العدد 51 - السنة الخامسة – العدد 51 – ذو الحجة 1411هـ الموافق تموز 1991م

المادة محتاجة وليست أزلية

1- الأزلي حقيقة بديهية:

لا بد من وجودِ أزلّي، ونعني بالأزلي الشيء الموجود بدون بداية، فلم يكن في وقت من الأوقات معدوماً ثم وُجِد. العقل يحتّم وجود الأزلي، والناسُ على اختلاف مِلَلِهم وأفكارهم ومبادئهم مُجْمِعون على وجود هذا الأوليّ، فالمسلمون والنصارى واليهود والرأسماليين والشيوعيون وغيرهم… كلهم متفقون على وجود الشيء الأزلي، ولكنهم يختلفون على هذا الشيء الأزلي:من هو أو ما هو؟ والناس في هذا فريقان: فريق يقول بأن المادة المحسوسة هي هذا الشيء الأزلي، وهي ليست مخلوقة وليست محتاجة إلى غيرها بل هي غنية بذاتها. وفريق آخر يقول بأن الله هو هذا الشيء الأزلي، وأن المادة ليست أزلية بل هي مخلوقة، والذي خلقها هو الله، وهو الذي خلق كل شيء، ولا يوجد أزليٌّ إلا الله.

إن هذه الحقيقة واضحة، ذلك أنه لا يمكن تصوّر أو قبول ودود شيء من عدم مطلق. يمكن إيجاد مادة من مادة أخرى، هذا واقع ومحسوس. ويكن تصوّر إيجاد مادة من عدم وليس من عدم مطلق، أي أن الله الذي هو غير مادة والذي هو على كل شيء قدير يخلق مادة من عَدَم، أو يخلق ملائكة من عدم، أو يخلق جِنّاً من عدم، أو يخلق ما يشاء ويختار من عدم. فتكون المادة أو الملائكة أو الجِنَّةُ أو غيرُها من مخلوقات الله مخلوقة من عدم بالنسبة إلى جنسها، وليست مخلوقة من عدم مطلق لأن الله الذي خلقها موجود أزلي قبلها.

وقد عبّر علماء الكيمياء والفيزياء عن خصائص المادة بقوانين علمية كالآتي:

1- في أي تفاعل كيميائي فإن مجموعة المواد الناتجة تساوي مجموعة المواد المستهلكة. وبتعبير آخر: في أي تفاعل كيميائي فإن المادة لا يمكن خلقها ولا إفناؤها، بل هي تتحول من شكل مادي إلى شكل مادي آخر. والتفاعل الكيميائي يتناول طبقة الإلكترونات الخارجية ولا يتعداها إلى النواة.

2- في أي تفاعل نووي فإن مجموعة المواد الناتجة تساوي مجموع المواد المستهلكة. وبتعبير آخر: في أي تفاعل نووي فإن المادة لا يمكن خلقها ولا إفناءها، بل هي تتحول من شكل مادي إلى شكل مادي آخر. والتفاعل النووي هو الذي يتناول نواة الذرة كما يحصل في بعض المواد ومنها المواد المشعة حيث تتحول إلى طاقة. وقد وضع أينشتاين القانون الكمّي للعلاقة بين المادة قبل تحولها إلى طاقة (إشعاع) وبعد تحولها إلى طاقة. وهذا القانون هو:

الطاقة (جول) = الكتلة (غرام) ضرب مربع سرعة الضوء (متر/  ثانية).

3- عند تحول أي نوع من أنواع الطاقة إلى نوع آخر من الطاقة فإن المقدار الذي اختفى يساوي المقدار الذي ظهر. وبتعبير آخر: الطاقة لا يمكن خلقها ولا إفناؤها عند تحويلها من نوع إلى نوع آخر.

2- الله أو المادة؟

وننتقل إلى السؤال: أي الفريقين على حق، القائلون بأن الأزلي هو الله، أو القائلون بأن الأزلي هو المادة؟ المفروض في الإنسان أن يبحث عن الحق ليتّبعه لا أن يتعصب مسبقاً لرأي ورثه عن أبويه أو عن حزبه أو بيئته.

البحث السليم لا يُسيغ للمرء أن يقول فوراً بأن المادة ليست أزلية  وبأن الله هو الأزلي. ذلك أن المادة هي الجانب المحسوس من هذا الوجود، وأية معرفة يقررها عقل الإنسان لا بد أن تدخل إلى هذا العقل عن طريق الحواس، أي عن طريق المادة. فالمادة هي الموضوع الأول الذي يبدأ التفكير به، فإذا قاده البحث إلى أن المادة أزلية وغنية عن غيرها ويمكنها إيجاد كل ما هو موجود لم يعد لديه من مبرر للقول بوجود الله. وإذا قاده البحث إلى أن المادة غير أزلية، وغير غنية بذاتها، وعاجزة عن إيجاد ما هو موجود فعلاً، فإنه يتحتم عليه عند ئذٍ أن يقول بأن الله هو الأزلي.

النظرة العَجْلى إلى المادة تقود إلى أن المادة الموجودة الآن كانت موجودة بالأمس وقبل الأمس وقبل ألف سنة وقبل مليون سنة… وهكذا. وعلماء الفيزياء والكيمياء يقولون بأن المادة أثناء التفاعلات الكيميائية أو النووية إنما تتحول من صورة مادة إلى صورة مادية أخرى دون نقص أو زيادة، فلا يمكن خلق مادة ولا إفناؤها، وهناك افترض أن ما هو موجود من نبات أو حيوان أو إنسان إنما وُجد عن طريق التطوّر المادي بحسب خصائص المادة وقوانينها. كل هذا يُغزي بالقول بأن المادة أزلية وغنية وليست عاجزة. ويصبح على من يقول بأنها عاجزة. ويصبح على من يقول بأنها عاجزة وليست غنية ولا أزلية، يصبح عليه أن يأتي هو بالبرهان على عجزها وعدم أزليتها.

3- ما هي المادة:

المادة تتألف من حقائق لها وجود يمكن قياسه قياساً فزيائياً بطريقة ما. وهذه الحقائق المادية منها ما يكون وجوده مستقراً مثل «البروتون» و«النيوترون» و«الإلكترون»، ومنها ما يكون وجوده عابراً فيوجد في ظروف معينة للحظة قصيرة ثم يختفي مثل «الميزون» ومنها ما يكون بشكل موجة مثل «الفوتون» الذي يشكل الضوء. وهذه الحقائق (الدقيقة) المكتشفة حتى الآن في الذرة وفي نواة الذرة تزيد عن الثلاثين. وهذه الجسيمات الدقيقة غالباً ما تكون مركبة من جسيمات أصغر منها «البروتون» و«النيوترون» مثلاً يتألف كل واحدٍ منهما من ثلاثة «كواركات»، و«الكوارك» عرف منه حتى الآن ستة أنواع مختلفة. والكون المادي كله، وعلى عِظَمِهِ، يتألف من هذه الجسيمات.

وعلينا أن نميّز بين المادة نفسها وبين الانفعالات والانطباعات التي تتولد في الذهن أو في النفس من آثار المادة. فالزمن ليس مادة بل هو انفعال ذهني من آثار المادة. والمكان ليس مادة بل هو أيضاً انفعال ذهني من آثار المادة. والانفعالات العاطفية أو النفسية من حب وبغض وخوف وطمع وكرم وشجاعة وغضب وحزن وأمل ويأس… هذه كلها ليست مادة بل هي من آثار المادة.

4- فَرَضية أزلية المادة:

أصحاب الفكر المادي يقولون: لماذا لا نقول بأزلية المادة، وما المبرر للقول بوجود خالق غير مادي هو الذي خلق المادة؟ وهؤلاء افترضوا أن المادة أزلية، وحاولوا أن يفسّروا بواسطة هذه الفرضية جميع الظواهر الموجودة في الكون. ومن أجل أن تكون الفرضية قادرة على تفسير الظواهر افترضوا في هذه الفرضية ثلاثة أمور:

أ- أن وجودها أزلي.

ب- أن حركتها أزلية.

ج- أن بعض خاصياتها أزلية، وذلك مثل كونها تتفاعل مع بعضها وتتطور.

لم يقيموا برهاناً على هذه الافتراضات، بل اكتفوا بكفرة الاستصحاب دليلاً، أي أن ما هو حاصل الآن من وجود المادة وحركتها وخاصياتها الأصلية كان حاصلاً بالأمس… ومن ثم كان حاصلاً بشكل دائم منذ الأزل.

فهل تكفي هذه الفرضية مع محلقاتها، هل تكفي لإعطاء تفسير مقبول للظواهر الكونية؟ سنتناول ظاهرتين فقط، في بحثنا هذا، من الظواهر الكونية لنتفحص هذه الفرضية على ضوئها: ظاهرة نشوء الإنسان، وظاهرة استمرار الحركة في الكون.

5- ظاهرة نشوء الإنسان:

هناك إجماع عند الناس على اختلاف توجهاتهم الفكرية على أن الإنسان ليس أزلياً، فهو لم يكن موجوداً ثم وُجد، وهذه حقيقة لا تقبل جدلاً. فأصحاب الأديان (المسلمون والنصارى واليهود) يقولون بأن الله خلق آدم. وأصحاب الفكر المادي، وأصحاب الأديان أيضاً، يقولون بأن الأرض كانت كتلة من نار. ذلك أن هناك فرضية علمية تقول بأن الأرض انفصلت عن الشمس كما انفصلت بقية أجرام المجموعة الشمسية. ثم بردت القشرة الخارجية للأرض خلال ملايين السنين، وتشكّلت أثناء ذلك عناصر مادية جديدة ومركّبات مادية جديدة، ووُجدت النباتات والحشرات والطيور والحيوانات ووُجد الإنسان.

أصحاب الفكر المادي قالوا بأن خصائص المادة مع عوامل الصدفة هي التي أوجدت الحياة مع أشكالها المختلفة من نبات وحيوان وإنسان. وقام علماء وقالوا بنظرية النشوء والارتقاء، وأبرز هؤلاء تشارلس داروين صاحب كتاب «أصل الأنواع» الذي طرح نظريته عام 1858. وقد وَجَدَ كارل ماركس وأتباعه في نظرية داروين دعماً لفكرهم المادي.

وهنا نطرح السؤال: هل خصائص المادة وعوامل الصدفة فيها القدرة على إيجاد هذا الإنسان؟ إن الأمر يحتاج إلى الجدّية والمسؤولية في الاهتمام، ويحتاج إلى الفكر العميق والمستنير في البحث. إن هذا مفترقٌ أساسيٌ في الفكر الإنساني.

لن نبحث الآن عن خصائص المادة: مَنْ أودعها فيها وفرضها عليها، وذلك مسايرة لفرضية أزلية المادة وملحقاتها المذكورة أعلاه، بل سنبحث: هل يكن لهذه الخصائص التي افترضوا أزليتها، هل يمكن لها مع عوامل الصدفة أن تصنع الإنسان؟

أولاً دعونا نُلْقِ نظرة على بعض هذه الخصائص لنتعرف إلى حدود طبيعتها وسلوكها. لنأخذْ مثلاَ ذرة الأوكسجين فإنها تحتوي على ستة إلكترونات في طبقتها الخارجية فتحتاج إلى إلكتروني كي تصبح هذه الطبقة مشبعة، والهيدروجين يوجد في ذرّته إلكترون واحد قابل للتفاعل. فتتّحد الذرّة الواحدة مع الأوكسجين مع ذرّتين من الهيدروجين لتشكل الماء. أما ذرّة النيتروجين فيوجد في طبقتها الخارجية خمسة إلكترونات فتحتاج إلى ثلاثة كي تصبح مشبعة، وهكذا حين يتفاعل النتيروجين مع الهيدروجين فإن كل ذرّة نيتروجين تتّحد مع ثلاث ذرّات من الهيدروجين لتشكل الأمونيا (أو روح النشادر).

وهكذا فإن سلوك المادة، سواء كانت في شكل عنصر أو مركّب أو مزيج، يكون تابعاً لخصائصها. ولا يمكن أن تتصرّف المادة عكس خصائصها أو خارج نطاق هذه الخصائص. وهذه حقيقة عقلية يقع عليها الحسّ مباشرة، وهي حقيقة علمية أثبتتها تجارب الاختبار.

أمّا ما يسمونه الصدفة فهو عبارة عن الالتقاء العشوائي بين مادّتين فأكثر ولكل واحدة خصائصها فيؤثر بعضها ببعضها الآخر، وتحصل نتائج أو مواد جديدة. فالنتائج التي تنتج من الصدفة هي وليدة خصائص المادة، ولا يمكن أن تكون عكسها أو خارج نطاقها. كل ما في الأمر أنها سُمِّيت صدفة لأن الالتقاء بين المادتين لم يحصل بناء على ترتيب سابق مقصود بل كان عشوائياً. وسواء كان الالتقاء بين مختلف المواد عشوائياً أو مرتباً عن قصد فإن هذه المواد لا تتصرّف إلا وَفْقَ طبائعها وخصائصها.

ولنتصوّر الكرة الأرضية حينما كانت كتلة من نار بعد انفصالها عن الشمس، ثم لنتصوّر أن قشرتها الخارجية قد بردت وتشكّلت عليها عناصر المادة والمركبات والمزائج المادية، وتشكل الماء والهواء والصخور والرمال والتراب… الخ. هذه كلها أشياء ميتة وليس بينها شيء عاقل. وقد تمّ تَشَكُّلَها بناء على الخصائص المودعة فيها. فكتلة الأرض الملتهبة فيها أكسجين وهيدروجين، وحين بردت قشرتها إلى درجة مناسبة اتحد شيء من هاتين المادتين وحصل الماء. وعند درجة مناسبة اتّحد شيء من الأوكسجين مع شيء من السيليكون وحصلت الرمال. وعند درجة مناسبة اتّحد شيء من الأوكسجين مع شيء من الكلس والفحم وحصلت الصخور… وهكذا. كل هذا يحصل بناء على خصائص المادة وطبائعها.

فهل يوجد بين خصائص هذه المادة ما فيه قابلية لأن يوجد إنساناً كما أوجد ماء أو رملاً أو صخراً؟

إن التدقيق في هذا وإنعامَ النظر فيه يظهر بشكل بسيط وقطعي أن المادة، تلك الخارجة من اللهب، ليس من خصائصها ولا من طبيعتها أن تصنع إنساناً.

إن في كل جهاز من أجهزة جسم الإنسان من الدقة والحكمة والإبداع ما ينطق بلسان فصيح بأن هناك مبدعاً حكيماً عليماً قادراً هو الذي صنع هذا الإنسان من المادة.

قال أصحاب الفكر المادي: إن خصائص المادة، مع احتمالات الصدفة، مع ملايين أو بلايين السنين أوجدت الإنسان.

إن هذا القول فيه مغالطات وفيه أوهام. إن ملايين السنين أو بلايين السنين لا تجعل المادة تتصرف خارج نطاق خصائصها وطبائعها. وكذلك الصدفة لا يمكن حصولها إذا كانت خارج نطاق الخصائص والطبائع. فقطعة النقود حين تلقي بها في طبيعتها تضعها أمام احتمالين: فإمّا تقع على الوجه الأول أو الوجه الثاني، ولا يمكن أن تقع على الوجه الثالث لأنه لا يوجد فيها وجه ثالث. أما المجسم ذو الوجوه الأربعة (مثل علبة البونجرس) فإن الصدفة تضعه أمام احتمالات أربعة. وأما المكعّب ذو الوجوه الستة فإن الصدفة تضعه أمام احتمالات ستة، فحين تلقيه على الطاولة فسيرتكز على واحد من الوجوه الستة، ولا يمكن أن تجعله الصدفة يرتكز على الوجه السابع لأنه ليس له وجه سابع.

فالشيء لا يمكن أن يتصرف خارج خصائصه، وحتى الصدفة لا يمكن حصولها خارج خصائصه مهما تكرّرت المحاولات ومهما طال الزمن.

قديماً، أيام فلاسفة اليونان وخاصة أرسطو، كان بعضهم يقول بأن الطبيعة هي التي تَخْلُقُ، وكانوا يقولون بأن عناصر الطبيعة الخلاّقة أربعة: الماء والهواء والتراب والحرارة. فهل من خصائص هذه الأشياء أو غيرها، كيفما اجتمعت ومهما طال عليها الزمن، هل من خصائصها أن توجد إنساناً؟ كلا. وهناك إجماع على أن هذا ليس من خصائصها وعلى أنها عاجزة عنه. ولكن المغالطة تحصل حين يقولون: إن هذا ليس من خصائصها الفورية، وهي عاجزة عن صنع الإنسان دفعة واحدة أو فترة قصيرة. ولكنها ليست عاجزة إذا أخذت بلايين السنين. ونعود لنحذر من القفز في الخيال بلايين السنين، لأن هذا يصبح وهماً يصنعه الهوى كما يشتهي وليس فكراً مبنياً على واقع. بل إن الفكر المبني على الواقع يدحضه.

والنتيجة القطعية هي أن المادة وإن فُرِضَتْ أنها أزلية وحركتها أزلية وخصائص التفاعل فيها أزلية، هذه المادة عاجزة عن إنشاء هذا الإنسان، وهي عاجزة عن إنشاء الحيوان والطير والحشرات والنباتات.

وهذا يحتّم بشكل بسيط وقطعي وجود شيء غير هذه المادة هو الذي خلق الإنسان من هذه المادة، وخلق الحيوان والطير، والحشرات والنباتات. وهذا الخالق هو حكيم وعليم وقدير.

وقديماً قال بعض الفلاسفة بقدم العالم أي أزليته وعدم حدوثه، وقالوا أيضاً بوجود خالق حكيم أزلي. قالوا بوجود خالق قديم رغم قولهم بقدم العالم لأنهم لمسوا أن العالم المادي ليس عاقلاَ وليس حكيماً، فلا يستطيع أن يخلق هذا الخلق البديع، فلا بد من خالق حكيم قدير أزلي.

6- ظاهرة استمرار الحركة في الكون:

أ- الجانب العقلي: المحسوس الظاهر أمام كل من ينظر ويفكر أن الكون في حركة دائبة، وهي ليست مجرد حركة دورية تعيد نفسها بل حركة متجددة. فالكوكب الذي يتناثر الآن هو غير ذلك الذي يتناثر بالأمس. وكمية الطاقة المخزونة في الشمس اليوم هي أقل من تلك التي كانت بالأمس. وحجم الكون اليوم هو غيره بالأمس… وهكذا.

وحين يحدث في الكون حدث من زلزال إلى تفجر جرْم إلى تحطم نجم في ثقب أسود إلى ظهور شهاب… يتساءل المفكر: لماذا يحدث هذا أن ولم يحدث قبل ذلك؟ ويجيب نفسه: كونه يحدث الآن معنى ذلك أنه لم يكن أخذ الوقت الكافي لاكتمال عناصر حدوثه. وهذا يعني أنه بدأ عند زمن معيّن، أي أنه ليس أزلياً. وقد يتساءل من جديد: هذا الحدث بالذات ليس أزلياً بل سبقه حدث، والآخر سبقه حدث… وهكذا سلسلة من الأحداث أولها أزلي وآخرها ليس أزلياً. ثم يجيب نفسه: لو كان الأول أزلياً لما بقي الحدث الأخير إلى الآن.

وهكذا فإن مجرد وجود التغيّر في الكون ووجود الأحداث الجديدة دليل على حدوث هذا الكون بما فيه من مادة. أي هو غير أزلي.

ب- الجانب العلمي: يوجد في علم الفيزياء في بحث الحرارة الزخمية ( Themo–Dynamics ) قانون هو القانون الثاني من قوانينها. وقد كان هذا القانون العلمي عبارة عن ضربة قاصمة للفكر المادي. إذ أن الماديين يزعمون أنهم يبنون أفكارهم على العلم فجاء هذا القانون ليهدم بنيانهم من القواعد.

هذا القانون يتحدث عن انتقال الحرارة ضمن جهاز معزول. أي إذا أخذنا جهازاً وعزلناه حرارياً عن محيطه بحيث لا تتسرب الحرارة منه إلى خارجه ولا تدخل الحرارة إليه من خارجه، وبحيث تستطيع الحرارة أن تنتقل داخل الجهاز من أي جزء إلى أي جزء آخر.

في مثل هذا الجهاز المتصل ببعضه والمعزول عن غيره حرارياً إذا كانت درجة الحرارة في بعض أجزائه أعلى منها في البعض الآخر فإن الحرارة ستتسرب من الأعلى إلى الأدنى ويستمر هذا الانتقال إلى أن يحصل التساوي أو التوازن الحراري داخل الجهاز كله. فإذا حصل التوازن وقفت حركة انتقال الطاقة الحرارية. ولا يمكن إعادة سريان الحرارة في اتجاه معاكس لأن الجهاز معزول والتوازن داخله حاصل.

هذه هي خلاصة القانون الثاني من قوانين الحرارة الزخمية، وهو قانون علمي يدرسه طلاب المدارس الثانوية وطلاب الجامعات في البلاد الغربية كما في البلاد الشيوعية.

وقد جاء العلماء والمفكرون أن هذا القانون ينطبق على الكون باعتباره جهازاً واحداً تتصل أجزاؤه حرارياً بعضها ببعض، وهو معزول عن غيره تماماً إذ لا يوجد إلا هذا الكون. وقد رأى هؤلاء العلماء والمفكرون أن هناك أماكن في هذا الكون درجة الحرارة فيها أعلى من أماكن أخرى، وقد رأوا أن الحرارة تنتقل فعلاً من الأعلى إلى الأدنى. فمثلاً الشمس في مجموعتها الشمسية درجة حرارتها أعلى من مجموعتها ولذلك فالحرارة تشع وتنتقل إلى ما حولها. والشموس الأخرى في هذا الكون تشع وتبعث بالحرارة إلى الأماكن التي حرارتها أقل. وسيبقى هذا الانتقال الحراري مستمراً ما دام هناك أماكن في هذا الكون حرارتها أعلى من أماكن أخرى. ويقطع العلماء أن شمسنا هذه سيأتي عليها يوم تنضب وتنطفئ، وإن كانوا لا يستطيعون معرفة الزمن اللازم لذلك.

ومتى نضبت كل شموس الكون وتوقف انتقال الحرارة وحصل التوازن الحراري فإن حركة الكون ستتوقف ودرجة الحرارة في الكون ستهبط إلى الصفر المطلق أي 273 درجة تحت الصفر العادي الذي هو درجة حرارة الثلج الذائب. وهذا ما يسمونه الموت الحراري للمادة.

يخلص العلماء والمفكرون من ذلك إلى أن هذا الكون يسير نحو التوازن الحراري، وأنه يقترب يوماً بعد يوم من هذه النتيجة. ولماذا لم يصل الكون بعد إلى هذه النتيجة التي يسير حثيثاً إليها؟ هذا له جواب واحد وهو أن الكون له بداية. إنه ليس أزلياً. المادة ليست أزلية. وحركتها ليست أزلية. إذن هناك من بدأ هذا الكونَ وبدأ حركته.

وهذا فيه رد واضح على من قال بأن المادة أزلية وغنية عن غيرها.

وهناك وجه آخر علمي يدل على حدوث المادة وعدم أزليتها، وهو الطريقة التي يطبقها العلماء اليوم لمعرفة عمر بعض الآثار، أو عمر بعض الصخور. وحين احضر رواد الفضاء الذين نزلوا على سطح القمر فحصها العلماء ووجدوا أن عمر صخور القمر هو نفسه عمر صخور الأرض أي حوالي أربعة آلاف مليون سنة. هذه الطريقة تقوم على تحول بعض عناصر المادة إلى نظائر أخرى لهذه العناصر وهو تحول منتظم، مثل تحول الفحم 14 إلى الفحم 12. فيعرفون دورة نصف الحياة لهذا التحول ويستنتجون منها الفترة الزمنية التي مكثتها هذه المادة في هذا الوضع.

ونخلص من ذلك إلى أن الفرضية التي وضعوها عن أزلية المادة من حيث وجودها ومن حيث حركتها ومن حيث خصائصها، هذه الفرضية منقوضة بظاهرة نشوء الإنسان وغيره من الأحياء، ومنقوضة بظاهرة استمرار حركة الكون، ومنقوضة بالقانون الثاني للحرارة الزخمية.

ونخلص من ذلك إلى الإيمان بالله الخالق المدبّر خلّت قدرته ولا إله إلا هو¨

21 من شوال 1411هـ.

05/05/1991م.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *