العدد 51 - السنة الخامسة – العدد 51 – ذو الحجة 1411هـ الموافق تموز 1991م

توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية (2)

في عدد سابق (رقم 49) تم نشر القسم الأول من هذا البحث، وها نحن نكمل نشر القسم الثاني منه فيما يلي:

وتثبيتاً لحقيقة صمدية الخالق – من حقائق صفات الألوهية – نزلت الآية الثانية من سورة الصمد، وهي قوله تعالى: ]اللَّهُ الصَّمَدُ[ أي الله هو الغني في ذاته وفي صفاته غنيً تاماًن وهو الذي يُصمد إليه – أي يُرجع إليه – في كل أمر صغر أو كبر. قال أبو هريرة في تفسير كلمة (الصمد): هو المستغني عن كل أحد، المحتاج إليه كل أحد. هذه هي عقيدة المسلمين في إحدى حقائق الألوهية التي يؤمنون بها. ونجد قسمين من الناس تقوم في أذهانهم مفاهيم خاطئة عن الألوهية ويبعدون عن مفهوم صمدية الله تعالى بعداً كبيراً.

القسم الأول: فقسم من الناس المثبتين لفكرة الألوهية – ولكنهم يخطئون في معرفة صفاتها على وجه الحقيقة – يجيزون في عقولهم – دون تفكير سليم – أن للإله الذي يقدسونه مطالب وحاجات تشبه مطالبهم وحاجاتهم كأنهم يفهمون أنه يمكن أن يكون للإله نفس مثل نفوسهم، وشهوات مثل شهواتهم! لذلك فهم يحاولن أن يتقربوا لهذه الصورة الباطلة عن الألوهية القائمة في أذهانهم؛ مما يتصوّرون أنه يحقق لها مطالبها النفسية أو الشهوانية.

ومن هذا القسم: الوثنيون، ومؤلهو البشر أو بعض الأرواح الخفية. إذ يتقدمون بقرابينهم لآلهتهم، زاعمين أن آلهتهم تنتفع بها لأنفسها!! أو يجهلون أن الإله الحق لا يمكن أن يكون إلا غنياً غنىً تاماً، كما يجهلون أن فكرة القرابين في أساسها المشروع بمفهوم الديانات السماوية الحقة؛ إنما شرعت لتحقيق غايتين اثنتين:

1- فهي نوع من الصدقات لسد قَرَم الفقراء والمساكين للحم، ويتكفل الله عن الفقراء بمثوبة المتصدقين، ومجازاتهم على إحسانهم الجزاء الأوفى.

2- كما أن في تقديم القرابين نوعاً من التربية النفسية على السخاء والتضحية ومعالجة رذيلة الشح والبخل.

فهي إذن نوع من العبادات التي تساهم في إصلاح الأنفس. وتحقيق التكافل والتعاون المعشي بين الناس، وفي تقوية روح الجماعة لديهم.

القسم الثاني: وقسم آخر من الناس المثبتين لفكرة الألوهية على غير وجهها الصحيح، يجيزون في عقولهم أن يكون لغير الله الحق قدرة على الخلق والتقدير، وجلب بعض المنافع ودفع بعض المضار فيما وراء الأسباب التي جعلها الله جزءاً من النظام العام في هذا الكون الكبير لذلك يجعلون مع الله شركاء، ويرجعون في مطالبهم إلى شركائهم، زاعمين أن هؤلاء الشركاء – الذين يدعون من دون الله – يقدرون على جلب منافع لهم، أو دفع مضار عنهم.

وما هذه المعتقدات الباطلة التي تدخل على أوهام بعض المثبتين لفكرة الألوهية بشكل عام؛ إلا حجباً من الجهل الفكري والعمل التقليدي، اللذين يتخذان لهما مكامن خطرة في النفس الإنسانية، ويلقيان عليها غشاوات خبيثة تتصلب بطول العهد، ومن ثم يتعذر أن تستأصل من جماعة التقليديين إلا بتيار إصلاح جارف يحمل سلاحين: سلاح العلم المشرق الذي يستخدم العقل والفطرة والتجربة وسلاح القيادة القوية الحازمة الحكيمة الرحيمة التي تبتر سرطانات الشر والفتنة من أقصى خمائل جذورها، وتغسل رواسب الجهل بماء العلم الصحيح، وتعيد النفس إلى أصالة فطرتها الصافية، في إيمانها القوي بالله الحق الأحد الصمد.

ب- مبدأ استحالة التولد بكل معانيه بالنسبة للألوهية:

لا بد قبل مناقشة الموضوع من أن نوضح ما هو التولّد بمعانيه المختلفة:

أولاً: إننا نعرف من معاني التولّد: التولّد الذي نشاهده في المخلوقات ذات الحياة، وهو: انفصال جزء خاص من الأصل، يأخذ عوامل صورة الأصل ليكون فرعاً مشابهاً له، ثم ينمو على حساب البيئة حتى يداني أصله في صفاته وخصائصه، فالتولّد بهذا المعنى: صفة قامت في الأصل على معنى: أنه انقسم منه جزء يحمل أهم صفاته وأبرز خصائصه، هذا معنى من معاني التولّد نشاهده في المخلوقات ذات الحياة. كما نشاهد نظيره تماماً في المخلوقات النامية الأخرى كالنباتات على اختلاف أنواعها، وفكرة التولّد بين المخلوقات الحية، والمخلوقات الأخرى النامية متشابهة، ما عدا فارق الحياة.

ثانياً: وإننا أيضاً نعرف من معاني التولد: التولد الذي ينشأ من تفاعلات بين عناصر كيميائية ثم التقارب بينها فيتولّد عنها مركبات جديدة بكل خصائصها، بحيث قد تنعدم صفات العناصر الأولى، أو تكمن، وتحدث صفات جديدة ظهرت كمون واجتمعت، أو نشأت بسبب اجتماع هذه العناصر. والتولّد الذي ينشأ عن حركات فيزيائية تقتضيها حالة من حالات التغيّر الطارئ على بعض الموجودات، وقد تتحوّل فيها المادة إلى طاقة من الطاقات أو تتكثّف الطاقة فتعود مادة من المواد، وهذا المعنى للتولّد: لا يكون إلا مصاحباً لحالة من حالات التغير والتحوّل؛ ويعود في الحقيقة – إلى معنى الانقسام الجزئي، أو تغيّر التركيب بشكل كلي.

هذا، وبعد أن ألقيت ضوءاً مناسباً على معنى التولد أدخل مناقشة موضوع الألوهية واستحالة التولّد بالنسبة لها.

إن المفهوم الحق لمعنى الألوهية لا يمكن – على أية حال – أن يجتمع معه عقلاً أي معنى من معاني التولدّ.

كيف يجتمع مفهوم الألوهية ومفهوم التولّد في شيء واحد؟!

إن معنى الإله الحق: أنه الخالق الأول لكل شيء، والخالق الأول لكل شيء لا بد أن يكون الوجود هو الأصل بالنسبة إليه. ولا بد أن يكون وجوده ذاتياً لم يسبقه عدم ولم يكن قبله أي شيء، ولا يمكن أن يطرأ عليه حدوث أو تغيّر، وذلك لأن التغير معنى من معاني الحدوث كما سبق بيانه (راجع العدد 29 في بحث الإيمان بالله) وإذا كان كذلك فكيف يكون هذا الأصل في الوجود متولداً عن غيره؟! ولو كان متولداً عن غيره لكان ذلك الغير هو الأصل ولكان مسبوقاً بعدم، وإنما طرأ عليه الوجود بعد أن لم يكن. وكل ذلك يتنافى في العقل مع مفهوم الألوهية، وكل ذلك مما ترفضه بديهة العقلاء رفضاً باتاً؟ بيد أن الإيمان بالله – بما فيه من سمو وحق وعلم يدعمه – يخاطب العقل والعقلاء قبل أن يلامس العواطف والوجدانات.

وكما أن الإله الحق يستحيل أن يكون متولداً عن غيره فكذلك يستحيل في العقل أن يتولّد منه غيره، بأي معنى من معاني التولد الذي سبق إيضاحها.

فالإله الحق: لا يمكن أن يلد كما تلد المخلوقات الحية، فلا يكون أباً ولا يكون أماً.

والإله الحق: لا يمكن أيضاً أن يتولّد عنه أي شيء على طريقة انفصال جزء منه أو على طريقة التحول والتغيّر في الأصل. والتولّد الذي يقوم على أساس الانفصال أو التغيّر لا يكون إلا في المخلوقات الحادثة.

أما الإله الحق، الأول بلا بداءة والآخر بلا نهاية فهو واحد أحد، غير قابل للانقسام أو الانفصال أو التغيّر لأن قابلية الانقسام أو التغيّر تؤدي إلى انعدام وحدة الأصل وكيانها وتغيّر صفاتها وهذا يستحيل عقلاً أن يكون في الإله الحق جلا وعلا.

أما ما يصدر عن الله تعالى من أشياء: فإنما يصدر عنه بالخلق والأمر وهما عملان من أعمال قدرته تعالى: ]إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[.

وأيضاً فإنه لا يوجد – على أي تصوّر – وجه جامع يقارب بين من أصله الوجود الذي لا أولية له، وبين مَن أصله العدم وهي الأكوان الحادثة، حتى يتولّد الثاني من الأول، للمنافاة التامة بينهما، وإنما الممكن عقلاً: هو أن يكون مَن أصله الوجود خالقاً لمن أصله العدم.

وبذا يتلخص لدينا أن استحالة التولّد بالنسبة للألوهية تعني معنيين:

المعنى الأول: أن الإله الحق يستحيل – عقلاً وواقعاً – أن يكون له أصل وُلد منه أو تولّد عنه. فوجود ذاته سبحانه – متصفة بصفات الكمال كلها – هو الأصل، وما كان هو الأصل في الوجود يستحيل أن يكون فرعاً عن شيء آخر.

المعنى الثاني: إن الإله الحق يستحيل أن يولد منه فرع أو يتولد عنه فرع – بأي معنى من معاني التولّد – لأن ذلك كما سبق لا يكون إلا في المخلوقات الحادثة، وبصفات لا يقبل عاقل أن تكون للإله الخالق.

وأمام هذا المبدأ يقف المسلمون معلنين: أن الإله لا يمكن أن يكون له أب أو أم أو ولد أو بنت، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. كما لا يمكن أن يكون قد تطوّر وجوده جل وعلا عن أصل آخر على طريقة التولّد.

ولا يمكن أن يكون قابلاً لأن يتولد عنه شيء آخر، بطريقة من طرق التفاعل الذاتي أو مع الغير.

وأما هذه الكائنات: فقد خلقها الله تعالى بقدرته القادرة وإدارته الحكيمة والله يخلق ما يشاء ويختار.

يتبع

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *