العدد 36 - السنة الثالثة – رمضان 1410هـ، نيسان 1990م

الكوكب الآفل في ذكرى مأتم الخلافة

إلى الأُمّة التي ترقب فجر الخلافة المنتظر، إلى الشباب الذين حملوا راية التحرير بيقين المؤمنين، وعزيمة المجاهدين، ليعيدوا دولة الخلافة في ظل رسالة الإسلام الخالدة.

أيْنَ الغِناءُ يَزِفُّ ألحاناً من الذكرى بأحلاها، وأغلاها يُعَادْ

أيْنَ الضياءُ يُعيدُ لَيْلَ الشِّعر وَمْضأ في الخيال وفي الدماء وفي الفؤادُ

من أينَ أَقْبِسُهُ ولا زهرٌ يضوع شداً، ولا نغمٌ لشادْ

جَفَّ السَّنَا، ومحابرُ الشعراء جَفَّ بها المِدادْ

أيْنَ الخلافةُ تَزْدَهي في ظلها الراياتُ خافقةً تتوقُ إلى الجهادْ

أين اللواءُ الفاتحُ المنصورُ والساحاتُ ماجتْ بالكتائب والعتادْ

وبشارةُ الهادي الأمين عزيمةٌ تَسْرِي فتستبقُ الفوارسُ والجيادْ

وأميرُها نِعْمَ الأميرُ، وجيشها، والرومُ قد ألقتْ لفاتحها القيادْ

والعرشُ مضطربٌ بقِسْطَنْطينَ، والأسوارُ تَهوِي كالهشيم وكالرمادْ

قد كان يزهو بالمليك، فحينَ جاء الفَتْحُ مَزْهُوّاً تجلَّلَ بالسوادْ

وَانْدَكَّ لما جاء نَصْرُ الله يَهْوي خائرَ الجبروت مُنْهاراً، ومادْ

وتهاوت الصلْبانُ تحت سنابكِ الخيلِ المغيرةِ والمُهَنَّدة الحدادْ

وبمسجد الفرقان سَبَّحَت الوجوه الساجداتُ لوجه خَلاَّق العبادْ

بالفاتح الغازي وسيفِ جهاده الميمون عَزَّ الدينُ منتصراً وسادْ

واليوم قد سقط اللواءُ وفارسُ الميدان قد فَقَدَ المُهَنَّد والجوادْ

وَتَهدَّم الصرحُ الذي قد كان فوق قواعد الإيمان مرفوعَ العِمادْ

تِشْكو بذُلِّ القيد عاصمةُ الخلافة وهي في ثوب الحدادْ

وعلى المنابر دمعةٌ، فاليومَ ماتَ الفاتحُ الغازي ووالده مرادْ

ويعود جنكيزٌ يُعَرْبِدُ والمغولُ بها كأسراب البعوض والجرادْ

نشروا المظالم فليس فوق الأرض من نورٍ يضيء لأفق هادْ

زحف الظلامُ فليس فوق الأرض من نورٍ يضيء لأفق هادْ

حُبِسَ الغَمامُ فليس من غَيْثٍ يَبُلُّ ظَمَأَ البلادْ

فُقِدَ الأمانُ فليس من طفلٍ تُهدهِدُ جَفْنَهُ سِنَةُ الرُّقادْ

خَفَتَ الأَذانُ وراحَ صوتُ الإفْكِ يَنْعَبُ بالضلال بكلّ نَادْ

*****

شُلَّتْ يمينُك أيها الجاني، لقد خُنْتَ البلادَ وجئتَ نُكْراً

صَنَعوكَ تِمثالاً وأنت أَحَطُّ منه مكانةً وأَقَلُّ طُهْراً

ودَعَوْكَ زوراً بالكمالِ، وأنتَ أحقرُ من عبيد الأرض طُرّاً

ملأوا إِهابَك من سُموم الغَدْرِ فاتكةً، فَفُقْتَ الحَيَّة الرقطاءَ غَدْراً

بمعاهد الماسون تلميذاً نَشَاْتَ، فَزِدْتَ إلحاداً وكُفْراً

ضَمَّتْكَ أحضانُ الدَّعارةِ مُذْ دَرَجْتَ، فكنتَ في الأوطان ماخوراً وعُهْراً

وسَقَوْكَ من خمر الفجور، فكنتَ للساقين في الحاناتِ خمراً

وأرادَكَ الأعداءُ عَيْراً للركوب، فكنتَ للأعداء عَيْراً

وحَمِلْتَ جُثْمانَ الخِلافةِ عندما حَفَروا له في موطن الإسلام قبراً

ووأدْتَ أسفاراً من الأمجاد، ما أَبقيتَ للأمجاد سِفْراً

ومحوْتَ ما قد خَطَّهُ التاريخُ، ما أبقيت في الصفحات سطراً

وهَدَمْتَ ما قد شاده الماضون من عزٍّ، فما أبقيتَ للماضين ذِكْراً

ونَحَرْتَ كُلَّ مَفاخِرِ الإسلام سَفّاحاً بسيفِ البطش نَحْراً

وجلسْتَ فوق العرش عبداً، والبلادُ أسيرةٌ والناسُ في الأوطان أَسْرى

*****

والخيلُ تقْتحمُ الثُغورَ فَتَنْثَني، وبشائرٌ للفتحِ تَتْرى

وضياءُ هدْيٍ قد مَلأْنا الأرض من نُعْماهُ آلاءً وخَيْراً

وظلامُ ليلٍ قد طَلَعْنا في دجاه الحالكِ المُرْبَدِّ فَجْراً

لم يَبْقَ في أرضٍ غَزَتْها خَيْلُنا عرشٌ لِقَيْصَرِها ولا عرش لكِسرى

حتى أَحَلْنا تُرْبَها للشُّهْبِ مزرعةً، ورَمْلَ البيد تِبْراً

والدولةُ الكبرى بنيناها فكان بظلها البنيانُ أمجاداً ونصراً

حتى هَوَى صرحُ الخلافة، فاستحالَ الفَجْرُ ليلاً واستحال النَّصْرُ خُسْراً

ورياضُ جَنّاتٍ تَفَيَّأْنا الظلال بها فعادَ الظِلُّ قَفْراً

وكنوزُ أمجادٍ من التاريخ قد أضحتْ من الأمجاد صَفْراً

وهناءةٌ مبسوطةُ النَّعماءِ، عاد نعيمُها الريَّانُ في الأجفان جَمْراً

ونَميرُ نبعٍ دافقُ السَّلْسالِ، عادَ شرابُه المعسولُ في الأفواهِ مُرّاً

وحُصونُ أَمْنٍ شادَها الإسلامُ، صارَ الأمنُ في أكنافها سجناً وقَهْراً

*****

يا أمةً نامتْ على ذُلٍّ مُخدَّرةً، وطال بها الرُّقودْ

واسْتَسْلَمتْ للقيد خانعةً، وما ثارتْ على ذُلِّ القيودْ

تستعذب الأحلامَ لاهيةً، فيغرِقُها رخيصُ اللهو في ليلٍ مديدْ

وتسير واهية الخُطى، والأرض تحت مسيرها المكدود مائجةٌ تَميدْ

وتظن أن العيش جَنّاتٌ تُزَخْرَفُ، وهي تُدْفَنُ في اللُّحودْ

ضاعت أمانيها هباءً، واستكانت للقعود وللركود وللجمودْ

وسلاحُها فقد المضاءً، ولم يَعُدْ في ساحة الميدان ذا بأسٍ شديدْ

والمبدأُ الأعلى، يكاد الكفرُ أن يغتال سُؤْدَدَهُ المجيدْ

وكتابُها كانت كتائبه بآي الذِّكر تجتازُ الحواجزَ والسدودْ

بِمَحَجَّةٍ بيضاءَ ساطعة الهُدى، كالنور تكتسح الضلالةَ والجحودْ

أضحتْ مُعَطَّلةً وقد عَصفَ الظلامُ بنورها الهادي ومَنْهجها الرشيدْ

حكامُها العملاءُ أصنامٌ تُقَدَّسُ في القيام وفي الركوع وفي السجودْ

مستأسدون وهم على سُرُرِ الملوك أرانبٌ تطغى وأقزامٌ تسودْ

من كل وغْدٍ للعدوِّ مُذَلَّلٍ ولشعبه الخَصْمُ اللدودْ

يرنو إلى نَزْفِ الدماء لجرح أُمّته الذبيحة وهو مُبْتَسِمٌ سعيدُ

ويَتِيهُ فوق العرش وهو مُتَوَّجٌ بالذلِّ لا مجدٌ ولا رأيٌ سديدْ

وكآلة التسجيل يُلْقي القولَ ترديداً ويَجْهلُ ما يقول وما يريدْ

يزهو برأسٍ شامخ الخُيلاءِ كالفرعون جبارٍ عنيدْ

لكنه أعْشى البصيرة مظلمُ التفكير مضطربُ الحِجا نَخِرٌ بليدْ

يُلْوي غروراً عن جميع الناس كالجليد أو الحديدْ

وهو الذليلُ المستكينُ أمام من مَلّكوه كالجمل المقودْ

كم خَرَّ تعظيماً لأَميركا وكم وطِئَتْه بالأقدام أحذيةُ اليهودْ

يا رايةَ التحرير تاهَ الركبُ في ظلماءَ حالكةٍ وطال به الشرودْ

والأعينُ الظمأى تحنُّ إلى الضياء وترقبُ الفجر الجديدْ

وكتائبُ التحرير دائبةُ الجهادِ الظافرِ المنصورِ في درب الخلودْ

لا، لَنْ يظلَّ بأرضه الإسلامُ تحت سياط جَلاَّديه كالصَّيْدِ الطَّريدْ

سَتَبيدُ آلهةُ الضلالِ ودولةُ الأصنام، في وطني تبيدْ

وتعود راياتُ الخلافة والجهاد ودولةُ الإسلام شامخةً، تعودْ

الشاعر: يوسف إبراهيم

19 رجب 1410هـ

14 شباط 1990م

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *