العدد 49 - السنة الخامسة – شوال 1411هـ، أيار 1991م

الهزيمة: عامل يأس أم حافز نشاط؟

لقد جاءت نصوص القرآن والسنّة تشدد على أن النصر من عند الله، وأنه منحة يتفضل الله بها على من يشاء.

في معركة بدر كان المسلمون قِلّةً، كانوا ثلث عدوهم (المسلمون 313 والمشركون ما بين 900 و1000) ومع ذلك نصر الله المسلمين على الكفار (وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ).

وفي معركة حُنين كان المسلمون كثرة، كانوا ثلاثة أمثال عدوهم (المسلمون كانوا 12 ألفاً والمشركون 4 آلاف) ومع ذلك هُزِمَ المسلمون في بدء المعركة (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ).

وفي غزوة بني النضير لم يكن المسلمون يظنون أنهم يُخْرِجون اليهود من حصونهم، وظن اليهود أن حصونهم منيعة بما فيه الكفاية. ولكنّ الله تدخل وغير ظن هؤلاء وهؤلاء (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ).

وفي غزوة الأحزاب (الخندق) تجمّع المشركون من جزيرة العرب من أجل استئصال المسلمين في المدينة، ونقض اليهود عهدهم مع المسلمين (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا) ويقول الله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) ويقول: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ).

وحين طالب بعض المسلمين بحصة من الغنائم، يوم بدر، أكبر من حصة غيرهم بحجة أن أولئك ضعفاء لا غناء لهم في المعركة وهم أقوياء أبلوا بلاءً حسناً أجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وهل تُنصرون إلا بضعفائكم».

فحين كانت قوة المسلمين ضعيفة وأراد الله أن ينصرهم هيأ لهم النصر بإرسال الريح وإنزال جنوده وسكينته وأمدهم بالملائكة وقذف في قلوب عدوهم الرعبَ. وغير ذلك من الأسباب.

وحين كانت قوة المسلمين أكبر من قوة عدوهم، وتوهموا أن النصر بالقوة ونسوا أن النصر من الله خسروا وولوا مدبرين. وجاء النص العزيز بصيغة الحصر: (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).

فهل النصر في المعارك يشبه الرزق والأجل، أي هو مرسوم من الله وحده ولا دوْرَ لفعل الإنسان في جلبه أو دفعه؟ أو هو يشبه العلم مثلاً حيث يكون لفعل الإنسان أثر في حصوله، فالعلم بالتعلم، كما يقال. أو يشبه الحسنات والسيئات التي هي ثمرة فعل الإنسان؟

المدقق يجدُ أن النصر ليس كالأجل وليس كالعلم وليس كالحسنات والسيئات. النصر يعتمد على أمرين: منحة الله واستحقاق الإنسان.

أمّا أنه منحة من الله فقد ذكرنا آنفاً. وأمّا دور الإنسان في إحرازه فالله سبحانه يقول: (إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ) والله سبحانه أمر بإعداد العدة والأخذ بالأسباب قال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ). الإنسان يستحق النصر من الله إذا أطاع الله فيما أمره من إعداد العُدة والأخذ بالأسباب المناسبة، وإذا أخلص النية لله. لا يكفي الإنسان أن يعد القوة دون إخلاص النية لله، ولا يكفيه إخلاص النية دون إعداد القوة التي أمر بها الله، بل لا بد من الأمرين معاً.

وقد رأينا يوم أُحُد أن معصية الرُّماة في تركهم وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالبقاء على الجبل كانت سبباً في خسارة المسلمين المعركة قال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) فهؤلاء لم يأخذوا بالأسباب فكشفوا ظهر الجيش بتركهم الجبل. أما يوم حُنين فقد أعدوا العدة لدرجة أنهم غرّتهم وقالوا: لن نُغلَب اليوم عن قِلّة، فانصرفت نيتهم للاتكال على كثرتهم بدل الاتكال على الله. فلقنهم الله درساً بهزيمتهم في بدء المعركة، حتى إذا استقامت نيتهم عادوا فكرّوا على عدوهم وأحرزوا النصر.

في قاموس المسلمين لم تكن خسارة المعركة في يوم من الأيام مدعاةً لليأس والقنوط والقعود عن العمل. خسارة معركة هي مؤشر على وجود خطأ أو خلل عند الأمة أو عند فئة ذات فاعلية في الأمة. يوم أحد أخطأ الرماة فكانت الخسارة على الجميع وليس على الرماة فقط، لأنهم فئة ذات فاعلية في المعركة. ويوم حنين لا يتصوّر أن يكون كل الجيش الإسلامي أصابه الغرور والإعجاب، بل هناك فئة منه سرى فيها هذا الإعجاب، فحاقت الخسارة بالجميع (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً).

لما أُصيب المسلمون يوم أُحُد صاروا يبحثون عن السبب: (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) فأجابهم الله: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ). ويوم حنين بيّن الله لهم خطر الإعجاب بالنفس. ويوم الخندق بيّن الله لهم الذين في قلوبهم مرض القائلين (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا) والقائلين (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا). ويوم بدر، رغم النصر العظيم، حصلت أخطاء نبه الله المسلمين إليها. منها الاختلاف على توزيع الأنفال، ومنها أخذ الأسرى طمعاً بالفدية قبل الاثخان بالعدو، ومنها كراهية الخروج للقاء العدو (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ @ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ).

المعارك دروس تُستمد منها العبر سواء حصل فيها نصر أو خسارة. الربح يكون حافزاً على شكر الله والاستمرار. والخسارة تكون حافزاً على استغفار الله والبحث عن القصير والثغرات من أجل تلافيها.

اليأس ليس من صفات هذه الأمة (إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ).

هذه الأمة هي حاملة رسالة هي خاتمة الرسالات وخير الرسالات. وهي خير أمة أخرجت للناس.

هذه الأمة لم تكتمل بعد حالة الفتوح والانتصارات وظهور الدين التي وعد الله أن يحققها في العالم على يديها. ما زالت هناك مبادئ وأديان لم يكتمل انتصار الإسلام عليها. الله سبحانه وعد دين محمد وأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالانتصار على سائر الأديان (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ومن ذلك أن المسلمين سيفتحون روما كما بشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لن يبقى بيت مدر أو وبر في الأرض إلا ويخضع للإسلام إما خضوع عزة بأن يؤمن به وإما خضوع ذلة بأن يدفع الجزية له، وهذا لم يحصل بعد. وبشرنا بأننا سنذبح اليهود بعد أن يفعلوا أفعالاً يكرههم بسببها الحجر والشجر، وهذا لم يحصل بعد، وبشرنا بعودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وهذا لم يحصل بعد.

فلا محل لليأس عند الأمة الإسلامية. والمحل كله هو للبحث عن سبب فشلنا وتمزقنا وهزائمنا وهواننا على الناس.

وقد وضعت الأمة يدها على السبب وعلى العلاج. السبب هو بُعد الأمة عن الإسلام، والعلاج هو العودة إلى الإسلام، وإعادة الإسلام بالتمسك بعقيدته وأحكامه وإقامة دولته وتطبيق أنظمته وحمل دعوته للعالم بالحجة والسلاح¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *