العدد 49 - السنة الخامسة – شوال 1411هـ، أيار 1991م

أميركا حرّضت العراقيين على النظام ثم حرّضت النظام على سحقهم

بهزيمة العراق هزيمة مذلّة أصبح موضع صراع بين أميركا وبريطانيا، فأخذت أميركا تعمل على احتوائه والهيمنة عليه بعد أن احتلت 20% من أراضيه قبل إيقاف القتال. فأخذ (بوش) ورجال إدارته بتحريض العراقيين على الإطاحة بصدام ونظام حكمه، وتشجيعهم بأنها ستعمل على تخفيف الشروط والعقوبات والتعويضات المفروضة على العراق إذا ما أطيح بصدام وجاءت حكومة أخرى موالية للغرب. كما أن أميركا كانت وراء عقد مؤتمر المعارضة في بيروت، الذي رعته سوريا، وتحملت السعودية نفقات عقده واستضافته. فأدى هذا التحريض والتشجيع إلى انطلاق الثورة في جنوب العراق وشماله، إذ دفعت المعارضة العراقية الشيعية المتمركزة في إيران بقواتها إلى جنوب العراق ـ بتشجيع ودعم من إيران ـ للاستيلاء عليه، مقدمة للإطاحة بصدام ونظام حكمه. وساعدها في الناقمون من الجنود المنسحبين من الكويت حتى استطاعت أن تستولي على كثير من مدن الجنوب العراقي وقراه. واستولت كذلك على النجف وكربلاء، وكذلك جرى الأمر في الشمال، فاستطاعت القوات الكردية أن تستولي على معظم المدن والقرى الكردية في شمال العراق.

إلا أن بغداد لم تلبث أن جمعت قواتها وآلياتها المتبقية بعد الهزيمة، وكرّت على مناطق الجنوب التي استولى عليها الشيعة، ومناطق الشمال التي استولى عليها الأكراد، مستخدمة في ذلك الصواريخ والدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات المروحية بعد أن سمحت لها أميركا باستخدامها، واستعملت في هجومها كل قسوة وشدة حتى أوقعت آلاف القتلى والجرحى من الثائرين والمدنيين، مما مكنها من إفشال الثورة وإعادة سيطرتها على المدن والقرى التي استولى عليها الثوار في الجنوب وفي الشمال. وقد بدأت بالتركيز على ضرب الثورة في الجنوب لأنها تخشى منه لقربه من إيران ولطمع إيران به ودعمها للثائرين فيه. وحين تم لها إفشال الثورة وإعادة سيطرتها على المدن والقرى التي استولى عليها الثائرون صعدت راجعة إلى الشمال الكردي، وتمكنت كذلك من إفشال الثورة فيه واستعادته من الثائرين. وبذلك أعادت بغداد سيطرتها على العراق جميعه، وأفشلت الثورة، وأبعدت شبح تمزيقه.

ومع أن المعارضة الثائرة قد استنجدت بأميركا لتدعمها ضد صدام، وبالرغم من أميركا حرّضت العراقيين على الإطاحة بصدام ونظام حكمه إلا أن أميركا لم تستجب للمعارضة، ولم تتقدم لدعمها، وتركت المجال مفتوحاً أمام صدام لضربها، وسمحت له باستخدام الطائرات المروحية، بعد أن كان ممنوعاً من استخدامها.

أما لماذا لم تستجب أميركا لاستنجاد المعارضة الثائرة فذلك أنها تعرف أن غالبية رجال المعارضة ولاؤهم للإنجليز وليس لها، وتعلم أن هذه المعارضة لها أهداف وتوجهات مختلفة، وليس من السهل ضبط العراق بها، مما يحدث فراغاً يخلّ بالثوازنات القائمة في المنطقة، وبالتالي يخلّ بالترتيبات الأمنية. هذا فضلاً عن أن حلفاء أميركا في المنطقة لا يقبلون بقيام كيان شيعي في جنوب العراق، إذ أن السعودية وبقية دول الخليج تتخوف منه لأنه سيكون امتداداً لإيران. كما أن تركيا وسوريا لا تقبلان بكيان كردي في شمال العراق على حدودهما، لأن ذلك سيؤدي إلى تحرك الأكراد في كل من تركيا وسوريا وإيران لإقامة دولة كردستان.

لذلك تركت أميركا لصدام أن يضرب المعارضة الثائرة وأن يكثر فيها القتل والجراح لتزداد النقمة عليه في العراق، حتى يكون حافزاً ـ بعد فشل الثورة ـ لقيام ضباط من ضباط الجيش العراقي ليطيح بصدام ونظام حكمه، وعندها تتقدم أميركا لاحتضانه وتسهيل مهمته بتخفيف الشروط والغرامات ورفع العقوبات المفروضة على العراق، وبمساعدته في إعمار العراق. وبذلك تتمكن من فرض هيمنتها على العراق¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *