العدد 44 - السنة الرابعة – جمادى الأولى 1411هـ، كانون الأول 1990م

مصـر من الخلافة إلى العروية (القومية)

كثرت المقالات التي تتحدث عن دور الاستعمار البريطاني في إحياء العنصرية القومية. وفي مقال للدكتور فهمي الشناوي نشرته له إحدى المجلات الأسبوعية وردت بعض الحقائق التاريخية نلخصها للقارىء الكريم تعميماً للفائدة، ولما لها من أهمية وعبرة.

يقول الكاتب الشناوي:

بانتهاء الثورة العرابية خرجت مصر من الخلافة الاسلامية العثمانية دون أن يدرك عرابي ولا عامة المصريين حقيقة ما حدث. وبدأت مرحلة التحول الكبير أو التحول الخطر من الإسلام إلى العروبة. إن أي تحول يكون خطيراً إذا كان ساسة الأمة لا يدركون أبعاده، أو يظنون أنهم يحسنون صنعاً. ولا تكشف المصيبة إلا بعد فترة من الزمن وحيث  ينفع الندم. وعندما جرى ذلك التحول في مصر كانت الثورة المسماة بـ «الثورة العربية الكبرى» بقيادة الشريف حسين قد انطلقت في الحجاز، ولكنها انتهت بدخول الاستعمار إلى المنطقة وزرع بذور دويلة صهيونية [يهودية] في أرض فلسطين. وتم كل هذا تحت أعين العرب وبموافقة حكامهم دون أن يدري أحد شيئاً عما يجري.

ولقد تم تحويل مصر من خطها الاسلامي إلى اتجاه عروبي قومي على مرحلتين هما: تحول من الإسلام إلى الوطنية خلال ثورة 1919م وتحول من الإسلام إلى العروبة بعد ثورة 1952م.

من سعد زغلول إلى عبد الناصر

ابتدأت ثورة عام 1919 إسلامية ثم انتهت علمانية، تماماً مثلما حدث في ثورة 1952. فثورة زغلول 1919 كان قائدها أزهرياً وخرجت من الأزهر، ولكنها انتهت بدستور غربي وهو دستور عام 1932 وانتهت أيضاً بتحقيق ما يسمى بالاستقلال الوطني من خلال معاهدة 1936. وبروز شعار «الدين لله والوطن للجميع». وطابع الدولة المنشودة طابع غربي أوروبي أي قبول بعملية التغريب أو الأَوْربة [من أوروبا] واعتبار كل ذلك نهضة. وأهم من هذا أن يحسّ جميع الشعب أنه حقق نصراً وحقق تحرراً. وهو نصر وتحرر جعل المستعمر البريطاني يدخل كل مكان من المدرسة إلى المحكمة إلى الشارع. فلا غرو إذن أن يُحِسَّ الناس بالبهجة عندما طرد هذا المستعمر نسبياً من الشارع ومن المدرسة ومن المحكمة ومن الجيش. ولكن ما هي النتيجة الحقيقية في النهاية؟ هذا ما خفي على الجميع.

وإذا كان السبب الظاهري لثورة 1919 هو مجرد منع سفر الوفد المصري إلى مؤتمر باريس للمطالبة باستقلال مصر [عن الاستعمار البريطاني] إلا أننا نعتبر أن السبب الحقيقي للثورة هو منع الشعب المصري من ممارسة السياسة طوال الفترة من 1882م إلى 1919م وهذا المنع أدى إلى شحن الصدور بالاحساس الوطين الذي لم يجد له تبريراً فانفجر في الثورة. وهكذا نجد أن حرمان أي شعب من ممارسة السياسة فترة طويلة لا بد وأن يؤدي إلى انفجار مدوّ عندما تحين فرصة مناسبة. وحوادث أوروبا الشرقية مؤخراً خير شاهد على ما نقول.

وكانت قيادة ثورة 1919 قيادة متميزة وموهوبة، فسعد زغلول كان وزيراً للمعارف منذ 1906 أي قبل الثورة بثلاثة عشر عاماً. وكان محترماً بين ساسة عصره. وكان خطيباً مفوهاً واسع الحجة سريع البديهة وسياسياً منحكاً ولكنه نسي إسلامه سياسية. ونسي أنه خريج الأزهر ونسي أن الثورة كلها تخرج يومياً من صحن الأزهر. ولم يسلك بثورته طريقاً إسلامياً. ولك لو أنه طمع في الاحتفاظ للمسلمين برابطة سياية تحل في مصر محل الخلافة الاسلامية التي سقطت في تركيا، ولو أن تكوينه السياسي كان إسلامياً لتحقق له الكثير في هذا الصدد، ولعمّت ثورة 1919 من مصر إلى باقي بلدان العالم الاسلامي الذي كان تحت الحكم البريطاني، وكله كان مشتاقاً إلى غقامة خلافة جديدة محل تلك التي سقطت في تركيا.

وهنا يجب أن نتدبر كيف أن البريطانيين طوال استعمارهم لمصر بعد الثورة العرابية كانوا يحاولون منع أي تحرك إسلامي في مستقبل الأيام. ومن يقرأ مذكرا كرومر «مصر الحديثة» يجد أن كرومر طوال ربع القرن الذي حكم فيه مصر لا يتخلى عن هاجس أن تعود مصر إسلامية على الاطلاق. وكان مرعوباً طوال الوقت من الإسلام.

بل أصرح من هذا نقول إن بريطانيا خلقت في مصر روح الوطنية ذاتها وذلك بديلاً عن عاطفة المصري العارمة نحو الوحدة الاسلامية مع المسلمين الآخرين. وقد فعل كرومر هذا الإحلال للوطنية بديلاً عن الاسلامية بوعي سياسي ذكي ونشط وحثيث ومحدد الهدف. وهدفه هو أن ينسى المصريون الخلافة والحكم الاسلامي.

وكان كرومر يلتقط نبهاء المسلمين في مصر ويدفعهم إلى أعلى، خطوةً خطوةً حتى يسلمهم زمام الأمور. وهؤلاء التلاميذ لكرومر لم يكونوا يحسّون على الاطلاق بأنهم استقلوا عن الإسلام. فهذه كانت براعة وعبقرية اللورد كرومر.

واستطاع الانجليز أن يستجيبوا لهذه الثورة على يد القائد البريطاني اللنبي الذي قال عندما دخل القدس في نفس العام 1919 «اليوم انتهت الحروب الصليبية»!! فهذا القائد هو الذي طالب حكومته بالاستجابة الصورية لهذه الثورة، لأن هذه الثورة العارمة هي عند الانجليز أهون كثيراً من المناداة بالخلافة الاسلامية.. وكل هذا في نطاق منع أي مطالب إسلامية لمصر. بل الأدهي من ذلك والأوضح أيضاً أن الأفكار كلها عن التحول نحو العروبة بديلاً عن الإسلام جاءت من بريطانيا وبهدف محدد خفي أيضاً وهو منع قيام وحدة إسلامية.

وأول خطوة عروبية بدرت من بريطانيا نحو مصر كانت عام 1939 جاء إثر ثورة فلسطين الإسلامية بقيادة الحاج أمين الحسيني عام 1936 وبغرض وضع نهاية عروبية لمشروع ثورة إسلامية يخشى أن تنشب بقيادة المفتي الحسيني أو غيره. ثم جاء عرض (إيدن) عام 1942 بإنشاء جامعة عربية وكان واضحاً وضوح الشمس أن (إيدن) لا يقصد من الجامعة العربية تحقيق وحدة عؤيسة أو حياً في العرب ولكن خطوته كانت من أجل إيجاد بديل مزيف عن الوحدة الاسلامية أو عودة الخلافة أو الإمامة.

ويلاحظ أن قانون الجامعة العربية نص على أن لا تلتزم دول الجامعة برغبة الأكثرية وأن كل دولة تلتزم فقط بما توافق هي نفسها عليه. وكان هذا الشرط من وضع لبنان نفسه وبغرض التخوف من وحدة إسلامية أيضاً.

وهكذا نرى أن ثورة 1919 تحولت إلى تجمع عربي هو الجامعة العربية 1945 وهو تجمع صوري.

أما بالنسبة لثورة يوليو الناصرية عام 1952 فإنها عندما أعنلت مبادئها الستة فإننا نجد أن هذه المبادئ خلت تماماً من أي ذكر لـ «إسرائيل» ووضح أنها ـ على القل ـ لا تعارض في التفاهم مع «إسرائيل».

وكما قضى محمد علي على المماليك، قضت ثورة 1952 على أصحاب الأراضي بدعوى العدالة الاجتماعية ولكن في الحقيقة لتصفية مماليك الأرض. وكل الذي وزع هو 1,2 مليون فدان على عدد معين من الفلاحين دون باقي الفلاحين في مصر، وبعد الانتهاء من عملية التوزيع هذه من أين ستوجد أرض لتوزع على المعدمين الذين سيستجدون في المستقبل؟ والنتيجة أن عدد المعدمين زاد حالياً وأن الزراعة نفسها حققت تخلفاً ملخصه أن مصر تستورد 80% من طعامها حالياً.وكان عدد من لا يملكون أي أرض زراعية عام 1952 هو 1,5 مليون فصار عددهم الآن 6 ملايين لأن السكان في تزايد مستمر والسد العالي الذي كان مفروضاً فيه أن يزيد مساحة المزروع إلى 22% فالتهمت النسبة السكانية أي زيادة أحدثها في الأرض الزراعية.

لقد بدأت ثورة 1952 كانقلاب عسكري ولكن الاخوان المسلمين هم الذين حولولها إلى ثورة شعبية باحتضانهم لها وفتح بيوتهم وشُعَبهم لقادتها وإضفاء الحماية والتأييد الاعلامي لها. وكان عبد الناصر نفسه اخوانياً ومن الجهاز السري للاخوان، وكان السادات اخوانيا وثيق الصلة بمؤسس الاخوان [هذا القول على ذمة الكاتب الدكتور الشناوي]. وبعد التحول من انقلاب إلى ثورة وبعد التمكن من الحكم سحقت الثورة تنظيم الاخوان 1945 ثم عام 1956. خلاصة القول أن ثورة 1952 تحمل في ثناياها عدم الاستقرار ولا يمكن التنبؤ بالغد. إن ثورتي 1919، 1952 بدأتا ثورتين إسلاميتين وكان في إمكانهما تحقيق وحدة إسلامية لو كان هناك وعي إسلامي عند قادتها.

والذي حفز (إيدن) ليدعو دعوته هذه هو لجوء أمين الحسيني مفتي فلسطين الاسلامية إلى العراق بمجرد نشوب الحرب العالمية الثانية. وكان هذا المفتي قد أشعل ثورة إسلامية عام 1936 في فلسطين. وأدركت أفعى السياسة الاستعمارية البريطانية أن من المحتمل أن تنتشر الثورة الاسلامية التي كانت في فلسطين إلى العراق وباقي الدول العربية. فكان طبيعياً أن تنفث الأفعى سمها وتدسه في العسل العربي: تعالوا يا عرب اعملوا جامعة عربية. كأن بريطانيا كانت حريصة على العرب ودولة العرب ووحدة العرب. بحيث تشمل تلك الوحدة كل أراضي الاستعمار نفسه. فلا العرب اتعظوا من أن صاحب الفكرة غربي واستعماري. ولا اتعظوا من أنه هو نفسه بعد ذلك الذي أقام إسرائيل في عام 1948 بعد قيام الجامعة العربية بثلاث سنوات ولا اتعظوا بأنه هو نفسه الذي غزا مصر عام 1956 مع فرنسا وإسرائيل.

هذه القومية العربية بهذه النشأة وهذه الخسائر المتكررة وهذه الهزائم العسكرية المتلاحقة 1948 ـ 1956 ـ 1967 ـ 1973 ـ 1982  وهذا التشتت والتقاتل وهذا الضياع لثروات العرب من مياه إلى نفط إلى بحار إلى زراعة. هذا كله إن لم يشككنا في أننا ضالون عن الطريق، فإن على أعيننا غشاوة وفي آذاننا وقراً وعلينا العفاء.

إن أي منصف متجرد من التلوث السياسي (بغرض منصب أو مال أو مكسب) أي منصف يستطيع أن يثق تماماً أن دعوى القومية العربية هي دعوى نصرانية استعمارية استيطانية تغزل العرب بغرض افتراس العرب تماماً كالدعوى الأولى التي خرجت من نصارى الشام خريجي الكلية التبشيرية بغرض هدم الخلافة.

لا أحد يكره الوحدة العربية ولكن هذه الوحدة السياسية المنشودة لا تتم بغير الإسلام. وذلك بنص القرآن ]لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ[ فوحدة العرب لا تتم إلا بالاسلام.

وإذا كانت الوطنية هي عبادة الطين والأرض وإذا كانت القومية هي عبادة العنصرية التي تنتمي إليها، فإن الإسلام هو عبادة الله مباشرة وتطويع الأرض لله وتطويع القومية لله.

إن الأربعين حداً بين دول الإسلام الآن هي أربعون قفصاً حديدياً تحبس فيه الأمة الاسلامية وتسجن فيه هذه الأمة ويمنع عنها وراء الأسواء الطعام مع أنها أمة صاحبة إبداع خلاق وتراث غني وعزيز. هذه الأسوار الأربعون كل منها أشد من سور برلين الذيك كان يمزق الشعب الألماني، والذي أزاله الشعب الألماني ونفذ طوفانه من ثغرة فيه.

هذه الأسوار الأربعون لا بد أن تزول يوماً ما، تزيلها الشعوب على طرفي الحدود وربما كانت إزالة الحدةد بين أذربيجان وإيران هي ارهاصة بما سوف يحدث يوماً ما وعلى نطاق العالم الاسلامي.

تراجع العرب فحمل الراية الأكراد والأتراك

الانتكاسة التي أصابت المسلمين في الحروب الصليبية العشر والتي اختفى فيها العرب تماماً من المواجهة ضد الصليبيين نجد أنه لم يدفع الصليبيين إلا صلاح الدين (كردي) وقطز وبيبرس (روسيان من جنوب روسيا ومن سيبيريا) وكان هذا إيذاناً بأن تنتقل قيادة المسلمين إلى خارج العرب إلى الأتراك.

والحق أن الترك (العثمانيين) دافعوا عن الإسلام بالسيف ووصلوا إلى أبواب فينينا ومنعوا سقوط الشمال الأفريقي بعد أن سقط الأندلس ووصلوا جنوباً إلى خط الاستواء وقلب القارة المظلمة ثم كان مقتل الخلافة العثمانية على يد الموجة الأولى من القومية بقيادة حسين بن علي ثم كان سقوط القدس على يد الموجة الثانية من القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، ثم الاستسلام الكامل على يد السادات. ولا بد أن نتذكر أنه يوم سقطت القدس قال موشي ديان «لقد أصبح الطريق إلى يثرب (هكذا قالها يثرب) مفتوحاً. وإن لنا حقوقاً فيها». فماذا بعد سقوط المقدسات؟ وماذا بعد سقوطها أن تصبح المقدسات إما في متناول الذراع الطويلة وإما تحتمي بالقوة الأميركية حامية إسرائيل وحاضنتها أو تحتمي بروسيا أو بالصين؟

وتجرعت الشعوب الإسلامية على يد مذهب الوطنية كؤوس الفرقة والتفتت إلى 45 قطعة تتقاتل إلى الآن على الحدود بينها وآخرها حدود العراق والكويت مثلاً. وتجرعت كؤوس الديون القروض والذلة والاستسلام. ورغم هذا السقوط الشنيع بسبب الوطنية وبسبب القومية، وكلاهما غريب على الإسلام بل مضاد له ومجهض لحكمه، ومسقط لسلطانه، رغم هذا كله فإنّا نقول إن هناك رسالة وهناك ناساً. والرسالة سليمة لم تُمسّ ولم تتحول لأنها القرآن. وهناك الناس أي اشعب وهو قريب من الله والله قريب منه.

الغرب هو الذي اختلق الفكر الوطني

فالغرب هو الذي اختلق الفكر الوطني ثم هو الذي قدحه بزناده بوجوده العسكري ثم هو الذي استبدل بالوجود العسكري استعماراً اقتصادياً وتكنولوجياً. والغرب هو الذي اختلق القومية العربية وأوعز بقيام جامعتها واختار من وراء الستار أحزاباً وأشخاصاً ليلعبوا دور القادة القوميين. ثم كان الغرب نفسه هو الذي حطم هذه الأسطورة في عام 1919 بدخول الجنرال اللنبي القدس ثم في حزيران (يونيو) 1967.

ولم يختلق الغرب الفكر الوطين ولا الفكر القويم إلا ليقدم للناس المسلمين بديلاً مزيفاً عن الإسلام. وكلا البديلين تحطماً بين يديه هو نفسه. لأن الرسالة هي الرسالة منذ نزلت من لدن حكيم عليم. والناس هم الناس وهم أقرب شيء إلى إطالة الله وسيلتقي الناس مع الرسالة حالاً أو مآلاً. وأما رموز الوطنية والقومية من حكام أو ساسة أو كتاب فإنهم في سفينة غارقة تخلى عنها صانعها الغربي ذاته كما يتخلى الشيطان دائماً عن ضحيته أو فريسته، وربما حاول البعض منهم القفز من السفينة الغارقة وادعى تطبيق الشريعة أو التوبة النصوح بينما يصر آخرون على البقاء في السفينة الغارقة ظانين أنهم يسأوون إلى جبيل يعصمهم متمثلاً في دولة كبرى. وهذا كله ضد سنن الكون وضد مسار التاريخ لأنه لا يصح في النهاية إلا الصحيح. ونهاية الملك هي لله الواحد القهار، ولرسالة الله ولأهل الله.

انتهى مقال الدكتور الشناوي      

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *