العدد 40 - السنة الرابعة – محرم 1411هـ، آب 1990م

سياسة أميركا تجاه لبنان

 العراق وإسرائيل تزودان قوات جعجع بكميات كبيرة من السلاح. وعون يأخذ السلاح ممن حبيقة والمحايري.

أميركا ما زالت تهيئ لجولات جديدة من العنف في الشرقية.

مجلس وزراء الهراوي يريد أن يبسط سلطته في بيروت الإدارية دون أن تكون لديه قوة. وزعماء الموارنة ما زالوا يشمخون بأنفهم على سوريا والعرب.

الذين تحدثوا عن اتفاقية عون هو السبب الحقيقي في العرقلة؟ وهل يستطيع عون إيقاف مسيرة أجمعت عليها الدول الكبرى والدول الإقليمية والأطراف الداخلية؟ وما هي قدرة عون هذا؟ إنه محاصر ليس لديه طريق بري أو بحري أو جوي، وقد نضبت ذخائره، فزودته الأطراف الموالية لسوريا (حبيقة والمحايري) بالذخائر والمحروقات.

باختصار نقول بأن أميركا هي المعرقل الحقيقي لتنفيذ اتفاقية الطائف. وعون ليس أكثر من أداة. أميركا رمت بثقلها للوصول إلى اتفاقية الطائف. وقد نُفّذَ منها قسم، وهذا القسم كافٍ الآن في نظر أميركا.

الأخضر الإبراهيمي يتحدث عن توافر ظروف الحل النهائي قبل العاشر من أيلول القادم، موعد إعلان مشروع الصندوق الدولي لمساعدة لبنان. ولا ندري هل هو جادٌّ، أو يريد فقط أن يعطي الناس كلاماً مطمئناً؟ الواقع الموضوعي على الأرض هو عكس ما يقوله الإبراهيمي.

مجلس الوزراء في لبنان أصدر بياناً ـ برنامجاً في 11/07/90 يطالب قوات جعجع بالخروج من بيروت الإدارية، ويطالب قوات عون بالالتحاق بقوات لحود (أي قوات الشرعية). جعجع يتظاهر بالموافقة. عون رفض بيان مجلس الوزراء بعد أربعة اجتماعات مع الإبراهيمي. وفي 28/07/90 أصدر مجلس الوزراء بياناً ثانياً يشير فيه إلى تنفيذ برنامجه الصادر في 11/07، وقد اعتبر أن عون هو العقبة.

وزير الدفاع (ألبير منصور) كان يقول بأن أميركا تمتنع عن تسليح جيش (الشرعية) بحجة أن لها ديناً مقداره عشرة ملايين دولار على لبنان. ورئيس الوزراء (سليم الحص) كان يقول بأن (الشرعية) لا تستطيع بسط سلطتها بقواها الذاتية على أي شبر، حتى أنه قال بأن (الشرعية) لا تستطيع حماية بيروت الغربية بقواها الذاتية إذا أرادت قوات عون أو قوات جعجع أن تجتاحها. وهو يريد أن يقول بأن القوات السورية هي وحدها الآن التي تعتمد عليها (الشرعية)، لأن قوات لحود لا توجد لديها معدات. وحين طلب الهراوي المعدات من الدول العربية أثناء جولته، قالوا له (خاصة في ليبيا): لا نستطيع تقديم السلاح لجيشك لأننا نخشى أن تضرب به الفلسطينيين. والآن يبحثون في إرسال عدد من الجيش اللبناني إلى إقليم التفاح، ولكنهم محرجون لأن هذا الجيش ليس لديه معدات، وهم يطلبون المعدات من الجيش السوري.

فإذا كانت هذه هي قوة جيش (الشرعية) فكيف سيتسلّم الأشرفية من قوات جعجع؟ سيقول لهم جعجع: ما هي الضمانة أن لا تأتي قوات عون وتحتلها إذا سلمتكم إياها؟

في الوقت الذي يطلب مجلس الوزراء من قوات جعجع إخلاء بيروت الإدارية نجد أن جعجع يضاعف من قواته في بيروت الإدارية، ونجد أن إسرائيل تمده بقذائف الـ 155 ملم وصواريخ جو ـ أرض وزوارق حربية وطائرات هليكوبتر عسكرية. وكذلك فإن العراق زوّد جعجع بزوارق حربية وبراجمات صواريخ وبباخرة ذخائر. وأميركا ترى وصول هذا الدعم وهذه الأسلحة إلى جعجع وتغض النظر. كل هذا يدل على أن جعجع لا ينوي فقط عدم الخروج من بيروت الإدارية بل هو يخطط للاستيلاء على قصر بعبدا ولإسقاط عون ولبسط سيطرته على المناطق التي ما زالت تحت سيطرة عون. ولهذا السبب تركت سوريا المجال لحبيقة والمحايري لإمداد عون بما يحتاج إليه من سلاح لئلا يسقط أمام جعجع ويتمكن جعجع من إقامة الكانتون الماروني، الذي سيؤدي في حال حصوله إلى فرض التقسيم.

كون أميركا تغض النظر عن وصول الأسلحة بشكل كبير إلى جعجع، وكونها تغض النظر عن وصول السلاح إلى عون، وكونها تحاول عرقلة تسليح جيش (الشرعية)، فهذا يعني أنها ما زالت تخطط لمعارك ومذابح في الشرقية، وما زالت تريد إبقاء سلطة الهراوي كما هي. أي هي لا تريد انتقال الهراوي إلى قصر بعبدا، ولا تريد أن يكون (للشرعية) جيش تستخدمه لبسط سلطتها. ومن هنا نستغرب تفاؤل الإبراهيمي، ونتساءل: كيف سينفذ مجلس الوزراء برنامجه في بسط سلطته على بيروت الإدارية؟ لقد سبق لمجلس الوزراء هذا أن أصدر قراراً بتجريم ميشال عون وإحالته على المحكمة. ثم لحس المجلس قراره واصدر بيانه الذي يفسح المجال لعون ليدخل الوزارة. مثل هذا المجلس يمكن أن يلحس أي قرار وأي بيان، ويبرر ذلك بالظروف القاهرة.

فرنسا والفاتيكان لم يقبلا اتفاق الطائف كما هو، وحرّضا عون وجعجع على رفضه. وكانت النتيجة وقوع المجازر في الشرقية بين وعون وجعجع. ولم تستطع فرنسا ولا الفاتيكان وقف المجازر، وحصلت الهجرة الكثيفة من الشرقية. وحصل الهلع عند الموارنة وعند فرنسا والفاتيكان من أن تؤدي هذه الهجرة إلى تفريغ لبنان من النصارى. فصارت فرنسا والفاتيكان تنصحان (سراً) عون وجعجع بقبول اتفاق الطائف كمرحلة من أجل إيقاف القتال في الشرقية وإيقاف الهجرة منها. والظاهر حتى الآن أن لا جعجع ولا عون يأخذ بنصيحة فرنسا والفاتيكان، وكل منهما يستعد لخوض جولات جديدة في الشرقية.

نجحت أميركا حتى الآن في إغراء العداوة بين عون وجعجع ولم تنجح فرنسا والفاتيكان في إزالة هذه العداوة وقد نقلت الصحف أرقاماً وزعتها واشنطن مؤخراً من أن ربع الموارنة هاجروا من لبنان، ويتوقع الفاتيكان أن يصبح الموارنة مثل الأرثوذكس أو الدورز من حيث العدد، إذا ما استمرت أسباب التفريغ البشري. ومن هنا فإن (بوانتي)، سفير الفاتيكان في لبنان، يقول بأن لبنان يمر الآن في أخر ظروف له في العصر الحديث، وقد تؤدي إلى زواله.

والواقع أن أميركا لا تقيم وزناً للبنان من حيث بقاؤه أو زواله. وقد حاولت أميركا إلغاء لبنان وجعله إقليماً في الجمهورية العربية المتحدة سنة 1908 أيام عبد الناصر. وقبلت سنة 1969 بعقد اتفاقية القاهرة التي أعطت للفدائيين حق الوجود والانطلاق من العرقوب. وهي موافقة الآن على الوجود المسلح لمنظمة التحرير في جوار صيدا. وفي موافقة على جعل لبنان في حماية سوريا. وقبل أشهر قال واينبيرجر وزير الدفاع الأميركي السابق: «بأن لبنان ليس وجود في التاريخ ولا في الجغرافيا». وكل ما يهم أميركا هو صياغة المنطقة ـ ومنها لبنان ـ بالشكل الذي يؤمّن لها مصالحها.

والواقع أنه لا فرنسا ولا الفاتيكان يقدر على إبقاء لبنان كياناً مارونياً، أو مجموعة امتيازات للموارنة. نقلت جريدة الحياة في 23/07/90 عن مصدر من مصادر الفاتيكان ما يلي:

«يمكن إقناع الموارنة أصحاب السلطة لغاية خروجها من يدهم بضرورة قبول مشاركة الفئات الأخرى في الحكم، وضرورة تنظيم مجتمع تعايش سلمي من دون مارونية سياسية… لكن دوائر الفاتيكان متشائمة لأن أسياد الحرب في لبنان هم أداة يستخدمها من لا يريد مصلحة لبنان».

البطريك صفير لم يذهب حتى الآن إلى سورية مع أن البطريك هزيم وأطراف أخرى نصحوه بذلك. وجورج سعادة حين ذهب إلى دمشق هذا الأسبوع عاد ليقول بأنه ذهب بصفته الرسمية (كوزير) وليس بصفته الحزبية. وهذا يشير إلى أن زعماء الموارنة لم يعترفوا حتى الآن أنهم جزء من بلاد الشام وما زالوا يتطلعون عبر البحر إلى الأم الحنون والبابا الرؤوم. ولكن هيهات.

ليس الموارنة وحدهم يتصرفون بانفصاله وانعزالية بل كثير من المسلمين ما زالوا ينادون ببقاء لبنان كياناً منفصلاً عن بقية بلاد الشام، وما زالوا يقدّسون الحدود التي رسمتها فرنسا أيام الانتداب.

وما دامت هذه العقليات الانفصالية الانعزالية هي الموجهة للرأي العام في لبنان فإن مشاكل لبنان مستمرة.

29/07/1990م

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *