والنصرانية وتسخران دول العالم ضدنا.

… فإن تكن الدولة للكفر تمنحه في الحياة هذا المنطق العنيد، فمن البداهات التي يجب ألا تناقش أن تكون للإيمان هو الآخر الدولة التي يدفع بها عن نفسه في بيئته الأولى ووطنه الذي يأرز إلهي ويحتمي به. والدولة التي يساند بها أشياعه في سائر بلاد العالم، بل التي يحارب بها الظلم حيث كان».

8- قال محمد بن المبارك في كتابه الحكم والدولة ص11:

«فالدولة التي أقاموها هي دولة المسلمين بصفتهم جماعة بشرية لا بد لها من تنظيم سياسي ومن حكم».

يتضمن القرآن أحكاماً لا يتصور تنفيذها دون وجود حكم ودولة تأخذ بها وتعمل على تنفيذها فمن ذلك أحكام الحدود كقتل القاتل وقطع يد السارق، ومعاقبة الذين يسعون في الأرض فساداً أي يخلّون بأمن الدولة والمجتمع. وغيرها من العقوبات التي لا يتصور تطبيقها إلا بوجود دولة وحكم إذ كيف يترك ذلك للأفراد ودون قضاء وحكم، وفيها نفي وقتل وصلب وقطع يد وجلد وأمثال ذلك من العقوبات التي تستلزم حكماً يتخذ منها قانوه الجنائي يقضي به وينفذه.

ويتضمّن القرآن كذلك أحكاماً مالية تتعلق بالنفقة الواجبة بين الأقارب وبالميراث وتوزيعه وبالزكاة وبطرق صرفها ولا يتصوّر أن تكون هذه الأحكام ملزمة لمن تجب عليهم إلا إذا كان ثمة سلطة مجبرة تلزمهم جبراً إذا امتنعوا عن أداء ما عليهم من حقوق واجبة بل إن من مصارف الزكاة (العاملين عليها) وهم الذين يجمعونها والذين يتولون توزيعها، والعامل في الاصطلاح الإسلامي هو الموظف في اصطلاحنا، ولا يتصور وجود هؤلاء إلا في جهاز دولة قائمة تتخذ من هذه القواعد المالية أساساً لها وتعمل على تطبيقها وتنفيذها.

ويتضمّن القرآن بعد هذا دعوة إلى الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله أي شريعته هي العليا ولحماية الدين ورد الاعتداء على المسلمين وأوطانهم وكيانهم ودولتهم، وحماية المستضعفين من الرجال والنساء في آيات كثيرة جداً في سورة البقرة والنساء والأنفال والتوبة وغيرها وينص على أحكام في أمور تنشأ على الجهاد كتوزيع العنائم وفداء الأسرى وما إلى ذلك ولا يمكن أن يخاطب المسلمون فرادى غير منظمين بهذه الأحكام بل لا بد من نظام ولا يمكن تنفيذ هذه الأحكام بدون نظام وحاكم يتولى شؤونهم وينفذ هذه الأحكام في مواضعها فينذر بالحرب ويعلنها ويقود معركتها ويعقد المعاهدات ويقسم الغنائم ويفدي الأسرى.

وتضمّن القرآن كذلك أحكاماً وتوجيهات تتعلق بواجبات الحاكم كقوله تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ[. وهكذا فهمها الصحابة على أنها نزلت في ولاة الأمور وبهذا فسرها المفسرون الأولون القريبو العهد بعصر الصحابة والتابعين كما ذكر واجبات الرعية في الآية التالية: ]أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ[ وذكر المرجع في حال التنازع بين الحكام والشعب في تتمة الآية ]فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ[.

إن مجموع هذه الأحكام الجنائية والمالية والدولية والدستورية لا يمكن أن يعقل إيرادها والإلزام بها إلزاماً يعتقد المؤمن بالاسلام بوجوبه والإثم بتركه إلا إذا كان القرآن يفرض على المسلمين تنظيم الحكم وإقامة الدولة ولا يعقل أن يقدم الإسلام في قرآنه هذه الأحكام لدولة لا تؤمن به أو لا تقوم على أساس عقيدته ومبادئه ولا يقول بغير هذا إلا مَن فقد رشده أو غالط نفسه أو قصد المراوغة والخداع».

إلى أن يقول: «إن إقامة الدولة الاضطلاع بالحكم والسلطة جزء ضروري من الإسلام ولا يقوم إلا به ولا يتم إسلام المسلمين بدونه».

9- قال ضياء الدِّين في الإسلام والخلافة ص294:

«… لأن العلماء المسلمين قد أوضحوا أن الرسول r كان له وظيفتان:

® الأولى: التبليغ عن الله بحكم الرسالة التي أوحى الله إليه بها.

® الثانية: كونه إماماً وقائداً للمسلمين يرعى مصالحهم وينفذ أحكام الشريعة. وحددوا إذن مهمة الخلافة أو فيمن يخلف خليفة الرسول، فهو إنما يخلفه أو ينوب عنه أو يقوم مقامه في الوظيفة الثانية فقط، أما الوظيفة الأولى فكانت خاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام وقد انتهت بموته حيث تمت الرسالة وانقطع الوحي وهذا هو ما يعتقده ويعرفه جميع المسلمين».

10- قا عبد القادر عودة ص19: الإسلام وأوضاعنا السياسية:

«والاسلام ليس ديناً فحسب وإنّما هو دين ودولة وفي طبيعة الإسلام أن تكون له دولة ولو حذفنا النصوص الصرحية التي أوردناها فيما سبق والتي توجب الحكم بما أنزل الله لما غير ذلك شيئاً من طبيعة الإسلام التي تقتضي قيام الحكم الاسلامي والدولة الاسلامية فكل أمر في القرآن والسنة يقتضي تنفيذه قيام حكم إسلامي ودولة إسلامية لأن تنفيذه كما يجب غير مأمون إلا في ظل حكم إسلامي خالص ودولة إسلامية تقوم على أمر الله وقيام الإسلام نفسه في الحدود التي رسمها الله وبيّنها الرسول يقتضي قيام دولة إسلامية تقيم الإسلام في حدوده المرسومة وذلك منطق لا يجحده إلا مكابر إذ أنّ الإسلام لا يمكن أن يقوم على وجهه الصحيح في ظل دولة غير إسلامية لا يهمها أن يقام ولا يضرها أن ينتقص منه، ولا يمنعها شيء من تعطيله أو الانحراف به، وإنما يقوم الإسلام على وجهه الصحيح في ظل دولة تقوم على مبادئ الإسلام وتتقيد بحدوده.

وأكثر ما جاء به الإسلام لا يدخل تنفيذه في اختصاص الأفراد وإنما هو من اختصاص الحكومات وهذا وحده يقطع بأن الحكم من طبيعة الإسلام ومقتضايته وأن الإسلام دين ودولة».

… ولا شك أن القرآن لم يأت بالنصوص الخاصة بالجرائم عبثاً وإنما جاء بها لتنفذ وتقام، وإذا كان القرآن قد أوجب على المسلمين إقامة هذه النصوص وتنفيذها فقد أوجب عليهم أن يقيموا حكومة ودولة تسهر على إقامة هذه النصوص وتعتبر تنفيذها بعض ما يجب عليها…

… والدين في الإسلام ضروري للدولة والدولة ضرورة من ضرورات الدين فلا يقام بغير دولة ولا تصلح الدولة بغير الدين.

11- قال سيد قطب رحمه الله في معركة الإسلام والرأسمالية ص55:

«إذا أريد للاسلام أن يعمل، فلا بد للاسلام أن يحكم فما جاء هذا الدين لينزوي في الصوامع والمعابد أو يستكن في القلوب والضمائر إنما جاء ليحكم الحياة ويعرفها ويصوغ المجتمع وفق فكرته الكاملة عن الحياة لا بالوعظ والإرشاد بل كذلك بالتشريع والتنظيم جاء ليترجم مبادئه ونظرياته نظاماً وحياة ويجعل أوامره ونواهيه مجتمعاً حياً وناساً من اللحم والدم، يدبون على هذه الأرض ويمثلون بسلوكهم ونظام حياتهم وعلاقات مجتمعهم وشكل حكمهم مبادئ هذا الدين وأفكاره وقوانينه وتشريعاته».

12- قال عبد الرحمن عبد الخالق في كتاب المسلمون والعمل السياسي ص7:

«فكل مسلم لا يجوز أن يجهل أن الإسلام قد جاء لإنشاء أمة وإقامة نظام ودولة، تقيم العدل، وتحارب الكفر والفساد وتطبق الأحكام ورسولنا محمد r لعله الرسول الوحيد بين الرسل الذي جمع في حياته بين مهمة الدعوة وواجبات الحكم والسيادة فقد كان هادياً ومبشراً ونذيراً وكذلك قد كان حاكماً وقاضياً وقائد جيش».

… والخلاصة أن النبي r كان قائد أمة، وحاكم جماعة وإمام دولة مع كونه نذيراً للعالمين وبشيراً للمؤمنين ومبلغاً للناس أجمعين».

كل هذا يؤكد على أن إقامة الأمة والدولة والحكم من صلب الدين ومن واجباته الأساسية ولذلك أجمع المسلمون على ذلك في كل عصورهم وأنه يجب تولية إمام أي خليفة.

® قال محمد الغزالي في مِن هنا نعلم ص14:

«وتواصت دول (أوروبا) أن تحارب بكل أسلوب نزعات الحنين، إلى الحكم الاسلامي والتشريع الإسلامي حتى أنها لتنص فيما تبرم معنا من معاهدات على أن تكون قوانينا السائدة امتداد لقوانين الغرب الفاسدة، وحذار ثم حذار أن تصلوا التشريع بمنابعة الأولى من كتاب الله وسنة رسوله!!». وقال في ص22:

«إن الإسلام ليس نظرية هندسية حَسْبُ المرء منها أن يفهم صحتها ويذكر أدلتها، أو فلسفة عقلية يتسلى بمطالعتها ويدرسها إذا شاء لبعض عشّاقها… بل هو منهاج استوعب مجموعة ضخمة من التعاليم الروحية والعملية وقد للناس قواعد بينة للاصلاح العام تمس من قريب شؤون الفرد والمجتمع والدولة… ومن الذي يزعم أن دعوة إصلاحية تبتعد عن ميدان الحكم وتزهد في الإفادة منه لمبادئها.

… وهو ما حدث مع الرسول العظيم صاحب هذه الشريعة، فقد بدأ هادياً ومبشراً ونذيراً وانتهى قاضياً وحاكماً، بعد ما تحولت رسالته من طور الدعوة التي تطارَد وتضطهد إلى طور الدولة التي تأخذ لربِّها ولنفسها ما تريد.

… وهكذا يراد بالاسلام وحده أن يحرم من أسباب السلطان وأن يعيش فلسفة روحية مجردة في الوقت الذي تتسلح فيه اليهودية وتتسلح المسيحية وتسخران دول العالم ضدنا».

ثانياً: الدين بالمصحف الهادي والسيف الناصر:

قال ابن تيمية في الحسبة ص31:

«فالدين الصحيح يحتاج إلى الكتاب الهادي والسيف الناصر».

2- وقال في منهج السنة النبوية 1/142:

«فالدين الحق لا بد فيه من الكتاب الهادي والسيف الناصر، فالكتاب يبيِّن ما أمر الله به وما نهي عنه، والسيف ينصر ذلك ويؤيده».

3- قال الجويني: غياث الأمم ص144:

«فللدعاة إلى الدين الحقّ مسلكان أحدهما الحجة وإيضاح الحجّة، والثاني الاقتهار بغراد السيوف وإيراد الجاحدين الجاهزين مناهل الحتوف».

® وقال ابن تيمية في الفتاوي ج28/ ص396:

«فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات واجتناب ما يمكنه من المحرمات لم يؤاخذ بما يعجز عنه فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجَّار ومن كان عاجزاً عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه والدعاء للأمة ومحبة الخير وفعل ما يقدر عليه من الخيرة لم يكلف ما يعجز عنه فإن قوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر كما ذكره الله تعالى فعلى كل واحدٍ الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى».

وقال في ص120 منه:

«قلنا أن النبي r كان مع نبوته رئيساً للدولة كان يمثل السلطان الروحي باعتباره نبياً ويمثل السلطان المادي باعتباره رئيساً وكان مهمته النبوية أن يبلغ الناس ما يوحى إليه من ربّه ويبينُه لهم كما علمه الله، أما مهمته باعتباره رئيساً فهي إقامته الدين والحكم بما أنزل الله وتوجيه أمور الأفراد والجماعة والقيام على شؤونهم جميعاً في حدود ما أنزل الله.

وبعد وفاة الرسول r انقطع الوحي وتحدد الإسلام فلا زيادة ولا نقص ولا تبديل ولا تعديل وأصبح السلطان الروحي ممثلاً فيما جاء به الرسول وهو الإسلام كما أصبح الإسلام محدداً بالقرآن والسنة.

وكل من يخلف رسول الله r على رئاسة الدولة ليس من سلطان إلا السلطان المادي الذي كان يباشره الرسول باعتباره رئيساً للدولة أما السلطان الروحي فهو القرآن والسنة أي ما جاء به الرسول، على أنه لما كان السلطان المادي في الإسلام يقوم على السلطان الروحي ويندمج فيه فإنّ رئيس الدولة الاسلامية حين يباشر سلطاناً مادياً وسلطاناً روحياً اندمج كلاهما في الآخر وامتزج به».

4- قال العالم الجليل شيخ الأزهر «محمد بخيث» مفتي الديار المصرية في كتابه الذي يرد به على الشيخ عبد الرازق وأسماه «حكومة الإسلام وأصول الحكم»:

وأما الديانة الاسلامية فقد وضع أساسها على طلب الغلب والشوكة والقوة والعزة، فالذي يرجع إلى القرآن الكريم. ويقرأ ما فيه من آيات الجهاد يحكم حكماً لا ريب فيه بأنّ المتدينين به لا بد أن يكونوا أول أمة حربية في العالم. بمقتضى قوله تعالى: ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ[ وغيرها من آيات الجهاد وأنه يجب على هذه الأمة وأبنائها أن يسبقوا الأمم كلها إلى اختراع الآلات الحربية واتقان العلوم العسكرية والتبحر في كل ما يلزمها من الفنون كالطبيعة والكيمياء والهندسة وغير ذلك، وأنه يجب على كل واحد من الأمم الاسلامية أن يعد كل ما يستطيعه من الآلات الحربية التي يحصل بها القوة ويكون واحد منهم جندياً مستعداً للقتال في أي وقت اتقضت الحال ذلك.

ومن رجع إلى أن الشرع الإسلام حرّم المراهنة إلا في المسابقة على الخيل والرماية بالنبال ـ كما كان عصره عليه السلام ـ أو البنادق لإصابة الهدف والرمي ـ انكشف له مقدار رغبة الشارع في معرفة الفنون العسكرية والتمرّن عليها. ثم يمضي قائلاً ليوسف الشيخ عبد الرازق:

«يريد المؤلف ـ وهو يزعم أنه من المسلمين أن يجلع الملة الاسلامية كسائر الملل المسيحية مع أن هذه الملل خرجت عن مقتضى شرائعها ودياناتها وتسابقوا إلى اقتسام المملك والتغلب على الأقطار الشاسعة وما مر من يوم إلا ونسمع فيه اختراعاً جديداً من آلات الحرب، أما كان الأجدر به وهو يدّعي أنه مسلم أن ينبِّه أمته إلى العمل بدينها وشريعتها ويوقظها من النوم الطويل العميق، حتى تخرج من تحت ردم الغفلة الذي تراكم على رجالها وأبنائها فقد صاروا حتماً لا يسمعون ما يدبره لهم أعداؤهم فهل بعد هذا الذي بيّناه يمكن أن يقول عاقل عنده ذرة من العقل أو أدنى حب لأمته ودينه وملته: رسالة لا حكم ودين لا دولة.. الخ».

5- قال محمد المبارك في كتابه الحكم والدولة:

]لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ[ في هذه الآية عناوين كبرى هي:

الكتاب: وهو هنا القرآن الذي تضمن مبادئ الدين الأخير والرسالة الخاتمة.

الميزان: وهو إشارة للعدل بين الناس بالموازين العادلة واعطائهم حقوقهم.

القسط: وقيام الناس بالقسط إقامة حياتهم وأنواع نشاطهم على أساس التوازن بين جوانبهم المختلفة دون أن يطغى جانب على جانب ولا فئة على فئة.

الحديد: وهو رمز القوة التي تؤيد مبادئ الكتاب وموازين العدل وقوانين القسط».

6- قال د/ فتحي الدريتي ـ خصائص التشريع الاسلامي في السياسة والحكم ص180:

«إن القوة القاهرة الرادعة التي هي عنصر من عناصر سيادة الدولة قائمة في الإسلام على اساس من نظام إلهي مرسوم يحدد وجود استخدامها وتحقيقها لتلك الغايات والمثل الانسانية العليا، لا تقهر الشعوب المستضعفة في الأرض استعماراً».

7- قال عبد الرحمن عبد الخالق في السياسة الشرعية ص12:

«… إن السيف والسلطان كان يحمي العقيدة في القرون السالفة ثم تغير هذا الأمر..».

® قال الشعراوي في كتابه الإسلام والقوة والمجتمع ص8:

«ونحن حين نستقرئ أوضاع الناس في الأرض نجد الناس لا يخرجون عن لونين:

1- لون عاقل تقنعه الحجة ويقنعه البرهان.

2- ولون جاهل يتمادى في جهالته نكراناً للاقناع وعدم انصياع للحجة وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً.

فإذا أراد الله لمبدأ من مبادئ الحق أن يسود فلا بد أن تكون للحق قوة، وقة تقنع بالبرهان وقوة تردع بالسِّنان».

® قال وهبة الزحيلي في الموسوعة 6/667:

«وجدير بالذكر أنّ كل رسالة إصلاحية وعلى رأسها الإسلام لا يمكن أن يقرَّ قرارها أو تظهر فائدها إلا في سياح منيع من القوة المانعة والسطوة الرادعة التي تلازم وجود الدولة.

® قال محمد الغزالي في معركة المصحف ص68:

«إننا نزكي سياسة التبليغ المسالم بل نرفض ما عداها عندما يكون لها موضع!! ولكن عندما تقع الأمم فريسة أغوال من الحكام الطائشين فما بد من السلاح الذي يفتح وحده هذه الأغلاق».

واكتفي بهذا النقول الطيبة لعلماء هذه الأمة قديماً وحديثاً وفيها ذكرى وعظة لمن كان له قلب بأن فصل الدين عن الدولة شيء لم يعرفه السلف الصالح ولا العلماء الأقحاح. واسلام بلا دولة شجرة بلا ثمرة أو جسد بلا روح.

أمل لا بد أن يتحقق

إخوة الإسلام في أرض الله تعالى كانوا على أيقن من اليقين أن الخلافة الاسلامية على منهاج النبوة عائدة ـ بإذن الله تعالى ـ ولو كره المشركون، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله تعالى تصديقاً لما جاء في الحديث الصحيح، فعن النعمان بن بشير قال: كنّا قعوداً في مسجد رسول الله r، وكان بشير رجلاً يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة فقال: يا بشير بن سعد، أتحفظ حديث رسول الله r في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبة، الخشني فقال حذيفة قال رسول الله r:

«1- أن تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها.

2- ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها.

3- ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها.

4- ثم تكون ملكاً جبرية (كما هو الحال في العالم الاسلامي قاطبة ودون استثناء). فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها.

5- ثم تكون خلافة على منهاج النبوة

رواه أحمد، أبو داود، والترمذي، انظر فتح الباري ج13/214 فقد فصّل هذه الأطوار.

استنهاض الهمم

إخوة الإسلام في أرض الله تعالى لقد رأينا بالأدلة القواطع والنصوص السواطع أن إقامة الخلافة من أعظم واجبات الدين وأن أي تهاون في إعادتها واستئناف الحياة الاسلامية من جديد يعتبر من كبائر الإثم وعززنا ذلك بنقول ـ ولو قليلة جداً ـ لفحول أهل العلم في القديم والحديث فعليكم معشر علماء الأمة الاسلامية حيثما وجدتم بتذكير المسلمين لهذه الفريضة العظيمة ولا تخافوا في الله لومة لائم وإلا كان عذابكم عند الله شديداً، فإن الرعايا ما فسدت إلا بفساد الملوك والملوك ما فسدوا إلا بفساد العلماء وفساد العلماء ما فسدوا إلا بحب الدنيا والجاه وكراهية الموت ـ والله المستعان. أما أنتم معشر الشباب المسلم في أنحاء المعمورة عليكم جميعاً بالعلم النافع، التزكية الحقة، والعمل الصالح، والسعي حثيثاً لاسقاط طواغيت العالم الاسلامي الذين ملكوا شعوبهم بالحديد والنار تارة، وبالكيد والمكر والدهاء تارة أخرى، وباستخدام بعض رجال الدين في تفريخ فتاوي ضالة منحرفة تخدم مصالحهم الخسيسة مقابل ثمن بخس دراهم معدودة، وإياكم أن تظنوا أن إسقاط هؤلاء يتم بين عشية وضحاها أو يتم بجهود قليلة، لا وألف لا. وإنما يتم ذلك بعد جهود جبارة وتضحيات جسام وقطع جسور من التعب والنصب والوصب، ولكن العاقبة للمتقين وصدق الله العظيم إذ يقول: ]إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ[.

أما أنتنّ معشر المسلمات فعليكن بتربية أولادكن على الإسلام المصفّى والرجولة الحقة والزهد في الحياة الدنيا والنصيحة في سبيل المبادئ العظيمة مقتديات في ذلك بسيرة أسماء ذات النطاقين وغيرها من نساء السلف الصالحات. وما أكثرهن.

وصدق الله العظيم إذ يقول: ]نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ[.

إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان. □

كتبها العبد الفقير

أبو عبد الفتاح علي بن حاج

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *