العدد 47-48 - السنة الرابعة – شعبان ورمضان 1411هـ آذار ونيسان 1991م

مذكرة إلى قائد الثورة الإيرانية علي خامنئي

نشرت جريدة «الرأي» الأردنية رسالة مفتوحة موجهة من النائب ليث شبيلات إلى قائد إيران السيد علي خامنئي. وها هي «الوعي» تنشر أهم ما جاء في هذه الرسالة القيّمة.

مذكرة إلى قائد الثورة الإيرانية علي خامنئي

من النائب ليث شبيلات

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة آية الله السيد علي خامنئي قائد الثورة الإسلامية في إيران، حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

فبالإضافة إلى من أمثل في الأردن فقد كلفني العديد من ممثلي الحركات الإسلامية في دول ومختلفة وهم بصدد الإعداد لاجتماعات لمساندة العراق في تصديه التاريخي للشيطان الأكبر بالنيابة عن الأمة الإسلامية المستهدفة ومنهم الأخوة الأفاضل والأساتذة راشد الغنوشي ومنير شفيق وحسن الترابي وإبراهيم صلاح أن استطلع موقف قائد الثورة الإسلامي وولي أمر المسلمين فيما يجري وفيما على المسلمين من عمل.. ولا يخفى على سماحتكم أن جميع الذين استطلع باسمهم ناصروا الثورة الإسلامية في جميع مراحلها وأزماتها دون تردد وبعيداً عن أي اعتذار يغضب الله غير مولين الحدود السياسية بين الدول الإسلامية أي اعتبار.

وإن نفس الأسباب من حرص على أن يكونوا في الموقف الذي يرضي الله ويخزي الشيطان (شيطان الإنس الأكبر وحلفائه وشيطان الجن الأكبر وزبانيته) هي التي تدفعهم اليوم إلى التحرك الجاد في هذه القضية.. وكان الكل قد زار إيران أكثر من مرة بعد دخول الجيوش الصليبية الصهيونية أرض الحرمين الشريفين لأول مرة في التاريخ.. وقد كنا عقدنا الآمال على موقف الجمهورية الإسلامية في إيران خصوصاً وأن العذر الوحيد الذي كنا نسمعه من المسؤولين هنا في عدم التصدي للغزاة الأجانب هو عدم ثقتهم بجدية القيادة في منازلة أميركا وإسرائيل واعتقادهم بأن كل ما يجري كان تمثيلية تحركها أميركا.. ومع أننا خرجنا محسنين الظن إلى أن الجمهورية الإسلامية ستغير موقفها حال تبنيها خطأ معلوماتها وتقديراتها. ولكننا فوجئنا بالموقف في الجمهورية الإسلامية بعد اندلاع القتال..

1- إن الموقف المعلن الذي تتحرك على أساسه اليوم الجمهورية الإسلامية في إيران هو موقف الحياد ونستفتي سماحتكم فيما يلي:

أ- هل يصح شرعاً أن نقف موقف الحياد من عدو المسلمين الأول أميركا (الشيطان الأكبر) وحلفائها ومن العراق المسلم على اختلاف تقويمنا لدرجة إيمان قيادته؟ وهل يصح أن نسمع تصريحات بأن هذه الحرب بين ظلمة وظلمة؟؟

وهل يستوي العراقيون والفرنجة الصليبيون؟؟.. وإن كان العراقيون ظلمة فإنهم بلا شك ليسوا كفرة.. وإنهم (شئنا أم أبينا) يقاتلون مدافعين عن أراضي وشعوب المسلمين وحوزة الإسلام التي لا يفرق العدو بين المتدينين فيها. (فالجهاد قائم إلى يوم القيامة لا يمنعه بر بار ولا ظلم ظالم) أما الأميركيون فبالإضافة إلى كونهم ظلمة فإنهم كفرة مشركون جاؤوا غزاة لأراضي مقدسات المسلمين ولتحطيم العراق وقدرته العسكرية ولقلبه إلى قواعد عسكرية للسيطرة على المنطقة ثم لقلب النظام الإسلامي في إيران، لأنهم لا يثقون إلا بالعلمانية مهما تودد إليهم الإسلاميون!!! ]وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[ صدق الله العظيم.

ب- ما هو حكم العراقيين في حربهم لأميركا؟ أليس المقتول فيهم مطبقاً لفتوى سماحة القائد؟ أليس شهيداً في الجنة إن شاء الله؟ وأن كان شهيداً (كما لا يستطيع عالم أن ينكر) فأين نحن من نصرته؟ هل نحن في الجانب الذي يرضي الله أم في الجانب الذي يسخطه؟ إن هذه مسائل تحتاج إلى فتاوي واضحة وصريحة تبنى عليها القرارات.. وهنا تقع المسؤولية الأولى والأهم على الفقيه.. وعلى المؤمنين أن يتبعوا فتواه لا أن يشاركوا في صياغتها حسب توجهات الدولة.. بل أن الدولة كليها تكيف نفسها حسب فتواه في حكم الله في هذه المسائل.. هذا من ناحية الدولة، أما من ناحية الأفراد فإن فرض الجهاد العين غير متعلق بفتوى الإمام بل متعلق بوطء أقدام الأعداء الكفار أرض المسلمين. وهل هنالك أقدس من أرض المقدسات؟؟ عن كنا مخطئين في فهمنا هذا فواجب الفقيه أن يصحح مفاهيمنا فيفتي لنا مثلاً بعدم فرضية مقاتلة الأميركيين وأن الأميركيين والعراقيين ظلمة سواء بسواء! وإن كليهما كفرة يستوون في ذلك. وأن مقاصد الطرفين متشابهة ومتساوية. وإنه لو انتصر الأميركيون فإن خطر ذلك على مقدرات المسلمين هو نفس درجة خطر العراقيين.

ج- إذا توصلنا إلى ذلك بتقوى الله فإن الحياد يمكن أن يكون مفهوماً.. وعلى الجمهورية الإسلامية عند ئذ أن ترتفع إلى مستوى الحياد لأنها اليوم غير محايدة عندما تطبق قرارات المحاصرة الاقتصادية على العراق بحذافيرها، فهي منحازة إلى النظام الدولي الذي تقوده أميركا ذلك النظام الذي علمتنا إيران الخميني أنه الاستكبار بعينه. فالحياد كما نعمل هو معاملة طرفي الخصومة بالتساوي فهل يجوز لإيران أن تبيع النفط لفرنسا لتستعمله كوقود للطائرات التي تدك العراق في الوقت الذي ترفض فيه أن تشتري مشتقات النفط من العراق التزاماً بالحظر الذي فرضه أعداء الأمة الإسلامية على العراق. إن المعلومات الأكيدة وتصريحات المسؤولين المتكررة تؤكد أن إيران تطبق الحظر الاقتصادي الكامل على العراق (فيما عد ما يُرسل من مساعدات إنسانية طفيفة تحت إشراف لجنة المقاطعة في الأمم المتحدة) بينما تزدهر تجارتها مع الأعداء فهل هذا حياد؟

فما هي الفتوى الشرعية في تطبيق الحظر الاقتصادي الذي يخنق أبناء العراق المسلمين خنقاً؟ هل نطيع الله فيهم أن نطيع الأمم المتحدة المسيرة نحت لواء بوش؟

د- كيف تتخذ الجمهورية الإسلامية موقفاً بعدم السماح للمتطوعين الذين يريدون أن يجاهدوا الصليبيين من المرور في أراضيها بحجة أن ذلك يخرق الحياد.. ما هو حكم الشرع في هذا؟؟

2- هل تدور الحرب في منطقة بعيدة لا شأن للمسلمين بها أم أنها تدور على أرض المسلمين؟.. ولئن كان العراق غير مؤهل للقيام بالواجب الشرعي في طرد الغزاة فهل يسقط ذلك التكليف عن إيران وعن الحركات الإسلامية والمسلمين؟؟

3- نشعر أن سياسة الجمهورية الإسلامية خففت من معاداتها للشيطان الأكبر ويمكن أن يكون ذلك مقبولاً لولا أن أميركا جاءت بقضها وقضيضها تحاد الله ورسوله على أرض الحرمين والعتبات المقدسة.. كما نلاحظ أن هنالك غزلاً دائراً بالإشارات بين الجمهورية الإسلامية وأميركا وأن الجمهورية الإسلامية مستعدة للتوسط بين الحمل والجزار وكأنها بذلك تعترف بحق الأميركيين في دخول المنطقة وتأديب العاصين فيها.. حتى أن الجمهورية الإسلامية مستعدة من أجل إنقاذ الحمل أن تعيد علاقاتها ومن ثم صداقاتها مع الجزار الذي بات يمتدح الموقف العاقل لإيران! وقد حذرنا الإمام الخميني أن الخطر يكون عظيماً إذا قام الغرب بكيل المديح لنا. فما هو موقف سماحة القائد من هذا.

4- إن الثورة الإسلامية دخلت في خصومة مع النظام السعودي من أجل مسيرات البراءة من المشركين ومن الشيطان الأكبر، تسببت في قطع للعلاقات بين البلدين في الوقت الذي لم يكن الأميركيون فيه محتلين أرض الحرمين بل كانوا في بلادهم يسيرون السياسة عن بعد.. نراها في هذه الظروف توادد النظام السعودي بعد أن أدخل الصليبيين إلى أرض المقدسات بينما كانت إيران قد قاطعت الحج على أقل من ذلك بكثير.. ولق أوصى الإمام بإمكانية مسامحة صدام حسين ومصالحته ولكن لا يمكن مطلقاً مسامحة آل سعود. وإصلاح الأمور معهم.. كما قال الشيخ رفسنجاني أنه لا يمكن للمنطقة أن تستقر إلا باجتثاث آل سعود. فما هو الموقف الشرعي من ذلك.

5- إن جماهير الأمة من إندونيسيا إلى المغرب كلها تقف مع العراق اليوم. فأين الثورة الإسلامية من هذه الجماهير ومن الحركات الإسلامية التي أجمعت على وجوب مجابهة أميركا وإسرائيل والانحياز إلى صف العراق في معركته البطولية..؟ لقد بدأت الجمهورية الإسلامية تفقد تعلق قلوب المسلمين بها بل أن القلوب بدأت تتضايق وتستاء من المواقف التي ترى فيها ما يبدو أنه مخالفة وابتعاد عن سنة الأئمة عليهم السلام وعلى رأسهم الإمام الشهيد الحسين بن علي عليهما السلام الذي استشهد في العراق في كربلاء عندما تخلى عنه المسلمون قائلاً: (المنية ولا الدنية).

6- إذا كانت الجماهير المسلمين تشكل نبض الأمة فإن فلسطين هي قلبها ولقد أجمع المجاهدون الفلسطينيون المنتفضون على تأييدهم المطلق غير المشروط للعراق فأين الثورة الإسلامية في قلوب الفلسطينيين اليوم؟

7- في خضم كل هذا نجد إصراراً عجيباً (يعاقب على تركه القانون) على وجوب تسمية الخليج بالخليج الفارسي.. ولو تفهمنا تسمية هذا الخليج الإسلامي تسمية قومية فإن على صاحب تلك القومية أن يدافع عن ممتلكاته وعما ينسب إليه من أرض ومياه.. هل يقبل من رئيس دولة إسلامية أن يصرح بأنه لا يسمح للخليج أن يكون خليجياً أو يكون خليجاً عربياً مسمياً ذلك انتحاراً في الوقت التي ترتع فيه الأساطيل الأجنبية في خليج هو أميركي عملياً؟

ما هو موقف قائد الثورة الإسلامية وولي أمر المسلمين من هذا؟

8- صرحت الجمهورية الإسلامية بأنها لن تتدخل في الحرب حتى إذا تدخلت تركيا وهو تصريح يعطي ضوءاً أخضر ويأذن لتركيا بالتحرك.. فهل هذا حياد وإن كان هذا الموقف للجمهورية الإسلامية فلمصلحة من لا يتكتم عليه بل ويعلن عنه في مؤتمر صحفي؟ وأن تصريح الجمهورية بأن تركيا متدخلة أصلاً في الحرب وهو أمر مفهوم لكونها عضواً في الحلف الأطلسي وأن إيران تتفهم هذا القول الخطير لم يصدر عن أحد من دول المنطقة سابقاً.

فما هو موقف سماحة القائد ولي أمر المسلمين في هذا؟

9- صرحت الجمهورية الإسلامية بأن الحرب الدائرة ليست حرباً حضارية. وهي بهذا التصريح تخالف إجماع الأعداء الغزاة الذين يعلنون صراحة أنها حرب حضارية ضد الإسلام وأن إيران هي العدو الأكبر الذي يقصدون بعد العراق حتى لا تقوم للإسلام ولا لأية حكومة إسلامية قائمة (يصرح بهذا يومياً في الندوات الفكرية والعسكرية على جميع قنوات التلفزة الأوروبية والأميركية)؟ فما هو موقف سماحة القائد من هذه المسألة؟

سماحة القائد:

نرجو أن تفتونا فيما وضعناه بين أيديكم وسنرد نحن وأنتم إلى عالم الغيب والشهادة فينبئنا الله بما كنا نعمل.

نسأل الله لسماحتكم السداد والرشاد، وأن نستذكر وإياكم موقف الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام مهدداً ملك الروم الذي حدثته نفسه أن يغزو أرض المسلمين مستغلاً القتال الدائر بينهم قائلاً: (قل لابن الأصفر إذا حدثته نفسه بالغزو بأنني سأسير تحت راية صاحبي). والسلام عليكم من محبيكم ورحمة الله وبركاته.

ليث شبيلات

23 رجب 1411هـ

9 فبراير 1991م.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *