العدد 36 - السنة الثالثة – رمضان 1410هـ، نيسان 1990م

دستور الجزائر العلماني سيهزمه المسلمون

الجزائر جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامية وهي قطرٌ عزيز على المسلمين دخلها الإسلام فاتحاً منذ ما يقارب أربعة عشر قرناً فتقبله أهلها قبولاً حسناً واعتنقوه وتعلموا لغته العربية وحملوه مع إخوانهم الفاتحين غرباً حتى وصلوا في فتوحاتهم إلى سهول بواتيه وحوض اللوار في قلب فرنسا لا لشيء إلا لأن الإسلام عقيدة صحيحة توافق الفطرة البشرية وتقوم على العقل. وذلك بعد حكم الرومان لها ولشمال أفريقيا أكثر من سبعمائة سنة لم يستطيعوا خلالها نشر النصرانية فيها ولا اللغة اللاتينية.

وظلت الجرائر مسلمةً يحمل أهلها العقيدة الإسلامية ويحافظون عليها ويموتون في سبيلها بالرغم من انحسار حكم الدولة الإسلامية عنها واقتطاعها من أطراف الدولة في ثلاثينات القرن الماضي فظل أهلها يقاتلون فرنسا الكافرة منذ ذلك العهد ولم يهنوا ولم يستكينوا وقدموا ملايين الشهداء في سبيل حماية عقيدتهم ودينهم حتى طردوها بعد مائةٍ وثلاثين عاماً من الجهاد المستمر الدائب.

غير أن الأمر الذي لا بد من لفت أنظار المسلمين إليه هو أن الكافر المستعمر قد خرج من الجزائر بجنوده وأسلحته وخلَّف وراءه أوضاعاً وترك لحمايتها نفراً من أبناءهم ضبعهم بثقافته وتبلورت عقلياتهم على أساسها فكانوا أحرص منه على حماية هذه الأوضاع والحفاظ عليها سواءً في نظام الحكم أو في التربية والتعليم أو في الاقتصاد أو في الاجتماع أو في السياسة الخارجية وفي كل شؤون الحياة ـ في الجزائر.. والاستعمار هو فرض السيطرة الثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية على الشعوب الضعيفة لاستقلالها وفرنسا الكافرة دولة تعتقد العقيدة الرأسمالية وهي فصل الدين عن الحياة فهي وجهة نظرها في الحياة وحين استعمرت الجزائر كغيرها من الدول الاستعمارية الكافرة أدخلت وجهة النظر هذه على المسلمين وطبقت عليهم النظام الرأسمالي وفرضت عليهم قوانينها ومناهجها ومنعتهم من تعلم أحكام دينهم ولغتهم لتباعد بينهم وبين الإسلام، ومستغلة في ذلك الانحطاط الفكري الذي تعاني منه الأمة الإسلامية في شتى أقطارها.. وقد تخرجت الأجيال عبر قرنٍ من الزمن ويزيد على ثقافته بعيدةً عن ثقافتها الأصلية وهي الثقافة الإسلامية.. وكانت هذه الأجيال موزعةً بين شخصيتين أحدهما اعتقدت العقيدة الرأسمالية والأخرى لم تعتقدها ولكنها تأثرت بها وكانت أفكارها عندها عرضية فقط والإسلام كامن في أعماقها.. فما كان إلا أن تقدمت الفئات المضبوعة بالثقافة الغربية هذه، وقادت جماهير الأمة في كفاحها ضد الكفار المستعمرين وجهادها لهم في الخمسينات وأوائل الستينات الماضية من هذا القرن في ثورةٍ أطلقوا عليها ثورة المليون ونصف المليون شهيد. واثر خروج الكافر المستعمر وفق اتفاقيات ايقْيان عام 1962 تسلمت هذه الفئة المضبوعة بالثقافة الفرنسية مقاليد الحكم في البلاد وراحت تطبق ما كانت فرنسا الكافرة تطبقه من نظم وقوانين وتواصل العمل على منهاجها الثقافي والتربوي اللهم إلا ما أدخلوه خجلاً مما سمّوه حركة التعريب ذراً للرماد في عيون المسلمين… ولكن المناهج الثقافية ظلّت هي هي لم تتغير.. وجاء من جاء من هؤلاء المضبوعين بالغرب ليطعّم النظام الرأسمالي بالاشتراكية للحفاظ عليه وإطالة عمره بعد أن بان عواره وتبين فساده وعجزه لجماهير المسلمين.. فكان أن أقاموا الحكم على القوانين مخالفين بذلك طبيعة قيام الحكم أي حكم.. فالحكم من حيث هو يقوم على فكرة يؤمن بها الناس ثم تنبثق عنها القوانين والأحكام.. فما كان منهم إلا التخبط والدوران في حلقة مفرغة فأفقروا البلاد والعباد وهاجرت الملايين من أهل الجزيرة إلى أوروبا بحثاً عن العيش.

والأمة الإسلامية ظلت ردحاً من الزمن ـ في حالة من الغيبوبة ـ المزمنة وظلت الضربات تتناولها وتنصب عليها حتى بدأت تصحو من هذه الغيبوبة وصحوتها صحوة واحدة شائعة في سائر أطرفها فهي كالجسد الواحد.. فتحرك المسلمون في الهند وتحركوا في إندونيسيا وفي تركيا وفي إيران وفي مصر وفي المغرب كله.. فأخذ الحكام يحتاطون لأنفسهم من هذه الصحوة العارمة بعد أن أسقط في أيديهم وراحوا يحاولون احتواء هذه الصحوة أو تمييعها بأن راحوا ينادون بالإسلام ويعقدون المؤتمرات الإسلامية ويوجدون الحوارات بشأن تطبيق أحكام الشريعة وأنزلت في وسائل إعلامهم المكتوبة والمسموعة والمرئية المقترحات والمقالات والمقابلات التي تتناول هذه الصحوة الإسلامية المباركة كل ذلك من أجل احتوائها وتمييعها.

ولما تحرك المسلمون في الجزائر في شهر تشرين الأول (أكتوبر) عام 1988 أسقط في أيدي حكام الجزائر وواجهوا تحرك الأمة بالعنف وبالحديد والنار فسقط مئات القتلى، ولكن ذلك لم يثن الأمة عن عزمها، فرأى هؤلاء الحكام أن الأمر جدٌّ ولا بد من مواجهته بأسلوب آخر، وإلا فإن الطامة الكبرى ستأخذهم وستطير رماد عظام الشهداء ليعمي الرؤساء ويطمر الملوك.. فأخذوا يعدون العدة لحماية نظام الكفر وإطالة أعمارهم في الحكم بمحاولاتهم احتواء هذه الصحوة وتمييعها فقاموا بإجراء استفتاءات شعبية وانتخابات وغيّروا واجهات الحكم وسنوا قوانين جديدة للأحزاب كي يسمحوا بموجبها لتشكيل الأحزاب والجمعيات وبتعددها بدلاً من سياسة الحزب الواحد والملك الواحد..

وقد جاء قانون الجمعيات الذي نشرته الجريدة الرسمية في الجزائر في عددها رقم 17 الصادر في الخامس من حزيران يونيو من السنة الماضية (1989) فيما يتعلق بالأحكام العامة لتأسيس الجمعيات والأحزاب في الجزائر ما يلي:

1- على كل جمعية أساسية أن تساهم من خلال أهدافها فيما يلي:

أ- «المحافظة على الاستقلال الوطني والسلامة الترابية والوحدة الوطنية ودعمها».

هذه الفقرة من المادة الأولى تفيد وجوب الحفاظ على انفصال الجزائر عن باقي بلاد المسلمين وبقائها دولة وحدها إمعاناً في تعميق الفرقة والتمزيق للامة الإسلامية التي حرّم الله عليها أن تكون مجزأة عدة دولٍ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» ولقوله أيضاً صلى الله عليه وسلم: «من جاءكم وأمركم جميع على رجل واحدٍ يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه».

ب- «دعم سيادة الشعب واحترام اختياراته الحرة».. وهذه الفقرة تتناقض مع الشرع وتخالف العقيدة الإسلامية التي جعلت السيادة لله ولرسوله.. ولا تنبثق عن الإسلام ولا بحال من الأحوال فهي منبثقة عن العقيدة الرأسمالية الديمقراطية التي تقول بأن الشعب مصدر التشريع.ز أي أن السيادة للشعب. والله سبحانه وتعالى يقول: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ[ فالسيادة في الإسلام للشرع وليست للشعب وإن كان الإسلام قد أعطى الأمة السلطان أي خولها برعاية شؤونها بالإسلام وتنيب عنها في هذه الرعاية أي في هذا السلطان من تريده بمحض اختيارها من أبنائها ثم تبايعه على تطبيق الكتاب والسنة. وأما احترام اختياراته الحرة.. فإنه لا حريات في الإسلام بالمعنى الغربي، فجميع الأمور مقيدة بالإسلام، والأصل في الأعمال التقيد بالحكم الشرعي.. وقد جاء الشرع بأحكامه لتنظيم أحوال العباد..

فالعقيدة والرأي والتملك والأحوال الشخصية كلها مقيدة بالإسلام فالمسلم يُقْتل إذا ارتد عن الإسلام، ولا حرية تملك له فهو لا يملك بالربا ولا بالسرقة ولا بالقمار ولا بالغش فهو يُجلد إذا زنا أو شرب الخمر أو خرج عن حدود الشرع في مأكله وملبسه وتصرفاته..

جـ- «حماية النظام الجمهوري والحريات الأساسية للمواطن».. وهذه الفقرة تنص على وجوب حماية نظام الحكم الرأسمالي الجمهوري. وهو نظام كفر.. فالإسلام لا يقبل الجمهورية، ونظام الحكم فيه نظام خلافة وليس نظاماً جمهورياً ولا ملكياً. ومدة الخلافة مقيدة بالشرع فما زال الخليفة مطبقاً للكتاب والسنة يبقى خليفة ولا يشهر في وجهه السيف إلا في حالة حكمه بغير ما أنزل الله..

أما الحريات الأساسية للمواطنين.. فإنه كما قلنا لا حريات فالناس يقيدون بالشرع في جميع شؤون حياتهم ولا خيار لهم أبداً ما داموا مسلمين، يقول الله سبحانه وتعالى: ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا[.

د- «تدعيم الازدهار الاجتماعي والثقافي للامة وحمايته في إطار القيم العربية والإسلامية».

إن الازدهار الاجتماعي والثقافي للمسلمين لا يكون إلا بناءً على تطبيق الإسلام تطبيقاً شاملاً كاملاً حتى تنظم الشؤون الاجتماعية والثقافية بموجب أحكامه تنظيماً يترتب عليه الازدهار المرجو فتصبح علاقة الرجل بالمرأة وما يترتب عليها من أسرةٍ ونفقة وميراث وغير ذلك منتظمة حسب أحكام الإسلام وتصبح الشخصية الإسلامية موجودة من جراء وضع الثقافة الإسلامية موضع التنفيذ في المدارس والجامعات. في إطار القيم الإسلامية فحسب.. إذ لا يجود للمسلمين غير القيم الإسلامية التي حددها الشرع.. وهذه القيم هي من الله وليست من الشر فلا وجود لشيءٍ اسمه القيم العربية كما تنص الفقرة المذكورة..

هـ – «احترام التنظيم الديمقراطي».

والظاهر من هذه الفقرة أن الكفار استطاعوا مع مرور الزمن تطعيم المسلمين وضبعهم بهذه الفكرة وهي تعني حكم الشعب وواقع الحكم أنه لشخص واحد فقط وليس للشعب حتى ولا للوزراء الذين يكونون في الدولة.. فهم ليسوا أكثر من معاونين لرئيس الدولة أو لرئيس الحكومة.. فضلاً عن أن نظام الحكم الديمقراطي نظام كفر يخالف العقيدة الإسلامية ويقول بأن السيادة للشعب وهي في الإسلام لله  ولرسوله أي للشرع..

فيكف يطلب طواغيت الجزائر من المسلمين أن يحترموا نظام الكفر. والله تعالى يقول: ]يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ[ الآية إنها والله لإحدى الكُبر..

وجاء في المادة الرابعة ما نصه: «لا يجوز لأي جمعية ذات طابع سياسي أن تبني تأسيسها وعملها على قاعدة أو على أهداف تتضمن الممارسات الطائفية والجبهورية والإقطاعية والمحسوبية، أو إقامة علاقات الاستقلال والتبعية، أو يكون سلوكها مخالفاً للأخلاق الإسلامية وقيم ثورة نوفمبر سنة 1954» إن في هذه المادة من الخبث والمكر والتمويه ما لا يستطيع أحدٌ كشفه إلا أولئك الواعون من المسلمين.. وهي تعني أنه لو قام أحد المسلمين ودعا إلى الإسلام في جمعية تبين أن النصارى كفار وأن اليهود كفار فإنهم سيحظرون قيامها بحجة أنها تدعو إلى الطائفية، ولو قامت للمسلمين دولةً في تونس مثلاً ونادت جمعية في الجزائر بوجوب ضم الدار فيها إلى دار الإسلام في تونس لحضروها بحجة أنها تحمل دعوة جبهوية، ولو نادت جمعية بالملكية الفردية في الإسلام لمنعوها بحجة أنها تدعو إلى إقطاعية.. وهكذا..

وتنص المادة الخامسة على أن تأسيس أية جمعية سياسية عملها ونشاطها يجب أن يندرج ضمن احترام الدستور والقوانين المعمول بها في الجزائر..

أي دستور هذا الذي في الجزائر حتى لا يحق للمسلمين أن يخالفوه.. هل هو الدستور المنبثق عن كتاب الله وسنة رسوله.. أم هو دستور كفر وقوانين كفر من وضع البشر الذين نصبوا أنفسهم آلهةً يشرعون للناس القوانين والدساتير الناشئة عن عقل متفاوت متناقض متأثر بالبيئة..

والواجب الشرعي هو عدم احترام أي دستور أو قانون يخالف شرع الإسلام.

هذه لمحة موجزة عن دستور الجزائر الحالي، نقدمها إلى مسلمي الجزائر ومسلمي العالم كي يعملوا على إزالة هذه الدساتير التي هي من مخلفات المستعمرين الكفار ويرجعوا إلى دستور الإسلام المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله، ففي ذلك النصر والعزة والسعادة في الدنيا، والفوز بالجنة والرضوان في الآخرة.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *