العدد 49 - السنة الخامسة – شوال 1411هـ، أيار 1991م

الدعوة إلى الإسلام

إن الدعوة هي فعل إمالة وترغيب. فأن تدعو إنساناً إلى الإسلام فمعناه أنك تميله إلى ما تدعوه إليه وترغبه فيه. لذلك لا تقتصر الدعوة إلى الإسلام على القول فقط بل تشمل كل ما يُميل ويرغّب من قول أو عمل، ولذلك تحمل الدعوة بلسان الحال ولسان المقال. ويعطي المسلم بالتزامه المثل الحي لما يدعو له بلسانه، ويبين صورة الإسلام الحقيقية بالتزامه الحق.

قال تعالى: ]وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[ (فصلت:33)[.

وقال جل من قائل: ]فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ…[ (الشورى: من الآية15).

والدعوة إلى الله عبادة يتقرب بها الداعي إلى ربه، ويعلم أن مقامها رفيع، يرفعه الله بها في الدنيا والآخرة. وتأمل في فقه هذه الآية، وفقه هذا الحديث؛ الذي يعطي المسلم من الكرامة عند الله ما لا يصل إلى مطمع ويبلغه درجة أن يذكره الله سبحانه وتعالى. وفي ملأ خير من ملئه. يقول تعالى: ]فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ… [.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث قدسي فيما يرويه عن ربه: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي به، وأنا معه إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي. وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم… » أخرجه البخاري. فأي طمع يركب المسلم وأية كرامة تناله أكبر من أن يكون الله معه وأن يذكره. وأي دفع يعطيه هذا الكلام الرباني للمسلم لكي يذكر الله في نفسه وأمام غيره. إن حقاً لَربٌ كريم.

والدعوة إلى الله هي مهمة الأنبياء الذين قاموا بها وأقاموا عن طريقها دين ربهم.

قال تعالى: ]وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[ (النحل: 36).

وقال تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِلاَّ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً@  وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً[ فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بلغ الإسلام ونصح الأمة كان شاهداً على الناس بما دعاهم إليه في الدنيا حتى أنه كان يستشهدهم ويطلب من الله سبحانه أن يشهد له، وها هو في حجة الوداع كان يقول: «… ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد» فالدعوة هي إرث النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، نحافظ عليه إن أردنا أن نحافظ على الإسلام فينا.

لأنه لا يتصور وجودٌ مؤثر للإسلام من غير دعوة توجده.

ولا يتصور نقاء الإسلام في نفوس اتباعه من غير دعوة تنقية من غبش الأفكار المنحرفة وتأثره بها.

ولا يتصور إقامة الإسلام من غير دعوة تقيمه.

ولا يتصور انتشارٌ قوي للإسلام من غير دعوة تنشره.

فلولا الدعوة الإسلامية لما قوي الدين ولما انتشر، ولما حوفظ عليه، ولما أقيمت حجة الله على خلقه…

فالبدعوة إلى الإسلام يعود الإسلام إلى سابق عزه وقوة وجوده. وما أحوجنا اليوم إلى ذلك.

وبالدعوة إلى الإسلام ينتشر الإسلام بين الناس جميعاً، ويكون الدين كله لله. وما أحوج العالم اليوم إلى ذلك..

وبالدعوة إلى الإسلام تظهر حجة المسلم، وتقطع حجة الكافر، ولا يعذر في تركه الإسلام. يقول تعالى: ]رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً[ (النساء:165).

ومن هنا أخذت الدعوة إلى الإسلام أهميتها بين المسلمين. وقام بها المسلمون الأوائل وأولهم النبي صلى الله عليه وسلم وحرصوا عليها حرصهم على الدين.

ولولا الدعوة إلى الإسلام لما وصل إلينا، ولما اعتنقه مئات الملايين من البشر. بل قل لما تعدى إيمان مئات الملايين من البشر. بل قل لما تعدى إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم فمن أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ]إقرأ[ أمره أن يقرأ لنفسه وأن يقرأ للناس. ومن أوائل ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم كان قوله تعالى: ]قُمْ فَأَنْذِرْ[.

فدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أوجدت الإسلام من كل جوانبه، وأوجدت المسلمين الأوائل الذين كانوا خير من حمل رسالة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. ودعوة هؤلاء هي التي حملت الإسلام لمن بعدهم. وهكذا حتى يومنا هذا يجب أن تمضي الدعوة حتى قيام الساعة.

ومن هنا فإن الدعة بالنسبة للإسلام هي كالجريان بالنسبة للماء. فكما أن الماء يروي ويسقي ويعطي الخير للناس ولكنه بحاجة لمن ينقله. فكذلك الإسلام الذي هو الدين الحق والتصوّر الصحيح لهذه الحياة هو أيضاً يحتاج لمن ينقله وينقل خيره لكي يروي ويسقي ويهدي من اتبع رضوان الله.

ومن هنا تبرز الصلة الوثيقة بين الإسلام وبين الدعوة له.

ومن هنا كانت الدعوة ركناً ركيناً وأمراً حيوياً في الإسلام. لازمة له لزوم تأثيره ولازمة له لزوم انتشاره. فعمر الدعوة هو بعمر الإسلام: منذ نشأته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ومن هنا يجب أن تأخذ الدعوة أهميتها في حياة المسلمين، ويجب أن تشغل بالهم وأن ينفقوا عليها وقتهم ويبذلوا لها جهدهم.

وفي هذا يقول الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم وتحت باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

«والعم أن هذا الباب ـ أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبقَ منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جداً.

وهذا باب عظيم به قوام الأمر وملاكه. وإذا كثر الخبث عم العقابُ الصالحَ والطالحَ. وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب: ]فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[.

وأن الحاجة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورية وباقية ما بقيت الحاجة إلى الحياة نفسها وأمنها وعافيتها. فإن الدعوة تعدل ذلك كله… وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم مدى هذه الحاجة في الحديث وضرب لذلك مثلاً فقال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولمن نؤذ من فوقنا؟ فإن تركهم الذين في الأعلى وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» رواه البخاري. وبهذا الحديث يتبين كيف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يساوي حياة المجتمع وسلامته. وأن أي تهاون في القيام به لا جزاء له إلا أن تهوي السفينة بالجميع إلى القاع وأن يصبح الكل من المهلكين المغرقين.

وقد عبر القرآن على أهمية الدعوة وحاجة الناس إليها بكثير من الآيات. ولم تقتصر ألفاظ القرآن على مادة الدعوة بل هي شملت الكثير من الألفاظ والمعاني والتي تدور جميعها حول موضوع الدعوة. وكذلك هي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر:

فقد عبّر القرآن عن الدعوة بلفظ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ… [ وقال جل من قائل: ]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» رواه الترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، ذلك أضعف الإيمان». رواه مسلم.

وكذلك عبّر القرآن عن الدعوة بلفظ الشهادة على الناس، قال تعالى: ]وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً… [.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « والمؤمنون شهود الله في الأرض» ابن ماجه. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليبلغ الشاهد الغائب» رواه البخاري.

وكذلك عبّر القرآن عن الدعوة بالتبليغ. قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية» رواه البخاري.

وكذلك عبّر القرآن والحديث عن الدعوة بألفاظ التواصي بالحق، والإرسال للتبشير والإنذار وتبيين الحق، والنصيحة وتذكير الناس ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن والجهاد في سبيل الله. والعمل لإظهار الدين. وغيرها الكثير.

وقال تعالى: ]وَالْعَصْرِ @ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ @ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[.

وقال تعالى: ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً[.

وقال تعالى: ]وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ… [.

وقال تعالى: ]لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ…[.

وقال تعالى: ]إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ[ وقال: ]وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ[ وقال: ]وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[.

وقال تعالى: ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ[.

وقال تعالى: ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الدين النصيحة. قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» متفق عليه.

وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقرّ أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: اغزوا باسم الله وفي سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله… وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن ما أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم…» رواه مسلم.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» رواه الترمذي.

وهكذا تتضافر الآيات والأحاديث حتى أن كل آية وكل حديث يحمل في ثناياه الدعوة. والدعوة تشمل الناس جميعاً ويقوم بها المسلمون جميعاً كل بحسب استطاعته.

فلو جئنا إلى الآيات التي تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقط دون غيرها من آيات الدعوة، وذلك على سبيل المثال لرأينا أن هذه الآيات قد أخبرتنا أن هذا الركن العظيم في الإسلام يجب أن يشمل المسلمين جميعهم، فهي بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أسوتنا وقدوتنا تقول: ]يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ[. الأعراف 157. وهذا بيان لكمال رسالته. فإنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر الله على لسانه بكل معروف ونهى عن كل منكر وأحلّ كل طيب وحرم كل خبيث.

وهي بالنسبة للأمة تقول: ]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[.

والأمة هنا تشمل جميع المسلمين من أفراد إلى جماعات إلى أولي الأمر. حيث يقومون بواجب الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر.

وهي بالنسبة للأفراد تقول: ]وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ… [.

قال القرطبي: «فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين. فدل على أن أخص أوصاف المؤمنين: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورأسها الدعاء إلى الإسلام» تفسير القرطبي 4/47.

وهي بالنسبة للجماعات والأحزاب تبين نوع عملها فتقول: ]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[.

وهي بالنسبة لأولي الأمر تقول: ]الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[.

ولنا كلام لاحق إن شاء الله يفصل كيف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تقسط على الأمة جميعها.

وكذلك فإن هذا الركن متعلق بالإسلام كله. ولو راجعنا آيات الدعوة على سبيل المثال لتبين لنا ذلك:

ففي القرآن بيان أن الدعوة تكون للإسلام: ]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ… [، ]مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ…[، ]قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي… [.

يقول ابن تيميه في فتاويه: «الدعوة إلى الله هي الإيمان به وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا».

وفي القرآن بيان أن الدعوة تكون إلى الحكم بما أنزل الله ]وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ[، ]إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا[،       ]يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ[.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية على تفصيل لاحق إن شاء الله. ومنه ما يتعيّن، يؤجر القائم به ولا يعذر تاركه حتى يقام. حيث رتب الله على القيام به النجاة ورتب على تركه العذاب. قال تعالى: ]فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ[.

وإذا كان الإيمان هو المعروف الأول والأساس لكل معروف ففي مقابله فإن الكفر هو المنكر الأول والأساس لكل منكر. وإذا كانت الطاعات هي المعارين المنبثقة عن المعروف الأول ففي مقابلها فإن المعاصي هي المنكرات المنبثقة عن المنكر الأول. وإذا كان الحكم بما أنزل الله هو رأس الطاعات الذي به يحافظ على الإيمان، وربه يحافظ على الطاعات، وبه تقام الدعوة وبه ينشر الدين. ففي مقابله فإن رأس المعاصي هو الحكم بغير ما أنزل الله، هو الحكم بالعقول والأهواء.

ومن هنا يجب على الأمة أن تجتمع جميعها على إقامة هذه الفريضة، وليعلم المسلم الذي يهتم بأمر دينه أن ما يتلوه من آية، وأن ما يقرأه من حديث ليس مقصوداً به وحده بل يعم الخطاب الجميع. وحتى لو كان الخطاب موجهاً للرسول فإنه خطاب موجه إلى الأمة من خلاله ما لم يرد دليل التخصيص. فإن أمر الله المسلم بالإيمان فله ولغيره. وإن أمره بالعبادة فله ولغيره وإن أمره بالحكم بما أنزل الله فله ولغيره.

ولا يسع المسلم اليوم أن يقعد عن الدعوة إلى الله وإلى الحكم بما أنزل، ونصرة الدعاة والاشتراك معهم في جهودهم لاقتلاع الكفر والمعاصي وأهل الكفر والمعاصي وإحلال الخير وأهل الخير.

فما أحوج أمتنا إلى منادي الحق يناديها، وما أحوج أمتنا اليوم إلى داعي الخير يدعوها، وما أحوج أمتنا اليوم إلى هادي الرشد يرشدها فيا داعي الخير أقبل ويا داعي الشر أدبر. وعلى الله قصد السبيل¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *