العدد 38 - السنة الرابعة – ذو القعدة 1410هـ، حزيران 1990م

سؤال وجواب

السؤال:- جاء في كتاب (الشخصية الاسلامية) ج1/ ص38 (ولذلك كان من الطبيعي الوقوف منها ـ أي الآيات المتشابهة ـ موقف التسليم كم هي الحال في وصف أي واقع وتقرير أي حقيقة دون تعليل أو تدليل). وجاء في (ميثاق الأمة) ص 28: (أو مما ظاهر موهم للتشبيه فيستحيل شرعاً أو عقلاً أن يكون المرادُ مدلول لفظه، فيحتاج إلى قرينة شرعية أو عقلية تعيّن المعنى المراد منه).

النص الأول: يفيد أن كل ما يتعلق بذات الله وصفاته يجب الوقوف فيه عند النص دون شرح أو تأويل، ونفوّض أمر معناه إلى الله، ونؤمن به على مراد الله.

النص الثاني: يفيد أننا يجب أن نبحث عن المعنى المراد منه، ونبحث عن القرائن الشرعية والعقلية التي تعيّن هذا المعنى المراد.

فما هو الموقف الصحيح؟

الجواب:

هذا بحث اختلف فيه علماء المسلمين منذ بدأوا هذه الأبحاث. ولن نغوص في البحث بل نكتفي بذكر بعض الحقائق التي يستند إليها مثل هذا البحث، وينبني عليها الجواب.

الحقيقة الأولى: إن الله سبحانه لم يخاطب البشر بما لا يفهمه البشر.

الحقيقة الثانية: إن اللغة (العربية وغيرها) وُضعَتْ لتعبر عن أشياء (أعيان) مادية، أو معان متعلقة بأشياء مادية أو ذهنية. فاللغة، أية لغة، عاجزة عن التعبير عن الذات الإلهية.

الحقيقة الثالثة: العقل البشري عاجز عن إدراك ذات الله، وكل تصوّر ذهني هو مجرد وهم ضال.

أما الحقيقة الأولى: فهناك من قال بأن الله خاطب البشر بما لا يفهمونه، واستدلوا بقوله تعالى: ]وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ[، وهذا الاستدلال هو الرأي الأضعف. والآية من أولها هي: ]هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[.

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره:

[ومنهم ـ أي القرّاء ـ من يقف على قوله: ]وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[. وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد. وقد روى ابن نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. وكذا قال الربيع عن أنس… وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». ومن العلماء من فصّل في هذا المقام وقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ]وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ[ وقوله: ]هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ[ أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد. فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل، ويكون قوله: ]وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[ مبتدأ و]يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ[ خبره، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله: ]نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ[ أي بتفسيره فإنه أريد  به هذا المعنى فالوقف على ]وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، 000000 الكلام ناقص000000وساغ هذا وأن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه كقوله: ]لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ[ إلى قوله: ]يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا[ الآية. وقوله تعالى: ]وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا[ أي وجاء الملائكة صفوفاً صفوفاً].

وقال الآمدي ـ رحمه الله ـ في الأحكام ج1/ ص 240 [قلنا: من قال بجواز التكليف بما لا يطاق، جَوّز أن يكون في القرآن ما له معنى وإن لم يكن معلوماً للمخاطب، ولا له بيان! ولا كذلك فيما لا معنى له أصلاً، لكونه هذياناً. ومن لم يجز التكليف بما لا يطاق منع من ذلك، لكونه تكليفاً بما لا يطاق، ولما فيه من إخراج القرآن في كونه بياناً للناس ضرورة كونه غير مفهوم. وهو خلاف قوله تعالى: ]هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ[ ولأن ذلك مما يجر إلى عدم الوثوق بشيء من إخبار الله تعالى ورسوله، ضرورة أنه ما خبر إلا وبجوز أن يكون المراد به لم يظهر منه. وذلك مبطل للشريعة مطلقاً].

وقال الطبرسي ـ رحمه الله ـ في تفسيره: مجمع البيان: [عن قتادة ]وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[ أي الثابتون في العمل الضابطون له المتقنون فيه.. لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم فإنهم يعلمونه… وهذا قول ابن عباس والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار أبي مسلم وهو المروي عن أبي جعفر رضي عليه السلام فإنه قال: كان رسول الله أفضل الراسخين في العلم قد علم جميع ما أ،زل الله عليه من التأويل والتنزيل، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلّمه تأويله، وهو وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله، ومما يؤيد هذا القول أن الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن ولم نرهم توقفوا على شيء منه ولم يفسروه بأن قالوا هذا متشابه لا يعلمه إلا الله. وكان ابن عباس يقول في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم].

وقال الشيخ تقي الدين النبهاني ـ رحمه الله ـ في كتاب الشخصية الاسلامية ج3/ ص17: [لا بد من بحث أمرين: أحدهما أن القرآن ليس فيه لفظ مهمل ومثله السُّنة، والثاني أن الله تعالى لا يعني في كلامه خلاف الظاهر من غير بيان] ويتابع [وأما قوله تعالى ]وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ[ الآية… فيكون المعنى أن الله يعلم تأويله والراسخون في العلم يعلمون تأويله] ويتابع [… وإنما قال: ]وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[ فأعطى وصفاً زائداً بالنسبة للعلم وهو كلمة ]وَالرَّاسِخُونَ[ وهذا الوصف إنما يُعطى عند الكلام عن المعرفة ولا يُعطى عند الكلام عن عدم المعرفة].

وقد جاءت آيات القرآن تصف القرآن كله بجميع 000000 الكلام ناقص000000 وبأنه أنزل للتدبر وبأن آياته بينات. انظر قوله تعالى: ]كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[ (ص 29). وقوله تعالى: ]بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ[ (العنكبوت: 49). وقوله تعالى: ]وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ[ (البقرة: 99). وقوله تعالى: ]وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[ (النحل: 44).

من هذا يظهر لنا شكل قوي أن جميع ما جاءنا في القرآن وفي السنة يمكن فهمه عند أهل العلم وخاصة الراسخين في العلم والآيات المتشابهات، أي التي يشتبه فهمها على العلماء، يمكن لهؤلاء العلماء أن يرجعوها إلى أمّها، أي إلى الآيات المحكمات، أي الواضحات، وبذلك يزول الاشتباه ويترجح المعنى المقصود. وإذا استغلق فهم بعض الآيات على العالم يمكن له أن يبحث أكثر أو أن يسأل من هو أعلم منه ]وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ[.

ومن هذا نفهم أن الآيات المتشابهات التي ورد فيها ما يوهم تشبيه الخالق بالمخلوقات، مطلوب منا أن نحاول فهمها، وليس أن نتلوها فقط ]لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ[، وفهمها يكون برد المتشابه إلى المحكم، كما أسلفنا، وتنزيه الخالق عما لا يليق به، فهو مخالف للحوادث في ذاته وصفاته وأفعاله.

وأما الحقيقة الثانية: فإن اللغة هي ألفاظ وضعت بإزاء أشياء مادية، أو بإزاء معان لها تعلق بأشياء مادية، أو بإزاء تصورات ذهنية. والله سبحانه ليس شيئاً مادياً، ولا يمكن للمرء أن يكوّن صورة ذهنية عن ذات الله.

مع ذلك فقد جاءت آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة تتحدث عن ذات الله وعن صفاته وعن أفعاله. فكيف نتعامل مع هذه النصوص؟ مثلاً قوله تعالى: ]يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ[ اليد معروفة في اللغة، والأصل هو حمل كلام الله تعالى على ظاهره إلا إذا ورد مانع من ذلك، فأغلب الأصوليين يقولون بأن الله تعالى لا يعني في كلامه خلاف الظاهر من غير بيان. وهنا ورد بيان يصرف هذا الكلام عن الظاهر الحقيقي إلى معنى مجازي. وهذا البيان هو قوله تعالى: ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[. ولا يكفي صرفها عن التشبيه والوقوف عند ذلك، بل لا بد من البحث عن المعنى المقصود، ويقودنا البحث إلى ترجيح المعنى المجازي الذي تفيده اللغة في هذا السياق وهو القدرة، كما في قول الشاعر:

وما من يد إلا يد الله فوقها     ولا ظالم إلا سَيُبلى بأظلم

وكذلك قوله تعالى: ]بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ[ فإن آية ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[  قرينة شرعية تصرف الكلام عن ظاهره الذي يوهم التشبيه إلى معنى مجازي هو الكرم لأن بسط اليد في الإنفاق هو كناية عن الكرم.

وقوله تعالى: ]وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً[ يوهم ظاهره أن الكافرين لا يمكن أن ينتصروا على المؤمنين. مع أن الواقع المحسوس هو أن الكافرين انتصروا على المؤمنين، وصار لهم عليهم سبيل. وهذه قرينة عقلية تبيّن لنا أن المعنى المراد هو: إن الله يحرّم عليكم أيها المؤمنون أن ترضوا بأن يكون للكافرين عليكم سبيل.

وحين يصف الله ذاته بأنه بصير يكفينا أن نفهم المعنى الإجمالي للبصر، أي أن الله لا تخفى عليه الأشياء التي لا ندركها نحن إلا بحاسة البصر. وكذلك حين يصف نفسه بأنه سميع أو بأية صفة أخرى. ولا يجوز لنا أن نتصور أن الله يبصر أو يسمع كما يبصر الناس ويسمعون، لأن في ذلك تشبيها لله بخلقه.

وأما الحقيقة الثالثة: فإن العقل البشري لا يمكن أن يدرك أو يتصور إلا من خلال المحسوسات أو قياساً على المحسوسات. والله سبحانه وجوده محسوس أما ذاته فليس محسوسة ولا يمكن قياسه على المحسوسات. فكل صورة ذهنية يرسمها المرء في ذهنه لذات الله هي نسيج من الوهم والخيال الباطل. وقد قال العلماء: (كل ما خطر ببالك فالله غير ذلك).

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *