العدد 45 - السنة الرابعة – جمادى الثانية 1411هـ، كانون الثاني 1991م

البعد النووي لأزمة الخليج

من بين ما ينشر في الغرب بما في ذلك تقرير واسع في الـ «نيوزويك» هذا الأسبوع، يبرز حل التسوية الذي تقترحه الولايات المتحدة على صدام حسين. لكن في مقابلات نهاية الأسبوع، برزت مجدداً نبرة إحباط وخيبة أمل من كلام وزير الخارجية جايمس بيكر. ومن كلام في الموضوع نفسه قاله علناً وزير الدفاع ريتشارد تشيني «الموضوع» هو القنبلة العراقية.

يبدو أن الرئيس بوش مستعد لأن يعطي صدام «مخرجاً لائقاً» والسماح «للعائلة العربية» بتسوية خلافاتها في ما بينها. وبذلك يحصل صدام على جزء من الكويت ـ ربما حقل النفط في الرميلة أو جزء منه، وإحدى الجزر الواقعة على مدخل شط العرب ـ وهكذا لن يتعرض للمهانة علناً. إضافة إلى ذلك، سيكون (صدام حسين) مجبراً على التخلي عن القنبلة التي لديه، والتي تقلق الولايات المتحدة نفسها بصورة لا تقل عن قلق إسرائيل.

المشكلة هي أنه منذ البداية كانت هناك قنبلة مفترضة في البنية التحتية للأزمة. إن خطأ الإدارة الأميركية الذي استغله صدام جيداً، كان أن الرئيس بوش لم يعلن بصورة مسبقة أن المقصود ليس فقط بشكل أساسي إعادة عائلة الصباح إلى الحكم وتحرير الكويت، وإنما الدفاع عن السعودية ومنع مهاجمتها، وأن الأهداف الأساسية لنضال الإدارة الأميركية مرتبطة بصورة مباشرة بالنشاط المحموم لصدام حسين في المجال الذري، وهو ما حاولت الولايات المتحدة القضاء عليه قبل نشوب الأزمة.

قضية الـ «كوندور»

يمكننا الافتراض أن الكشف عن جهود صادم في المجال الذري، وإحباط جزء منها، وانسحاب مصر من مشروع صاروخ الـ «كوندور» الذي كان يجري تطويره بمشاركة العراق والأرجنتين كانت من بين أسباب المباشرة لغزو صدام للكويت.

في أثناء الزيارة التي قام بها في تلك الفترة وزير خارجية الأرجنتين لإسرائيل كشف هذا الأخير تفاصيل عن تورط الرئيس بوش في القضاء على مشروع الـ «كوندور». والمقصود هو صاروخ حقيقي للمدى المتوسط، كان من المفترض أن يعطي لمصر والعراق القدرة على تهديد دول تقع على مسافات بعيدة. وكان من المفترض أن يحل مكان التطوير العراقي ـ بمساعدة تقنيين من ألمانيا الشرقية ـ لصاروخ «سكود ـ ب» السوفياتي.

هذه هي الصواريخ التي يهدد فيها صدام اليوم محيطه، وهي صواريخ ذات رؤوس صغيرة من حيث الوزن ومحدودة المدى وقد روى وزير الخارجية الأرجنتينية أن رئيسه، كارلوس منعم، استجاب للضغوط الشخصية للرئيس بوش (قبل نحو سنة) ووافق على إلغاء الـ «كوندور» وذلك بسبب المصاعب الاقتصادية للأرجنتين واعتماد بلاده على الولايات المتحدة. وكان قد كشف النقاب قبل ذلك عن شبكة تهريب للتكنولوجيا الصاروخية من أميركا إلى مصر. هذا الأمر أدى من دون شك إلى تدخل أميركي لدى الرئيس مبارك لما سمي «جذب قيادة» مصر المرتبطة بالمساعدة الاقتصادية والعسكرية من قبل الولايات المتحدة. وهكذا مس بوش قلب حاكم العراق: فشقيقه وشريكه في هذا الموضوع، مبارك، غدر به، وهو فعل ذلك بسبب اعتماد مصر الاقتصادي على الغرب. كذلك رئيس الأرجنتين، العربي السوري الأصل، خضع أمام ضغط بوش لأسباب اقتصادية.

لا نعرف كيف دخل الرئيس المصري إلى هذا المشروع منذ بدايته. لكن يمكن الافتراض أن مصداقية الشراكة المصرية ـ العراقية في مسائل الصواريخ لها ما يبررها في حرب العراق ـ إيران، وفي الحاجة إلى الدفاع عن النفس في مواجهة العدو الفارسي الذي يهدد الأمة العربية جمعاء، بتصدير الثورة الإسلامية إلى الأنظمة العربية العلمانية. إضافة إلى ذلك، من المحتمل جداً أن يكون مبارك قد لعب لعبة مزدوجة. فهو أراد إرضاء جيشه المولع بالصواريخ، وإرضاء الأميركيين الذين نظروا إلى إيران كعدو أساسي وإلى مصر كثروة هامة. إلى حين قرر بوش بت الموضوع، عندما انتهت حرب الخليج، وعندما ألقي القبض على عملاء مصريين وهم يسرقون تكنولوجيا صاروخية في أميركا.

الدروس التي استخلصها صدام كانت: يجب بناء الاستقلال الاقتصادي للعراق ـ أي سيطرته بسهولة كبيرة على النفط العربي ت من أجل الاستمرار في مشروع الصواريخ وفي كل مشروع آخر، يحاول الغرب إفشاله بعد سقوط الـ «كوندور».

«المدفع العملاق» والقوى الدافعة

في الوقت الذي كان الاهتمام موجهاً نحو الـ «كوندور» والصواريخ الأخرى التي حاول صدام مواصلة تطويرها ـ بمساعدة مهندسين من البرازيل، أو منفيين من ألمانيا ـ الشرقية ـ ثم الكشف علناً عن «المدفع العملاق» الموصى عليه في إنكلترا. هذا المدفع هو آلة دقيقة جداً لإطلاق رؤوس صواريخ لمسافات بعيدة. هذا إذا ما صحت فكرة واضع الصاروخ الكندي الذي اغتيل د. جيرالد بول.

كان الكشف عن المدفع والامتناع العلني للأميركيين والبريطانيين عن تصدير أجزائه للعراق، إضافة إلى مقتل د. بول على أيدي مجهولين، حلقة إضافية لما رأى فيه صدام معركة غير محتملة ضده. لكن، حتى الآن لا أحد يعرف ما إذا نجح حاكم العراق في استيراد ما يكفي من قطع لصنع «مدفع عملاق» واحد أو اثنين. فإذا نجح في ذلك، ربما يكون هذا هو سبب ثقته الغريبة في النفس كما يظهر في الأزمة الحالية.

لقد ثارت ثائرة صدام بالتأكيد، عندما صودرت في مطار لندن «مفاتيح إلكترونية» صغيرة من صنع الولايات المتحدة، معدة لتفجير قنبلة ذرية، وكان هناك من زعم أن المفاتيح مطلوبة لتسريع القذائف في الفوهة الطويلة جداً «للمدفع العملاق». لكن في الوقت ذاته فإن هذه المفاتيح يمكن استخدامها أيضاً في صنع قنابل ذرية بوزن 12.5 كلغ من الأورانيوم المكثف الذي حصل عليه صدام فرنسا لكي يستخدمه في مفاعل «تموز 1» الذي دمرته إسرائيل في العام 1981.

لكن صدام لم يكتف بقنبلة واحدة، التي ربما نجح في تركيبها في المادة الفرنسية، إذ ليس لقنبلة كهذه قيمة سياسية أو رادعة. فمن أجل استخدام قنبلة كهذه ـ وحتى الوقت الراهن من دون صاروخ جدي يضمن النتائج ـ ينبغي تطوير مخزون كامل للسلاح الذري، وللصواريخ، و«المدافع العملاقة» من اجل لعب اللعبة الكبرى. ومن اجل هذا الغرض، وكما عرفنا من البرنامج التلفزيوني «ستون دقيقة» الذي بثته الولايات المتحدة في بداية هذا الشهر، اتجه صدام نحو الإنتاج المستقل للأورانيوم، وحاول تكثيفه بواسطة غاز القوة الطاردة، أي أنه حصل من ألمانيا على تكنولوجيا مختلفة عن تلك التي أمل أنه بالحصول عليها يمكنه إنتاج القنبلة في بداية الثمانينات.

عن جريدة «دافار» اليهودية

23/11/90

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *