العدد 45 - السنة الرابعة – جمادى الثانية 1411هـ، كانون الثاني 1991م

الحركات السياسية الإسلامية بين الواقعية والمبدئية

بقلم: أحمد فضل

طرابلس ـ الشام

إن من أهم القضايا التي تشغل بال الأمة الإسلامية اليوم هي قضية «النهضة». فالأمة الإسلامية تعيش منذ حوالي قرن من الزمان في حالة انحطاط لا يحسدهم عليها أحد من الناس.

إزاء هذا الواقع المرير، قامت حركات عديدة في الأمة الإسلامية في أوائل هذا القرن وحتى اليوم، تنشد تغيير الأوضاع المزرية التي ألمّت بالمسلمين. منها الحركات التي نجحت ومنها الحركات التي أخفقت، في وضع الأمة على الطريق المؤدي إلى النهضة.

مما لا شك فيه أن الأمة الإسلامية، أصبحت منذ سنوات عديدة تسير على الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى نهضتها، أي أنها خطت بعض الخطوات إلى الأمام، وإن كانت هذه الخطوات هي جزء بسيط جداً من مسيرة النهضة.

فبعد أن حملت الأمة المبادئ والأفكار المستوردة، من اشتراكية وشيوعية، ورأسمالية وديمقراطية، ووطنية وقومية وغيرها، رأيناها بدأت منذ مدة تكفر بها وتحتقرها وتكن لها العداء بوصفها أفكار وأنظمة كفر. وبدأت تضع أملها في الإسلام السياسي كمنقذ ومخلّص ومحرّر من نفوذ الاستعمار.

وبعد أن كان الغرب بثقافته قِبْلة المثقفين في البلاد الإسلامية، وأصبح موضع ازدراء واحتقار.

وبعد أن كان المسلمون يستسيغون الحكم بأنظمة الكفر وإبعاد الإسلام عن الحكم والسياسة والمجتمع، رأيناهم بدأوا يعلنون رفضهم لكل نظام وضعي، ويطالبون بعودة الحكم بما أنزل الله.

وبعد أن استكانت الأمة الإسلامية لحكام عملاء خونة يسومونهم سوء العذاب، وبعد أن وضعوا آمالهم وثقتهم في بعض الطغاة المنافقين رأيناهم اليوم قد فقدت كل ثقة بهم وكل أمل بوعودهم، بل تنظر إليهم بعين الحقد والكراهية بعد أن انكشف عوارهم واتضحت صفاقة وجوههم وبدت خيانتهم للعيان.

نعم، كل هذه الأدلة والإرهاصات تدل على أن الأمة الإسلامية قد اتجهت الوجهة الصحيحة، وأصبحت على طريق نهضتها، وخطت خطوة أو خطوات نحو الأمام.

إلا أنه لا بد من القول إن الأمة لم تخطُ بعد الخطوة النوعية التي ستنقلها إلى مرحلة جديدة، يصبح فيها السير حثيثاً نحو النهضة، ويصبح فيها وصف الانحطاط غير منطبق على واقع المسلمين، ألا وهي خطوة استئناف الحياة الإسلامية عن طريق إقامة الدولة الإسلامية. ولكن الأمل كبير بأن الله سبحانه وتعالى سوف يحقق وعده بالنصر وستقام عما قريب بإذن الله دولة الخلافة التي بشر بها رسول الله r.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تقدُّم الأمة هذا جاء تلقائياً دون تعمد من أحد؟ أم أن هناك جهوداً بذلت من أجل وضع الأمة على الطريق الصحيح؟

إن البديهي أن الشعوب والأمم لا تأتي بأفكارها من العدم، ولا تعثر على الأفكار والحلول والمعالجات المخبوءة في الصدور أو السطور، وإنما تتبنى أفكاراً وحلولاً ومعالجات مطروحة في واقعها الذي تعيشه وإزاء المشاكل والأزمات التي تلم بها. فمن أجل أن ينتشر فكر ما في المجتمع لا بد له ممن يدعو له ويحمله كعلاج للمشاكل التي يعاني منها الناس. فإذا وُجد حامل الدعوة الذي يدعو لفكرة بين الناس كعلاج للواقع الفاسد الذي يعيشونه، فإنه يصبح من الممكن أن يحمل المجتمع هذا الكفر ويتخذه قضية يعمل لأجلها.

وهذا ما حصل مع الأمة الإسلامية في هذا العصر. فقد عانت الأمة الأزمات والنكبات، فوُجد من يطرح الحلول والأفكار. وقد كانت الطروحات كثيرة متعددة، وكانت جهاتها أيضاً كثيرة متعددة. فالحكام طرحوا الحلول، وتعدد حلولهم بتعدد الأنظمة الحاكمة. والحركات السياسية طرحت الحلول، وتعدد حلولها بتعدد اتجاهاتها، فمنها الإسلامية ومنها العلمانية، ومنها القومية ومنها الوطنية، ومنها الاشتراكية والشيوعية ومنها الليبرالية والديمقراطية الرأسمالية.

وتخبطت الأمة في هذه التيارات وذاقت الأمرّين إلى عن كفرت بكل ما سوى الإسلام، وحملت الإسلام السياسي كمنقذ لها من الواقع المرير. فكان الظفر للطرح الإسلامي أمام كل الطروحات الدخلية.

وهنا يبرز تساؤل آخر وهو أن الحركات التي طرحت الإسلام متعددة من حيث الكم، كما أنها متعددة من حيث نوعية الطرح، فما هي يا ترى الحركات الإسلامية التي أفلحت وما هي الحركات التي أخفقت في مهمتها؟

إن البعض يعتبر أن التفاف الناس حول الحركة السياسية منذ أول يوم هو دليل على نجاحها، حيث يعتبر أن الشعبية التي تتمتع بها الحركة هي مقياس نجاحها. وهذا التقييم يدل في الحقيقة على منتهى السطحية في التفكير السياسي.

فمن المعلوم أن الحركة السياسية إذا نشأت في مجتمع منحط، فإن مهمتها يجب أن تكون العمل على النهضة بهذا المجتمع، وربما أن المجتمع ينحط بانحطاط العرف العام السائد فيه والأنظمة المطبقة عليه، ويرتقي برقي العرف العام والأنظمة المطبقة فيه، فإن مهمة الحركة السياسية تكون حينئذ العمل على تغيير المجتمع عن طريق تغيير العرف العام والأنظمة، أي عن طريق مكافحة الأفكار والقناعات والمفاهيم والمشاعر السائدة والأنظمة القائمة من أجل أن تحل محلها أفكار وقناعات ومفاهيم ومشاعر راقية وأنظمة صحيحة.

وهذا يعني أنه على الحركة السياسية أن تصطدم بالواقع الفاسد من أول يوم لأنها أتت بشيء جديد غريب عن الواقع الذي يعيشه الناس، فمن طبيعة المجتمعات أنها تتمسك بما عندها من أعراف وتقاليد وقناعات، ولا تتخلى عنها بسهولة، بل يحتاج الأمر إلى سنين من العمل الدؤوب والكفاح المتواصل والصراع المرير والمصابرة الجلودة من قِبَل الدعاة حتى يبدأ الناس بالتخلي عن قناعاتهم وأفكارهم وحتى تبدأ مشاعرهم تصاغ على هيئة جديدة. لذلك فإن الحركات السياسية التي تريد تغيير المجتمع والنهوض به عليها أن تتوقع منذ أول يوم مجابهة الناس لها، ووقوفهم في وجهها وخذلانها لها. فحملة الدعوة يتكلمون بما يخالف أمزجة الناس، ويخالفون عاداتهم وتقاليدهم، وهاذ ما يعتبره المجتمع تحدياً للعرف وخروجاً عن التقاليد التي اكتسبت مع الوقت ما يشبه القداسة.

وإذا رجعنا حوادث التاريخ، وجدنا أن كل دعوة جديدة كانت تجابه بالمحاربة، والتعصب والجمود على القديم، وخاصة لدى الشعوب المنحطة. وأكثر ما تتجلى هذه الحقيقة في دعوات الرسل عليهم السلام. فلقد كانوا يُبعثون غالباً إلى شعوب غارقة في ظلمات الانحطاط، فيدعونهم إلى اعتناق العقائد والأديان المبنية على العقل، أي يعملون على النهوض بهم فكرياً، فيواجهون بالاستهزاء والمحاربة والإيذاء والشتم. إسمع إلى قوله تعالى: ]يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون[، وإلى قوله تعالى: ]كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ[، وانظر إلى هذه الآيات التي تعدد الشعوب والأقوام التي كذبت رسلها، فيقول تعالى: ]كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ @ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ[، ويقول عزّ من قائل: ]كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ[، ثم يقول سبحانه: ]كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ @ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ @ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ[، وبعد ذلك يقول سبحانه وتعالى: ]وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ @ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ[.

من هنا نقول إن التفاف المجتمع حول حركة سياسية من أول يوم تقوم به الدعوة لا يدل على نجاحها، بل قد يدل على أن هذه الحركة فاشلة مخفقة، لماذا؟ لأن من طبيعة الشعوب أن تلتف حول من يمثل أفكارها وقناعاتها وغاياتها، فعندما تلتف الشعوب المنحطة على حركة سياسية ما من أول يوم، فهذا يعني أن هذه الحركة هي من جنس هذا المجتمع، وتحمل ما يحمل من أفكار وتصورات وقناعات، أي أنها منحطة شأنها شأن المجتمع.

إذا كانت مهمة الحركات السياسية في المجتمع المنحط هي النهضة به، فمن البديهي أن يكون فكرها مغايراً للعرف العام، ومشاعرها مخالفة للمشاعر الطاغية، أي أنها تتمتع بفكر لا يتمتع به المجتمع، تستطيع به تغيير هذا المجتمع، وإلا فإن وجودها لا معنى له، بل ربما كان عدم وجودها أفضل. لأن الذي يريد أن يرقى بالناس عليه هو أولاً أن يكون راقياً، ومن البداهة أن فاقد الشيء لا يعطيه.

وهذا ما يميز الحركات المبدئية (التي تلتزم بالمبدأ) عن الحركات الواقعة (التي تساير الواقع).

فالحركات الواقعية هي الحركات التي تشعر بفساد الواقع القائم الذي تعيشه الأمة، وتشعر بوجوب التغيير، فتنتقل من هذا الشعور فوراً إلى العمل. دون أن يسبق هذا العمل تفكير في حقيقة المشكلة التي يعاني منها المجتمع، ودون التفكير في الفكرة التي يراد النهوض بالمجتمع على أساسها، ولا في الطريقة التي ستسلطها من أجل الوصول إلى هدف محدد. فتقوم بأعمال مرتجلة عفوية غير مدروسة، وكثيراً من الأحيان غير هادفة.

فيكون عملها في حقيقة الأمر مستمداً من الواقع الفاسد الذي تعيشه، أي أنها جعلت الواقع ـ رغم فساده ـ مصدر المعالجة بدل أن يكون موضع المعالجة. مما يجعل عملها تأقلماً مع الواقع الفاسد وتكريساً للأسس التي يقوم عليها المجتمع.

وبذلك، تكون هذه الحركات تعبيراً عما يسود المجتمع المنحط من أفكار وقناعات ومقاييس ومشاعر. وبما أن الشعوب تنقاد لمن يعبر عن قناعاتها ومشاعرها وتوجهاتها، فإن الناس سوف تلتف حول هذه الحركات منذ أول يوم. وبذلك تكون هذه الحركات رجعية تساهم في تكريس الواقع الفاسد المتخلف الذي يعيشه المجتمع، وخاصة عندما تقوم هذه الحركات بإضفاء ثوب الشرعية والعلم والفقه على الأفكار والقناعات الفاسدة، وإلصاق الأدلة الشرعية والشواهد الفقهية بها.

إلا أن المجتمع إذا قدّر له أن ينهض، فإنه سرعان ما يتخلى عن هذه الحركات التي لن تعود عند ذلك تمثل قناعاته وأهدافه.

أما الحركات المبدئية،

فهي الحركات التي تحس بفساد الواقع وتخلف المجتمع، فتنتقل من هذا الإحساس إلى دراسة الواقع والتعمق فيه لمعرفة حقيقة المشكلة. لأن الذي يجهل حقيقة المشكلة لا يُتصور منه أن يحلها. فتدرس المجتمع دراسة عميقة بما فيه من أفكار وقناعات ومقاييس ومشاعر وأنظمة دراسة عميقة تؤدي إلى معرفة الصحيح من الفاسد السقيم، وإلى معرفة ما يفتقر إليه المجتمع من أفكار ومشاعر، وما دخله من أفكار ومشاعر غريبة فاسدة، وتؤدي إلى فهم واقع الأنظمة التي تُرعى بها شؤون الناس.

ثم بعد ذلك تنتقل إلى مبدئها ـ وهو بالنسبة لنا الإسلام ـ لتبحث من خلاله عن العلاج الصحيح للمشكلة، وهو يتمثل في مجموعة الأفكار والمفاهيم والأنظمة التي على أساسها سيتم تغيير المجتمع. والحركة المبدئية حين تقوم بالبحث عن العلاج الذي به تريد تغيير المجتمع، لا تتأثر بالواقع الفاسد الذي يعيشه الناس. فالمعالجة يجب أن تكون بريئة كل البراءة من كل الأوضاع الفاسدة التي تلم بالمجتمع. ففي الوقت الذي تكون فيه الحرات الواقعية ملتصقة بالواقع الفاسد تستمد تصوراتها ومعالجاتها منه، ولا تملك الخروج عن تأثيره، تكون الحركات المبدئية قد خلَّقت فوق الأجواء والأوضاع بما فيها من ظروف وملابسات، حلَّقت فوق الواقع لتدركه على حقيقته على نحو أشمل وأدق، ولتستشرف النهضة المنشودة والغاية المرسومة والتي تريد وضع الأمة على طريقها. نعم تعود بعد ذلك إلى المجتمع لتأخذ بيده في طريق الارتقاء والنهوض.

وهكذا، تبدأ الحركة المبدئية بمواجهة المجتمع المتخلف بدعوتها. ويبدأ الصدام بين الفكر القديم البالي، والفكر الجديد الذي تحمله الحركة المبدئية، وبين سياسة الأنظمة التي تحكم المجتمع من جهة، والمعالجات التي يطرحها حملة الدعوة من جهة أخرى. مما يجعل الحركة المبدئية تبدو لأول الأمر غريبة عن الواقع، ويخيّل للناس وكأنها قد أتت من عالم آخر لا يمتّ إلى مجتمعهم بصلة. إلا أن هذا الواقع يكون في الحقيقة من البشائر التي تُطَمْئِنُ حَمَلة الدعوة بأنهم على الطريق السوي، لأنهم يلاقون ما لاقاه حملة الدعوة دائماً عبر التاريخ حين واجهوا الشعوب المتخلفة المنحطة.

إلا أن هذا الواقع الذي تعيشه الحركات الدينية لا يلبث أن يتغير ويتبدل، فالدعاة المبدئيون حين ينطلقون بدعوتهم، يعتبرون أنفسهم قد دخلوا إلى ساحة معركة فكرية يجب أن يخرجوا منها منتصرين. ساحة المعركة هي هذا المجتمع الغارق في ظلام التخلف والانحطاط، هذا الظلام الذي يستر الحقائق عن أعين الناس، فلا يدركون زيف الباطل  ولا صدق الحق، لا يستطيعون مع هذا الظلام التمييز بين الصحيح والخطأ، أو بين الصالح والفاسد، أو بين الصدق والكذب. ولكن حملة الدعوة الذين يتمتعون بحدة البصر ويعرفون الأمور على حقيقتها يبدأون بمصادمة الأفكار والقناعات والأنظمة البالية، فعندما يصطدم الفكر الصحيح بالفكر السقيم والمفاهيم الراقية بالمفاهيم المنحطة، يقدح من جراء هذا الاصطدام شرر يضئ الساحة فينكشف للناس عوار الباطل ويلمع صدق الحق، وهكذا تتكرر المصادمات ويتكرر الشرر، إلى أن يوجد الوعي العام على المبدأ الذي حمله الدعاة، فتحتضن الأمة الحركة المبدئية وتحمل قضيّتها وتسير وراءها وتلبي نداءاتها وتدافع عنها، حتى تصل الأمة مع حركتها إلى إعادة بناء المجتمع الإسلامي واستئناف الحياة الإسلامية عن طريق الدولة الإسلامية.

وهذا ما حصل مع رسول الله r. فهو عندما بدأ بالجهر بالدعوة، ومعه الصحابة القلائل، واجه مجابهة عنيفة من مجتمع مكة الجاهلي. وواجه الاستهزاء والإيذاء والحصار، ووصل الأمر إلى حد قتل بعض اتباعه. واعتُبر المسلمون جسماً غريباً عن المجتمع القائم. ولكن قوة الفكر الذي يحمله عليه الصلاة والسلام وشدة إيمانه به، وصبره هو ومن معه على تحمل الأهوال من أجل نشره وإعلائه، أدى إلى إيجاد الرأي العام على الإسلام، وأصبحت الأجواء مواتية لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة وتطبيق الإسلام عملياً.

إلا أن حملة الدعوة لن يحققوا التغيير المنشود إذا اتبعوا الطرق الملتوية، أو حاولوا مسايرة الواقع الفاسد، أو جربوا تملّق الناس، أو داهنوا حملة أفكار الكفر والضلال.

فمن المتوقع عندما ينطلق الدعاة ليخوضوا غمرات الدعوة إلى فكرتهم ويبدأون بالتفاعل مع المجتمع، من المتوقع أن يتعرضوا للاغراءات التي تدعوهم إلى مسايرة الأوضاع، أو مداهنة السوقة، أو كسب رضا الناس، كما قد تثنيهم المصاعب والأهوال عن الاستقامة على الطريق المرسوم، وتدفعهم إلى البحث عن وسائل وأساليب قد تودي بالانكفاء والتقهقر. وقد ولفت القرآن الكريم النظر إلى هذه الحقيقة حين خاطب الرسول r قائلاً: ]فَلاَ تُطِعْ الْمُكَذِّبِين َ @وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ[.

فعلى الدعاة المبدئيين أن يكونوا على حذر تامٍ من هذه الامتحانات التي يتعرضون لها، وعليهم دائماً أن يدركوا أن طبيعة الاحتكام بين الإسلام والكفر، هي التصادم الكلي، التصادم الذي يعلي الحق ويزهق الباطل: ]وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا[. التصادم الذي يؤدي إلى الهزيمة الشنعاء للكفر وأهله: ]بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ[… فالفرق بين الإسلام والكفر هو الفرق بين الحق والباطل، وبين النور والظلام، وبين الهدى والضلال وبين الخير والشر، وبين الجنة والنار. فلا مجال للتلاقي، ولا مجال للمساومة، ولا مجال للمفاوضة.

فهذا هو رسول الله r، منذ أول يوم بدأ فيه بنشر دعوته، نراه يخاطب الناس بحزم وثقة، ويواجه الكفر والكفار بقوة وجرأة وصرامة تامة ويطرح دعوة متحدية سافرة واضحة المعالم، محددة الألفاظ والمعاني، لا تبقي أي مجال للبس أو الشك، وليس للتردد فيها أثر، ولا للخوف فيها تأثير.

فبدأ القرآن ينزل مسفهاً أحلام الكفار، يعيب عليهم آلهتهم، ويشين طريقة عيشهم البالية، ويستهزئ بأعرافهم وتقاليدهم.

فهو حين تناول الأصنام نراه يقول: ]إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ[.. ويقول: ]أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى @ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى @ أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى @ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى @ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى[. وحين يتناول تقليدهم الأعمى لآبائهم وتقديسهم لما ورثوه عنهم نراه يقول: ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ[.وحين يتناول الحكام الطغاة بالذم والنقد نراه يقول: ]تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ @ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ @ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ[. ويفضح الوليد بن المغيرة ويتوعده بالعقاب حين يقول: ]وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ @ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ @ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ @ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ @ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ @ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ @ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ[. وحين تناول العلاقات الفاسدة، نراه يتكلم عن تطفيف الكيل فيقول: ]وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ @ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ @ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ @ أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ @ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ[.

وحين حاول الكفار مساومة رسول الله r، فعرضوا عليه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبد إلههم سنة جاء الرد من الوحي حازماً: ]قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ @ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ @ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ @ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ @ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ @ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ[. فقررت هذه الآيات المفاصلة الكاملة بين الإسلام وبين الكفر بكل أنواعه. فليس بعد الحق إلا الضلال.

وحين عرضوا العروض على نبي الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام، من أجل أن يتخلى عن دعوته جاء الرد حاسماً: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه».

وهذا هو منهج الأنبياء أولي العزم من قبل. اسمع غلى قوله تعالى في سورة الممتحنة: ]قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ[. ففي هذه الآية الكريمة يظهر بوضوح الموقف الصارم الذي يتخذه المؤمنون بالعقيدة الصحيحة إزاء كل ما يخالف قناعاتهم ومفاهيمهم التي قطعوا بصحتها ووقفوا حياتهم من أجلها. فقد أعلن سيدنا إبراهيم عليه السلام والذين معه البراءة التامة من كل عقائد قومهم ومفاهيمهم وعاداتهم وتقاليدهم، وأعلنوها حرباً ضروساً بين الحق والباطل، إلى أن ينتصر الحق ويزهق الباطل.

إذا سلك الدعاة هذا الطريق وباعوا أنفسهم لله، ومن أجل إعلاء كلمته وتنفيذ شريعته، ولم يحيدوا عن الطريقة الشريعة التي رسمها لهم الله تعالى القائل في كتابه العزيز: ]قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ[، إذا قام الدعاة بكل ذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا شك سيحقق لهم وعده وسينجز نصره، وهو القائل سبحانه: ]إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[.

وبعد أن سلطنا الأضواء على طبيعة كل من الحركتين، المبدئية والواقعية، وبعد أن رسمنا الخطوط الأساسية والصفات التي يجب أن تتوفر في الدعوة المبدئية، ننتقل إلى الواقع الذي عاشته الأمة الإسلامية في القرن الأخير، لنلقي الأضواء على الحركات السياسية الإسلامية، الواقعية منها والمبدئية، من أجل أن نقيّم إنجاز كل من الفريقين وما حقق كل واحد منهما على أرض الواقع.

بعد أن هدمت دولة الخلافة الإسلامية عقب الحرب العالمية الأولى. عاشت الأمة الإسلامية حالة من الانحطاط رهيبة. أحس بها جميع الناس بمختلف انتماءاتهم وتياراتهم وتوجهاتهم، فلقد عاشت الأمة الإسلامية تحت الاحتلال العسكري المباشر ردخاً من الزمن، وبقيت تحت سلطة الكافر المستعمر الذي يحكم بلاد المسلمين بالكفر، وينصب حكاماً عملاء على رؤوس الناس، وينهب خيرات البلاد، وينشر ثقافته وفكره وحضارته، ويحاول فرض نمط عيشه على الأمة ويمعن في إفساد أخلاق الناس وبخاصة جيل الشباب ليحول بينهم وبين التمسك بدينهم وشريعتهم.

وكردة فعل على هذا الواقع، قامت حركات إسلامية، ومارست أعمالاً مرتجلة. وعفوية بقصد مواجهة الأوضاع الفاسدة. فلم يكن لهذه الحركات مفهوم واضح عن النهضة، ولم تكن لديها دراسة وافية عن الفكرة التي تعمل للنهضة، ولم تكن لديها دراسة وافية عن الفكرة التي تعمل للنهضة على أساسها، ولا عن الطريقة التي ستسلكها. لذلك وضعت لنفسها أهدافاً صغيرة تافهة، وسلكت طرقاً ملتوية ومرتجلة، تتبدل كل يوم بتبدل الظروف والأوضاع واختلاف الأشخاص القيّمين على عملها. فهي في حقيقة الأمر كانت متأثرة بالواقع الفاسد إلى حد بعيد، بحيث أن هذا الواقع هو الذي حدد لها أهدافها وطروحاتها وطريقة سيرها.

ولنأخذ مثالاً على ذلك، تعاطي هؤلاء مع الأفكار الوافدة الغربية عن الإسلام وشريعته وأفكاره، لنرى موقفهم منها.

فبدل أن يدرسوا هذه الأفكار من أجل إدراك واقعها وفهمها على حقيقتها، ثم يبيّنوا زيفها ومخالفتها للإسلام. بدل ذلك رأيناهم يتلقفونها ويحملونها ويوفّقون بينها وبين الإسلام.

فالاشتراكية التي تقوم على أساس المادية الدياليكتيكية، أو عقيدة «لا إله والكون والإنسان والحياة مادة»، والتي تشرع نظاماً يتناقض كلياً مع نظام الإسلام، أصبحت بنظر بعض هؤلاء من الإسلام، لدرجة أن أحدهم ألّف كتاباً سماه «اشتراكية الإسلام». يحاول أن يقول فيه أن الإسلام هو أول من أتى بالاشتراكية.

والديمقراطية التي تقوم على أساس عقيدة فصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، والتي تجعل السيادة للشعب، أي أن الشعب هو الذي يشرّع أنظمته وقوانينه، هذه الديمقراطية أصبحت لدى كثير من هؤلاء من الإسلام، فيصفون نظام الحكم الإسلامي بالديمقراطي، ويصفون الرسول r وخلفاء الراشدين بالديمقراطيين، ويعتبرون كلمة «الشورى» مرادفة لكلمة الديمقراطية. وهكذا…

فمن ذلك قول أحدهم: «نحن محتاجون إلى معرفة عصرنا وما يتطلبه، ومن ذلك الديمقراطية، …ن أن الديمقراطية هي التعبير العصري عما نسميه بلغة الفقه والثقافة الإسلامية بالشورى، والحكمة ضالة المؤمن إن وجدها فهو أحق بها، …، ونحن كمسلمين نرحب بها ونؤيدها ونرى أن الإسلام يعتبرها جزءاً منه». (جريدة الشرق الأوسط. في 5 و6 و7 و9 من شهر شباط 1990م).

وفي أحد الحوارات الصحفية يقول رمز من رموز إحدى الحركات… «نحن مع الديمقراطية بكل أبعادها وبمعناها الكامل والشامل، ولا نعترض على تعدد الأحزاب، فالشعب الذي يحكم على الأفكار والأشخاص» (مجلة العالم العدد 123 ـ 21 حزيران 1986).

وفكرة القومية التي حرمها الإسلام واعتبرها عصبية منتنة، لبست لدى البعض لباس الشرع والأدلة الشرعية، ورأينا بعض الحركات تحترمها وتقدرها. فمن التوجيهات الداخلية التي أقرتها إحدى الحركات الإسلام «احترام القومية». (مذكرات الدعوة والداعية ص 220).

أما فكرة الحرية التي انبثقت عن عقيدة فصل الدين عن الحياة، والتي تجعل الإنسان في حِلّ من أي قيد أو ضابط، وتعطيه حق التصرف كيفما يشاء في حياته الشخصية وحق الارتداد عن دينه واعتناق أي عقيدة، وحق التفوّه بأي كلام وحق تملك ما يريد وكيفما يريد دون قيد أو شرط، أصبحت هذه الحرية بنظر هؤلاء من أسس الشريعة ومقاصدها وأهدافها.

هذه الأمثلة التي هي غيض من فيض تكشف لنا مدى تأثر رواد الحركات الواقعية بالأفكار الفاسدة السائدة والمنتشرة في المجتمع.

أما بالنسبة لموقفهم من الأنظمة الحاكمة، فبدلاً من أن يقفوا موقف المكافح والمحاسب كما كانت سيرة رسول الله r مع حكام مكة والجزيرة، وبدل أن تعمل الحركات على هدم أنظمة الحكم القائمة بوصفها تحكم بالكفر، لإقامة الحكم الإسلامي على أنقاضها، رأيناها بدلاً من ذلك تتبع ـ في الماضي والحاضر ـ طريقة السلاح من الداخل، وتعمل على ترقيع الأنظمة البالية، مكتفية بتوجيه النصح إلى الحكام والملوك. وسأورد هنا نصاً يصلح كنموذج يبين لنا نمط علاقة هذه الحركات بالأنظمة القائمة..

في أيام الملكية في مصر وبالذات في عهد الملك فؤاد، الذي كان يحكم بالكفر، والذي كان عميلاً للإنكليز، وجهت حركة إسلامية عريضة إلى الملك تطلب منه الحد من نشاط المبشرين النصارى في الأراضي المصرية. مما جاء في هذه الرسالة:

«إلى سدة صاحب الجلالة الملكية حامي حمى الدين ونصير الإسلام والمسلمين مليك مصر المفدّى، يتقدم أعضاء مجلس الشورى العام، …، برفع أصدق آيات الولاء والإخلاص للعرض المفدى ولجلالة المليك وسمو عهده المحبوب ويلجأون إلى جلالتكم راجين حماية شعبكم المخلص الأمين من عدوان المبشرين الصارخ على عقائده وأبنائه وفلذات كبده بتكفيرهم وتشريدهم وإخفائهم وتزويجهم من غير أبناء دينهم، الأمر الذي حظره الإسلام وحرمه وتوعد فاعليه أشد الوعيد. وقد جعلكم الله تبارك وتعالى حماة دينه والقائمين بحراسة شريعته والزائدين عن حياض سنة نبيه، وقد عرف العالم كله بجلالتكم المواقف المشهورة والمشاهد المذكورة في الاستمساك بحبل الدين المتين والحرص على آدابه وشعائره وحمايته من المعتدين عليه ونشر تعاليمه وتشجيع أهله والعناية بكتاب الله تبارك وتعالى أجزل العناية، وإن مصر زعيمة الشرق ورعية الملك المسلم العادل لا تقبل أن تكون يوماً من الأيام مباءة تبشير أو موطن تكفير تستمد من غيرة ملكها وقوة إيمانها.

لهذا لجأنا إلى سدتكم العلية راجين أن يصدر أمر جلالتكم الكريم إلى حكومتكم الموفقة بالضرب على أيدي هذه الفئة وإنقاذ الأمة من شرها والوصول إلى هذه الغاية بكل وسيلة ممكنة..

وأننا أن أدلينا بهذه الآراء فنحن نعتقد أن حزم جلالة الملك المفدى وصائب رأيه السديد وغيرته الدينية المعروفة, كل أولئك كفيل برأب الصدع وإسعاد الأمة وإنفاذ الشعب من أيدي المعتدين، وإليكم يا صحاب الجلالة أصدق آيات الولاء والإجلال من المخلصين لعرشكم المفدى» (مذكرات الدعوة والداعية ص 152).

هذا نموذج يبين لنا بوضوح لهجة الحركات الواقعية مع الأنظمة الحاكمة. وبما أن السلطات الحاكمة كانت تطبق الأنظمة التي تبيح المحرمات ولا تعبأ بالشعائر الدينية والأحكام الشرعية. كانت هذه الحركات ترفع عرائض إلى الملوك والحكام تطلب فيها تغيير بعض القوانين والأحكام وتبديلها بغيرها، حتى يصبح النظام إسلامياً، في الوقت الذي يقوم النظام كله والسلطة على أساس دستور غربي كافر. (راجع مذكرات الدعوة والداعية ص20).

هذا واقع الحركات الواقعية مع الأنظمة في الماضي، أما اليوم، فإن الأمر لم يتغير، فمن عدة سنوات يصرح مسؤول إحدى هذه الحركات عن طبيعة علاقة حركته بالنظام فيقول: «أما علاقتنا مع النظام فهي علاقة ودّ ومحبة تزيد وتنقص وإن كنت نتمنى لها الزيادة» (مجلة العالم (123) 21 حزيران 1986).

بل لقد وصل الأمر إلى أن يقوم بعضهم بالدعوة إلى مشاركة الحكام في تطبيق الأنظمة، وحين وصل بعضهم إلى البرلمان في الأردن منحوا الثقة لحكومة تحكم بالكفر وتعين الملك. وأعلنوا استعدادهم للدخول في هذه الحكومة، ويصرحون مراراً أنهم لا يعملون على قلب نظام الملك وإنما يريدون التعاون معه على إجراء بعض الإصلاحات.

وبما أن طروحات هؤلاء تتسم دائماً بالواقعية، فإنها تتغير وتتفاوت من بلد إلى آخر تبعاً للتفاوت في الواقع بين بلد وآخر. ففي مصر نسمع طرحاً وفي الأردن طرحاً آخر وفي تونس ولبنان غيره وهكذا.

ولنأخذ مثالاً على ذلك لبنان، فهو يتميز بواقع لا مثيل له في البلاد الأخرى، حيث توجد فيه مشاكله الخاصة نتيجة لتعدد طوائفه وسيطرة النصارى على مقاليد الأمور والسلطة فيه، ووجود أكثر من قوة على أرضه. نرى أحدهم يطرح طرحاً ما أنزل الله به من سلطان، ولا أثر للمبدئية الإسلامية فيه.

فبدل أن يطرح المعالجة الشرعية للمشكلة اللبنانية، وهي تتمثل في وجوب إعادة ضمه إلى بلاد المسلمين وإلغائه ككيان مستقل حتى يعود الناس فيه جزءاً من المجتمع الذي يعيش فيه المسلمون، وفي الدعوة فيه لإيجاد الرأي العام الإسلامي وتهيئته ليكون جزءاً من دولة الخلافة، بدل ذلك نجده يطرح خطة تقضي بأن يقف المسلمون والنصارى على صيغة عيش مشتركة يتساوى فيها الطرفان في الحقوق والواجبات، وعلى المسلمين أن لا يتلفظوا بكلمة «جزية» لأنها تزعج النصارى وتخيفهم.

وهذا بعض ما ورد من محاضرته التي ألقاها، والتي تُظهر لنا بوضوح مدى غرقه في الواقع، ومنهجه الواقعي في الطرح:

«لا نريد في هذا الحديث أن نطرح مشروعاً إسلامياً للبنان، لكننا نريد أن نتناول عقلية المسلم في لبنان وكيف يفهم الإسلام، لأن تصحيح الفكر الإسلامي وتصحيح العقلية الإسلامية للمسلم في لبنان تعينه بعد ذلك على طرح المشروع الإسلامية اللبناني…. الشريعة لا تتغير إذا فهمناها أنها كتاب الله وسنة رسوله، لكن تطبيقها في مجتمع قد يختلف عن تطبيقها في مجتمع آخر. هذه حقيقة شرعية يجب أن تكون واضحة ومسلمة عند الجميع، تطبيق الشريعة في واقع قد يختلف تماماً عن تطبيقها في واقع آخر…».

وبعد التمهيد والتوطئة يطرح فكرته فيقول: «… وإذا كانت ظروف المسلمين في لبنان تجعل من الصعب على الأقل في المدى المنظور تحقيق الحكم الإسلامي الكامل، وإخضاع الآخرين للجزية وللذمة، فأمامنا احتمالات كثيرة ليس بالضرورة ما وقع في التاريخ، ولكن أمامنا مجال لأن نجتهد ونبحث ونصل في تعايشنا مع النصارى إلى نوع من العقد، ليس بالضرورة أن يدفعوا فيه الجزية إذا كانت الجزية ترعبهم…».

(محاضرة بعنوان: مستقبل الإسلام والمسلمين في لبنان أول أيار 1988).

أما من حيث طريقة عمل تلك الحركات. فبدل أن تدرس طريقة رسول الله r في الدعوة حين كان يعيش في دار كفر، وتسلك هذه الطريقة، رأيناها تسلك طرقاً مرتجلة عفوية متعددة حتى أنك لا تستطيع أن تضع أصبعك عليها. ففي كل يوم طريقة وفي كل مكان كذلك طريقة مع أن واقع البلاد التي يعملون بها هي أنها كلها دار كفر، وكلها خاضعة لحكام عملاء،وهي كلها يعيش فيها مجتمع واحد.

ولكن هذه الحركات لما كانت واقعية في طرحها وعملها، فقد كانت الاختلافات الجزئية في الواقع بين بلد وبلد، وبين زمن وزمن، تؤثر على طريقة عملها. فمرة تسلك طريق مسايرة الحكام وإصلاح الأنظمة والقوانين أو الترقيع، كما أسلفنا من الكلام. ومرة تسلك طريق العمل المسلح. وتارة تسلك طريق المشاركة في الحكم ودخول اللعبة الديمقراطية. وتارة أخرى تهتم بالمشاريع الخيرية وفتح المدارس والمعاهد العلمية وبناء المساجد والمستشفيات. وأحياناً تهتم بالوعظ والإرشاد…

حتى أن بعض رموزهم شعروا بهذا الخلل وصرحوا بأنه لا بد من معالجته، ولو اقتضى الأمر إلى الرجوع إلى نقطة الصفر. فيقول أحد روادهم في أحد كتبه:

«وأما العامل الثاني الذي يكمن وراء بروز ظاهرة التكامل والتآكل في حياة الحركة الإسلامية المعاصرة فيعود إلى عدم وضوح الطريق وإلى التخبط في ميدان العمل وإلى السير الانفعالي غير المرتكز على رؤية واضحة وتصور سليم ومتكامل للوسائل وللغايات والأهداف».

ثم ينتقل إلى تحديد أبرز معالم الانحراف في الجسم الحركي، ومما يذكره: «… عدم وضوح الطريق الأقوم لإقامة الدولة الإسلامية وتحقيق الانقلاب الإسلامي.. عفوية السير وعدم الالتزام حتى بما يوضع من مخططات مما كان يعرض في كثير من الأحيان إلى استنفاذ الجهود والقوى في معارك جانبية وأعمال جزئية لا تخدم مصلحة الإسلام الحقيقية.

– الضياع بين الالتزام بالخط الأصيل للعمل ألا وهو التبليغ وبين الانطلاق السياسي ومحاولة الاستفادة من كل ظرف.

– عدم تبني أسلوب معين لاستلام الحكم الإسلامي.

– عدم وضوح التنظيم الأحكم والأكثر فاعلية في الكيان الحركي.

ثم يقول بعد ذلك: «إن من واجب الحركة الإسلامية كيفما تكون على مستوى المسؤولية أن تعيد النظر في منطلقاتها الأساسية، وفي تنظيماتها الداخلية، وفي مناهجها التربوية وخط سيرها، ووسائل عملها، وأسلوب مواجهتها، أن تعرف ما هو دورها في المجتمع، وما هي مبررات وجودها. ولا بأس بعد ذلك أن تبدأ ولو من نقطة الصفر». (نحو حركة إسلامية عالمية واحدة. ص 35 ـ 36 ـ 39 ـ 40).

أما من حيث نظرة هؤلاء إلى الشريعة وكيفية فهمهم لها، فقد كانت متأثرة بالواقعية إلى حد بعيد.

فطريقة الإسلام الصحيحة، في الدرس والتطبيق ومعالجة المشاكل هي كالتالي: أن يفهم الواقع على حقيقته فهماً عميقاً يؤدي إلى معرفة المشكلة التي يراد معالجتها والتي هي مناط الحكم، ثم بعد ذلك تُفهم النصوص الشرعية والأدلة المتعلقة بهذا الواقع لأخذ الحكم الشرعي وتطبيقه على الواقع. وبذلك تكون المشكلة قد عولجت بالشرع.

أما الواقعيون، فهم لا يتبعون هذه الطريقة. وإنما يستمدون معالجاتهم للواقع من الواقع نفسه، ومن ثم يعودون بعد ذلك إلى النصوص الشرعية ليبحثوا عن دليل وليلصقوه بالمعالجة الواقعية، ولو أدى ذلك لأن تلوى أعناق الأدلة والأحكام الشرعية لتوافق معالجاتهم.

وهذا ما دفع هؤلاء إلى توسيع مجال مصادر التشريع، بحيث تشمل جميع المصادر التي تكلم بها الأصوليون على اختلافهم، دون النظر في مدى صحة هذه المصادر. وذلك حتى يكون المجال واسعاً أمامهم للعثور على دليل على أي فكرة يحملونها أو معالجة يتبنونها أو موقف يتخذونه.

فبالإضافة إلى مصادر التشريع الأربعة المتفق عليها بين الأصوليين، وهي القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس، نراهم يأخذون بكل مصادر التشريع المختلف فيها. فالاستحسان والمصالح المرسلة وشرع من قبلنا والعرف وفتوى الصحابي والعقل وما سواها من الأدلة المختلف فيها، كلها مصادر للتشريع لديهم.

والواقعية أيضاً هي التي دفعت هذه الحركات إلى استحداث القواعد الجديدة والتمسك بالقواعد الضعيفة من معان. فقالوا بقاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان»، وقالوا أن الشريعة مرنة متطورة، وتمسكوا بقاعدة: «حيثما تكون المصلحة فثم شرع الله»، فكل ما يرونه مصلحة بنظرهم يكون بحجة هذه القاعدة من الشرع وعمّموا قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، هذه القاعدة التي حصرها العلماء في ضرورة الهلاك وفي محظورات الطعام، عمموها لتشكل كل ما هو في نظرهم ضرورة.

وبذلك تسنى لهم أن يظهروا أي معالجة واقعية بالمظهر الشرعي. والأمثلة على ذلك كثيرة، أذكر منها على سبيل المثال:

ما قام به بعض الإسلاميين حين أرادوا المشاركة في الحكم في بعض البلاد، فقد وضعوا دراسة، أتوا فيها بشرع من قبلنا حيث ادّعوا أن يوسف عليه السلام حكم الكفر. واستدلوا بالمصالح حيث رأوا أن الحكم بالكفر اشتراكاً مع الحكام يحقق مصلحة للمسلمين، وعطلوا الآيات القطعية في تحريم الحكم بغير ما أنزل الله. ثم ادّعوا أن وجود النجاشي على رأس السلطة في الحبشة دليلٌ على جواز الحكم بالكفر. ونسوا أو تناسوا أن النجاشي كان يخفي إسلامه لأنه لم يجرؤ على إعلان إسلامه، فكيف يقدر على تطبيق الإسلام؟

وحين أراد البعض القيام بالأعمال المسلحة، قام يستدل بالآيات المتعلقة بالجهاد وبسيرة الرسول في المدينة حين حارب الكفار.

وحين أراد بعضهم أن يجرب مفاوضات مع الحكام ويعقد معهم الاتفاقيات، أخذ يستدل بصلح الحديبية الذي تم بين «دولة» الرسول r ودولة قريش.

وعندما أباح بعضهم التدرّج في تطبيق الأحكام الشرعية، استدل بنزول الوحي منجّماً على رسول الله r.

وهكذا أصبحت الشريعة مطواعة في يد هؤلاء يصيغونها على الشكل الذي يناسبهم ويوافق أعمالهم وآرائهم ومواقفهم.

هكذا بدأت هذه الحركات، ولا زالت. بدأت منذ أول يوم مسايرة لأهواء الناس موافقة لأفكارهم، ممثلة لأهدافهم وتطلعاتهم، فرأينا الجماهير التفت حولها بأعداد غفيرة وآزرتها، إلى أن قامت حركات مبدئية تدرك قضية الأمة، وتعمل على الانتقال بالناس من حالة الانحطاط والانخفاض المتمثلة في التخلف الفكري، إلى حالة النهوض والرقي عن طريق نشر الفكر الإسلامية الصحيح النقي الصافي.

وبدأت المعركة بين الدعاة المبدئيين وأفكارهم من جهة والأفكار السقيمة والأنظمة البالية من جهة أخرى، حتى انتصر الفكر الصحيح والطرح المبدئي. ومع بداية هذه المعركة بدأت الجماهير تنفضّ من حول الحركات الواقعية وتحمل أفكار الدعاة المبدئيين، التي بدأ يظهر صدقها للعيان كل يوم أكثر فأكثر. وأصبحت اليوم الحركات المبدئية موضع آمال المسلمين في الوقت الذي أصبحت الحركات الواقعية محل اتهام بالرجعية ومسايرة الواقع الفساد بما فيه أفكار وقناعات وثقافة وأنظمة.

والسؤال الآن: كيف توصلت الحركات المبدئية إلى تحقيق هذه النتائج؟

لقد قامت الحركات المبدئية في وقت كانت الأمة الإسلامية تعاني من الانحطاط وعوارضه وإفرازاته. سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو التربوي أو العسكري.

قامت في الوقت الذي لم تعرف فيه الحركات الواقعية ـ التي سبقتها في الظهور ـ معنى النهضة ولا فلسفتها، ولم تفهم فكرتها التي تريد النهوض على أساسها، ولا الطريقة الشرعية التي يجب أن تسلكها لتحقيق هدفها.

قامت الحركات المبدئية بعد دراسة عميقة لواقع المجتمع الذي يعيش فيه المسلمون، فدرست أفكاره ومشاعره وأنظمته وأوضاعه السياسية، وبعد دراسة عميقة للفكرة الإسلامية لأخذها صافية نقية مبلورة، فتبنّت ما يلزمها من أفكار وأحكام من أجل عملية النهضة، ثم فهمت الطريقة الصحيحة لحمل الدعوة والتي تتمثل في طريق رسول الله r. وأعدت على أساس هذه الدراسة مجموعة من الدعاة الذين رسخت فيهم العقيدة الإسلامية. وتوقد في صدورهم الإيمان، وعزموا علىخوض غمار الصراع الفكري والكفاح السياسي لأجل تحقيق نهضة الأمة واستئناف الحياة الإسلامية عن طريق إقامة دولة الخلافة.

وخاض هؤلاء غمار التفاعل مع المجتمع من أجل أن تحمل الأمة الإسلام كنظام للحياة والمجتمع والدولة، ولتكفر بها ما سواه من أنظمة وأفكار ومبادئ. ومن أجل أن يصبح استئناف الحياة الإسلامية عن طريق الحكم بما أنزل الله قضية يعمل لأجلها المسلمون ويناضلون في سبيلها.

وحصل التفاعل، وواجهت الناس الحركات الدينية ـ بادئ الأمر ـ مواجهة عنيفة، شأنها في شأن كل المجتمعات المتخلفة التي تعرض لمن يخالفها في تقاليدها وعاداتها وأعرافها وطريقة عيشها. إلا أن هذه المواجهة هي دليل على ترف الدعاة المبدئيين عن فساد الواقع بأفكاره ومشاعره وأنظمته، وهذا ما جعل الدعاة يصرون على دعوتهم ويثبتون على قناعاتهم، لأن عملهم أن يغيروا المجتمع، لا أن يغيّرهم المجتمع.

فعندما قام حزب مدني يدعو لإقامة الخلافة، ووجه الاستهزاء والتهكم والاستهجان، واتهم بالرجعية والتطرف، على الرغم من وجود حركات إسلامية سبقت قيامه بسنين طويلة.

فإذا كانت هذه الحركات لم تتوصل حتى إلى طرح فكرة الخلافة بين الناس، فما الذي حققته إذاً؟ لا شك أن هذه الحركات بطبيعتها الواقعية لم تتجرأ على طرح فكرة اصبح المثقفون والعوام يعتبرونها أسطورة وخرافة وخيالاً.

ولكن مواجهة الناس لم تثن هذا الحزب المبدئي عن طرح فكرة الخلافة. ولو اضطره الأمر إلى توزيع قصاصات من الورق على الناس، تحمل فقط عبارة «الخلافة»، حتى يعود الناس على تعاطي هذه العبارة بما تحمل من مدلول، وحتى يعلّم الناس على الإصرار على قول كلمة الحق وعدم المساومة عليها أو المسايرة على حسباها. إلى أن أصبحت الخلافة شعار جماهير المسلمين، وأصبح بوسع الحركات الواقعية الآن حمل فكرة الخلافة ولو كشعار، بعد أصبحت مطلب جمهور المسلمين.

قامت الحركات المبدئية لتواجه كل فكر دخيل، وكل ثقافة وافدة، وكل طرح مغاير للإسلام. ففي الوقت الذي يؤلف فيه المؤلفون الكتب لينسبوا الاشتراكية والديمقراطية والقومية والوطنية للإسلام، قام المبدئيون ليثبتوا فساد الاشتراكية وأنها كفر، وليقفو بوجه دعاتها وليسقطوا هيبتهم من أعين الناس. وليبيّنوا عفن الديمقراطية وأنها رجس، وأنها تتناقض مع الإسلام من حيث الأساس والتفاصيل. وليكشفوا عوار القومية ودعاتها وأنها انحطاط وارتكاس ونتانة. وليبرهنوا قزامة الوطنية ومصطنعيها وأنها عار على أمة تحمل عقيدة كالعقيدة الإسلامية.

وبينما يساير الواقعيون الأنظمة والحكام ويشتركون معهم في تطبيق أنظمة الكفر، قام المبدئيون ليعلنوا البراءة الكاملة من أنظمة الكفر وحكامها، والمفاصلة الشاملة بين الإسلام وغيره، وليظهروا فساد الأنظمة والقوانين التي يطبقها الحكام، وليفضحوا السياسيين وولاة الأمور ويكشفوا مؤامراتهم ويكشفوا مؤامراتهم ويفضحوا خياناتهم للأمة، وليسقطوا هيبة الطواغيت من أعين الناس. وأخذوا يملون على هدم أنظمتهم وإزالتها، ليقيموا على أنقاضها دولة الخلافة الراشدة.

وهذا ما أدى إلى المواجهة العنيفة من قبل السلطات الحاكمة، فاستخدمت شتى أنواع الاضطهاد والظلم ضد الدعاة المبدئيين، ومن قتل وتشريد وسجن وقطع الأرزاق،ومن دعايات إعلامية لتشويه صورتهم في أعين الناس. مما جعل المجتمع يتجمد في وجه الدعاة حيناً من الزمن، وذلك إزاء الإرهاب المادي والإعلامي الذي يمارسه الحكام ضد الدعاة ومن يلتف حولهم ويؤيدهم.

إلا أن كل ذلك لم يثن هؤلاء البطال عن دعوتهم التي باعوا حياتهم لأجلها، وتحملوا الأهوال لأجلها، واعتبروا القضية قضية حياة أو موت واتخذوا إزاءها إجراء الحياة والموت. فهم يتذكرون دائماً قوله تعالى: ]أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ[.

ما أشبه ذلك بما حصل مع رسول الله r وأصحابه ومن يؤويهم ويحميهم. فقد حاصرت قريش آل هاشم، لأجل أنهم دافعوا عن رسول الله r. وحاربت كل من يعين أو ينصر دعوة الحق أو يصغي لكلمة الإسلام. فتجمد المجتمع في وجه رسول الله عليه الصلاة والسلام، ووقف الناس موقف المتفرج المترقب الذي ينتظر ما ستؤول إليه الأمور. إلا أن رسول الله r صبر على دعوته ودأب يبحث عن مجال آخر للدعوة حتى أكرمه الله سبحانه وتعالى بإيمان أهل المدينة المنورة وتحقق بذلك نصر الله تعالى لرسوله الكريم.

وها هم الدعاة المبدئيون في عصرنا، لما صبروا على دعوتهم رأينا أبواب التوفيق تفتح لهم من جديد. وسرعان ما عادت الأمة لتحتضن أبناءها المخلصين الواعين الذين ثبتوا على مبدئهم ودعوتهم.

وها هي اليوم الحركات التي تعرف باسم «الأصولية»، تصبح أمل الناس في التغيير، وتقض مضاجع الحكام والمستعمرين والطغاة. وها هي الخلافة أصبحت على كل لسان. وهو هو العملاق خالد الاسلامبولي الذي أعلن العداء للكفر وأهله وللطغيان وزبانيته ونفذ حكم الإعدام بأحد أقذر الطواغيت وأعلن شعار «الخلافة أو الموت»، ها هو يصبح بطلاً من أبطال الأمة الإسلامية الذين خلد التاريخ أسماءهم.

وها هي بشائر النصر تلوح في الأفق، وتبشر بمجد جديد تكون فيه كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ويكون الإسلام الصافي النقي هو الذي يحكم حياة الناس ويعلي شأنها حيث لا وجود لآثار التخلف والظلام، ولا صوت يعلو لغير المخلصين الواعين من أبناء هذه الأمة الكريمة.

]وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[ ¨

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *