العدد 35 - السنة الثالثة- 1410 هـ، آذار 1990م

في روسيا: التعددية الحزبية ودكتاتورية البروليتاريا

 الاشتراكية هي فكرة كلية عن الكون والحياة تنبثق عنها معالجات لتساؤلات الإنسان الأساسية. وقد استطاعت تلك العقيدة العقلية أن تجدب إليها ملايين البشر في قارات العالم، فبعد أن انتصرت الاشتراكية في عام (1337هـ 1917م) وسيطرت على «سدس ساحة الكرة الأرضية»، انتشرت لتعم شرقي أوروبا والصين التي تضم «سدس سكان العالم» وكوريا وفيتنام ولاوس وكمبوديا وكثير من دول «العالم الثالث» في جنوب أميركا وآسيا وأفريقيا.

لذلك، فإنه من المهم جداً لحملة الدعوة الإسلامية معرفة واقع تلك العقيدة وطريقة تطبيقها. والوقوف على الاجتهادات التي تحصل فيها، والمآل الذي قد تصل إليه.

إلا أن الإحاطة بأسس الماركسية اللينينية وتفنيدها يحتاج لصفحات طويلة تخرجنا عن المساحة المتوفرة في مجلة «الوعي». وفي هذه المقالة، سنتعرض لفكرة «دكتاتورية البروليتاريا» على هامش الإجابة عن السؤال التالي:

هل تخلى الاتحاد السوفياتي عن الاشتراكية؟؟

أن الذي يحفزنا لعرض مسألة «دكتاتورية البروليتاريا» مقابل فكرة «التعددية الحزبية» هو المشروع الذي قررته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي في الجلسة الموسعة التي عقدتها يوم الأربعاء 12 رجب 1410هـ 07/02/1990م والقاضي بإلغاء المادة السادسة من الدستور السوفياتي.

وبالطبع، فإن الإجابة عن السؤال المطروح أعلاه، يجب أن تكون من خلال الاشتراكية نفسها. وحيث أن الاشتراكية الماركسية اللينينية هي المتبناة في الاتحاد السوفياتي، فإننا سنعتمد بصورة أساسية على مقولات تلميذ ماركس المبدع، لينين.

تقرير الاشتراكية أن المجتمع يتطور حتماً وفق جدلية تاريخية معينة يفرضها الصراع بين الطبقات. ففي مرحلة ما تشتد سيطرة المال، وتقوم الدول الرأسمالية، التي تعمل على استثمار العمال وإصدار الأوراق المالية، التي تعمل على استثمار العمال وإصدار الأوراق المالية للتحكم بالعملية الاقتصادية. وتعمل على تصدير المال إلى حيث الموارد الأولية بهدف استعمارها واستغلالها، الأمر الذي يثير الطبقة المستثمرة المظلومة وليدفعها نحو الثورة، وذلك عندما تعاني الطبقة البرجوازية الحاكمة أزمة تدفع الجماهير للعمل السياسي.

يقول لينين: «إن الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية هو مرحلة تاريخية كاملة، وما دامت هذه المرحلة لم تنته، فسيظل المستثمرون حتماً، يعللون أنفسهم بأمل إعادة الرأسمالية، وسيتحول هذا الأمر إلى محاولات لإعادة الرأسمالية» [المؤلفات الكاملة م23 ص 355].

ويقول: «إن قانون الثورة الأساسي،… هو، لا يكفي، لأجل الثورة أن تشعر جماهير المستثمرين والمضطهدين باستحالة العيش كالسابق،… فلأجل الثورة ينبغي أولاً، أن تكون أكثرية العمال (أو، في كل حال، أكثرية العمال الواعين، المفكرين، النشطين سياسياً)) قد فهمت تماماً ضرورة الثورة، وأن تكون مستعدة للموت في سبيلها، وينبغي ثانياً، أن تعاني الطبقات الحاكمة أزمة حكومية من شأنها أن تجر إلى الحياة السياسية حتى أكثر الجماهير تأخراً» [م 25 ص 224].

وحسب لينين، فإن على ثورة العمال أن تسقط البرجوازية، وتحكم دولتها، وتستلم منها الحكم: «لتقم البروليتاريا الثورية في البلاد بإسقاط البرجوازية ولتسحق نير رأس المال وتحكم جهاز الدولة البرجوازي، عند ئذ تستطيع البروليتاريا الظافرة أن تكسب إلى جانبها بسرعة عطف وتأييد أكثرية الشغيلة من الطبقات غير البروليتارية» [م 24 ص 647].

ويعتبر لينين أن دكتاتورية البروليتاريا هي أداة ثورة البروليتاريا حيث يقول: «دكتاتورية البروليتاريا هي نضال عنيد دام وغير دامٍ، عنيف وسلمي، عسكري واقتصادي، تربوي وإداري، ضد قوى المجتمع القديم وتقاليده» [م 24 ص 150].

وفي تعريف مهم جداً لدكتاتورية البروليتاريا يقول لينين: «أن دكتاتورية البروليتاريا هي سيادة البروليتاريا على البرجوازية سيادة لا يحدها قانون، وهي تستند إلى العنف، وتتمتع بعطف الجماهير الكادحة والمستثمرة» لينين: الدولة والثورة.

الناظر في التعريف السابق يستنتج أموراً أساسية هي:

1- إن دكتاتورية البروليتاريا لا يمكن أن تكون ديمقراطية كاملة، أي لا يمكن للبروليتاريا أن تكون ديمقراطية كاملة، أي لا يمكن للبروليتاريا أن تسمح للجميع، أغنياء وفقراء، بالتشريع والحكم.

ويؤكد لينين ذلك بوضوح في موضع آخر، فيقول: «أن الطبقة التي أخذت بأيديها السيادة السياسية، قد أخذتها وهي تدرك أنها أخذتها وحدها. وهذا ما يتضمن مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا. ولا معنى لهذا المفهوم إلا عندما تدرك الطبقة أنها تستولي وحدها على السلطة السياسية، فلا تخدع نفسها ولا الآخرين بأقاويل عن (سلطة كل الشعب المنتخبة من الجميع والتي يقدسها الشعب بأسره» [م 26 ص 286].

2- إن الهدف من ديكتاتورية البروليتاريا هو القضاء على خصومها البرجوازيين، وذلك لا يحصل سلماً، بل يتم بالعنف.

3- إن دكتاتورية البروليتاريا يجب أن تنال عطف أكثرية الجماهير العاملة… (عطف وليس مشاركة).

ومع ذلك فدكتاتورية البروليتاريا تسمح بمشاركة الشغيلة غير البروليتاريين بشرط سيادة البروليتاريين. يقول لينين: «إن دكتاتورية البروليتاريا هي شكل خاص لتحالف طبقي بين البروليتاريا، طليعة الشغيلة، والفئات الغفيرة من الشغيلة غير البرولتاريين (برجوازية صغيرة، صغار أرباب العمل، مثقفون، إلخ)… وهو تحالف موجه ضد رأس المال» [أسس اللينينية ص 178 ـ 188].

«إن دكتاتورية البروليتاريا هي تحالف طبقي بين البروليتاريا وجماهير الفلاحين لإسقاط رأس المال ولانتصار الاشتراكية النهائي، شرط أن تكون البروليتاريا القوة القائدة في هذا التحالف» [ثورة أكتوبر وتكتيك الشيوعيين الروس].

كل ذلك، لا بد له من حزب يجمع كوادر الشغيلة، حزب يقود البروليتاريا ويكون أداة دكتاتوريتها.

يقول لينين: «دكتاتورية البروليتاريا هي نضال عنيد، دام وغير دام…، وبدون حزب حديدي تمرس في النضال، بدون حزب يتمتع بثقة كل شريف في الطبقة المعنية، بدون حزب يحسن تتبع مزاج الجماهير والتأثير عليه، يستحيل القيام بمثل هذا النضال بنجاح» [م 25 ص 190].

والحزب هو جزء من الطبقة العالمة، وعمله هو تنظيم الطبقة وقيادتها لبلوغ أهدافها: «أما أن تصبح الطبقة بأسرها يوماً ما، وفي عهد الرأسمالية، في حالة تستطيع معها أن ترتفع حتى تبلغ درجة من الوعي والنشاط، مثل فصيلتها الطليعية، أي مثل حزبها الاشتراكي الديمقراطي، فإن التفكير في مثل ذلك هو ضرب الماينلوفية وشكل من السير في ذلك الحركة» [م 6 ص 205].

والحزب هو الموجه بكل فصائلها البروليتاريا مثل النقابات والتعاونيات، واتحادات الشباب، واتحادات النساء، إلخ.

يقول لينين: «إن الحزب هو الشكل الأعلى لاتحاد البروليتاريين الطبقي» [م 66152 ص 194]. ويعقب د. ستالين على ذلك بقوله: «فالنظرية الانتهازية عن استقلال المنظمات اللاحزبية وحيادها تلك النظرية التي تؤدي إلى تكاثر عدد البرلمانيين المستقلين والكتاب غير المرتبطين بالحزب والنقابين الضيفي الأفق، ورجال التعاونيات المتبرجزين، تتنافى على خط مستقيم مع النظرية اللينينية وتطبيقها العملي» [أسس اللينينية 2 143 ـ 144].

والحزب لا يقبل التكتلات الداخلية أو أدعياء الإصلاح. يقول لينين: «إذا كان في صفوفنا إصلاحيون ومنشفيك، فلا يمكن الاختصار في الثورة البروليتارية، ولا يمكن صونها، هذا مبدأ بديهي» [[م 25 ص 462].

ويقول: «بل قد يكون من المفيد أيضاً حتى إبعاد ـ عن المراكز الهامة ـ شيوعيين ممتازين. من الذين يمكن أن يترددوا ومن الذين يظهرون تردداً في جانب الوحدة مع الإصلاحيين» [م 25 ص 463].

بعد هذا العرض لثورة البروليتاريا ودكتاتوريتها وحزبها، ننتقل لمعرض المادة السادسة من الدستور السوفياتي، المزمع الفائض، وإلى التعديلات المراد إيجادها بغية معرفة المقدار الذي تلتقي أو تختلف فيه مع دكتاتورية البروليتاريا.

تنص المادة السادسة من الدستور على ما يلي: «الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي هو القوة التي تقود المجتمع السوفياتي وتوجهه. إنه نواة نظامه السياسي وهيئات الدولة والمنظمات الاجتماعية. عن الحزب الشيوعي السوفياتي موجود من أجل الشعب ولخدمة الشعب».

«الحزب الشيوعي إذ يرتكز على العقيدة الماركسية اللينينية فهو يحدد البعد العام لتطور المجتمع واتجاهات السياسة الداخلية والخارجية في الاتحاد السوفياتي ويقود العمل الخلاق الكبير للشعب السوفياتي ويضفي طابعاً منظماً ومؤسساً بصورة علمية لنضاله من أجل انتصار الشيوعية. إن جميع هيئات الحزب تمارس نشاطها في إطار دستور الاتحاد السوفياتي». [الترجمة الرسمية نقلاً عن جريدة اللواء اللبنانية عدد 6799 الصادر يوم الخميس 13 رجب 1420 هـ].

الناظر في نص وروح هذه المادة يجد أنها منبثقة بالفعل عن الماركسية اللينينية، ويجد توافقاً تاماً بين ما عرضناه مما هو متعلق بالمادة وما هو وارد فيها.

هل يعني ذلك إذن، أن قيادة الاتحاد السوفياتي بدأت تجتهد في الفكرة من خارجها؟!!

الإجابة نعم. ولتوضيح ذلك نعرض فقرات من تقرير الزعيم السوفياتي غورباتشوف إلى اجتماع اللجنة المركزية للحزب، والذي تم بموجبه تبني مشروع إلغاء المادة.

يقول غورباتشوف: «إن الحزب لا يستطيع أن يكون موجوداً ويمارس دوره الرائد في المجتمع المتجمد إن لم يكن قوة معترفاً بها ديمقراطياً وهذا يعني أنه لا يجب أن يفرض نفسه بواسطة النصوص الدستورية. إن الحزب الشيوعي عازم على مواصلة النضال من أجل موقعه القيادي لكن عليه أن يقوم بذلك في إطار العملية الديمقراطية فقط من خلال التخلي عن أي امتياز سياسي أو قانوني ومن خلال برنامجه وتعاونه مع القوى الاجتماعية والسياسية الأخرى». [النداء اللبنانية نقلاً عن تاس. عدد 9493 الصادر يوم الثلاثاء 11 رجب 1410هـ 07/02/1990م].

إن ذلك يعارض بالفعل ما قاله لينين عن سلطة البروليتاريا المطلقة، تلك السلطة التي تتسع لتستوعب الفصائل غير البروليتارية بشرط خضوعها لقيادة البروليتاريا.

وجاء في فقرة أخرى ما نصه: «تترافق العملية الديمقراطية الجارية الآن في مجتمعنا مع تطوير التعددية السياسية وتتشكل كل يوم تنظيمات وحركات اجتماعية وسياسية مختلفة. وقد تؤدي هذه العملية إلى مرحلة تشكيل الأحزاب. إن الحزب الشيوعي على استعداد للعمل انطلاقاً من هذه الظروف الجديدة وللتعاون وللحوار مع جميع التنظيمات التي تحترم دستور الاتحاد السوفياتي والنظام الاجتماعي المنصوص عليه في الدستور» [نفس المصدر السابق].

إن الأحزاب بالمفهوم الاشتراكي تتشكل على الأساس الطبقي، ولا يمكن السماح لغير الفصائل البروليتارية بالعمل السياسي، ودور البروليتاريا هو سحق الطبقات الطفيلية. وبالتالي، فالنص السابق يناقض علناً أفكار لينين. سواء أريد بالتعددية تعددية البروليتاريا خارج إطار الحزب الواحد أو تعددية الأحزاب القائمة على غير الأساس الاشتراكي. ذلك أن نص الفقرة يقول: «التنظيمات التي تحترم دستور الاتحاد السوفياتي» ولا يقول: «التنظيمات التي تؤمن بالدستور وتعمل على أساسه»، الأمر الذي يشعر بإمكانية السماح للأحزاب غير البروليتارية بالعمل السياسي.

ويصل النقد غير المباشر للثورية اللينينية أقساه في قول غورباتشوف أنه يتعين أن ينبذ الحزب «التزمت العقائدي الذي يضرب بجذوره منذ عقود مضت والسياسات الداخلية المبتذلة التي عفا عليها الزمن والآراء البالية عن العملية الثورية» [نفس المصدر السابق].

ومع ذلك، فلا يمكن القول إن غورباتشوف قد كفر بالشيوعية. فظاهر أقواله أنه يريد أن يفك عزلة الدولة الاشتراكية عن العالم بغية اللحاق بتيار التقدم العالمي، من أجل إعطاء الاشتراكية فرصة جديدة للانطلاق. وأنه يريد إنهاء (الحرب الباردة) بهدف تسخير الإمكانات المهدورة على تلك الحرب لخدمة الإنسان الاشتراكي الديمقراطي، حتى يرى الناس في كل مكان ما توفره الاشتراكية للإنسان من رخاء وحرية.

لكن إذا دخل الاتحاد السوفياتي في السوق العالمي الذي تتحكم اليوم فيه الرأسمالية، وإذا فتح الباب على مصراعيه أمام المنتوجات الغربية، وإذا سمح للأحزاب غير الاشتراكية بالعمل الحر، فهل سيبقى من الاشتراكية غير اسمها مع بعض التأميمات كما هي الحال في اشتراكية الدولة، وكما هو الحال في فرنسا التي يرأسها حالياً الحزب الاشتراكي!

والواقع أن الشيوعية عقيدة باطلة، ولا تتسع لتشمل معالجات لمشاكل الإنسان في زمان ومكان، لأنها من عند البشر. وما دامت كذلك، فقادتها سينتقلون من تجربة إلى أخرى، ومن إصلاح إلى إصلاح، ومن شك إلى شك حتى لا يبقى من الاشتراكية شيء.

قال الله عز وجل: ]وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ[ (سبأ: 54).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *