العدد 51 - السنة الخامسة – العدد 51 – ذو الحجة 1411هـ الموافق تموز 1991م

الدعوة إلى الإسلام (3)

الجانب الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قلنا إن الإسلام هو بيان لكل المعاريف، وبيان لكل المنكرات، ويجب على المسلم أن يأتمر بكل معروف تعلق بذمته وينتهي عن كل منكر، والسؤال الذي يرد هو: هل يأمر بكل معروف ائتمر به؟ أو يأمر بأكثر منه أو بأقل، وهل ينهى عن كل منكر انتهى عنه؟ أو ينهي عن أكثر منه أو أقل؟.

لا بد قبل تناول هذا الموضوع من إدراك واقع ما يريد الشرع أن يتحقق. فالشرع يريد أن يقوم مجتمع إسلامي لا يخرج أي مفهوم فيه عن مفاهيم الشرع، ولا أي عمل عما أقره الشرع. ولكل منكر أنكره الشرع يجب أن يمنع ويلاحق. أي يجب أن يوجد كل ما أمر الله به من عقائد وأحكام وأن يلاحق كل منكر حدث أو يمكن أن يحدث. وقد طلب الله سبحانه من المسلمين جميعاً القيام بهذه المهمة، وجعلها مهمة عظيمة جليلة، وأعطى لها من الأجر ما لم يعطِهِ على غيرها. يقول الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه «إحياء علوم الدين»: «أما بعد: فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طويَ بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد».

ولا بد قبل تناول الموضوع هذا بتفاصيله، من معرفة مناط الأحكام الشرعية. لأن الأمة فيها الأفراد، وفيها الحكام، وفيها الجماعات. وكل جهة من هذه الجهات أناط بها الشرع مجموعة من الأحكام، لتلتزم بها. ومن ثم يُنصحَ وتُحاسب وتُقوَّم بحسب تقصيرها فيما أُنيط بها، فإذا أشكل علينا واقع المناط هذا، فسيشكل علينا تبعاً لذلك قيامنا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذلك نقول:

إن الأحكام الشرعية منها ما هو منوط بالخليفة أو الأمير، ولا يجوز لغيره أن ينفذه. ومنها ما هو منوط بالأفراد ويقوم به الخليفة إن قصروا. ومنها ما هو منوط بالخليفة ويجوز للأفراد في حالات. ومنها ما هو منوط بالجماعة.

أمّا ما هو منوط بالأفراد فهو كالصلاة والصوم والحج والزكاة والابتعاد عن المحرمات من خمر وميسر وربا وسرقة، وقتل وزنا، وكذب وغش وغيبة وما شابهها. والمسلمون مطالبون بهذه الأحكام سواء كانوا في دار كفر أو في دار إسلام، وسواء كانوا يعيشون في البلاد الإسلامية أو في بلاد الكفار. وهذه لا ينظر فيها إلى ما كان يعمله الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم في مكة فقط أو في المدينة فقط. فالأحكام الشرعية المطلوبة من الأفراد من عبادات ومعاملات ومطعومات وملبوسات وأخلاق وسائر العقائد الإسلامية، كل هذه الأحكام مطالب بها الفرد. وكل فرد مسؤول عن أفراد أسرته الذين هو وليُّ أمرهم. فإذا كان الفرد المسلم في دار كفر والسلطة تمنعه من التقيد بأحكام الشرع الفردية هذه وجب عليه أن يهاجر إلى دار أخرى سواء أكانت الدار دار إسلام أو دار كفر عملاً بقوله تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا @ إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً[. والمستحب أن يهاجروا من دار الكفر إلى دار الإسلام حتى ولو كان يستطيع أن يلتزم بالأحكام الفردية. إلا إذا كان يعمل لتحويل دار الكفر التي يعيش فيها إلى دار إسلام. ومعلوم أن دار الإسلام هي الدار التي تحكم بالإسلام وأمانها بأمان المسلمين.

وأما ما هو منوط بالأفراد ويقوم به الخليفة إن هم قصروا فهل مثل إعطاء الأفراد نفقة إن عجزوا عن كفاية من يعولون. أو رعاية الشؤون الفردية إن عجز الأفراد عن هذه الرعاية. ومثل إقامة مساجد في القرى والأحياء إن عجز السكان عن ذلك.

وأما ما هو منوط أو الأمير وحده ولا يجوز لغيره أن ينفذه فهو مثل إقامة الحدود أو إعلان الحرب أو عقد الصلح أو سن القوانين الإلزامية أو رعاية الشؤون الإلزامية. فهذه وغيرها أمور حصرها الشرع بالحاكم إليه أن يقوم بها.

وأما ما هو منوط بالخليفة ويجوز للأفراد في حالات فهو كالجهاد، فهو من أعمال الخليفة، ولكن إذا دهم العدو المسلمين فجأة عليهم أن يهبوا للقتال ولو لم يأمرهم أو يأذن لهم الخليفة. أو إذا لم يكن للمسلمين خليفة وحصل ما يستدعي الجهاد، فإن الأفراد يقومون بالجهاد ولو حاكم فاجر، أو مع أمير مجموعة صغيرة. ولكن الأصل المسلمين أن لا يرضوا هذه الحالة الأخيرة أي حالة أن يكونوا دون خليفة وتحت إمرة حكام فجرة.

وأما ما هو منوط بالأفراد ويقع ضمن إشراف الخليفة، فهو كالفروض الكفائية الآنفة الذكر (راجع العدد السابق رقم 50).

وأما ما هو منوط بالجماعة حصراً فهو كالعمل لإقامة الخلافة وكمحاسبة الحكام وحملهم على الحق وقصرهم عليه. وعمل الحزب والجماعة أو التنظيم أو التكتل أو أية مجموعة إسلامية تقع ضمن هذه الدائرة.

إن تبيان مناط الأحكام الشرعية أمر مهم نلفت النظر إليه لأهميته، لأن أي جهل أو تجاهل له، يجعل المسلمين أفراداً وحركات يتخبطون خبط عشواء في تنفيذ الشرع. فيضيع على المسلمين الفهم الدقيق وبالتالي التطبيق الصحيح. ويصير المسلم يهمل فرضواً متعلقة بذمته ويقوم بمندوبات على حسابها، وتصير الجماعة تدرس الأحكام الشرعية المتعلقة بالأفراد وتهمل الأحكام الشرعية المتعلقة بأفرادها كجماعة أو تأخذ عمل الدولة الإسلامية حين لا تعي مثل هذا التقسيم الذي راعاه الشرع والذي يجب أن نراعيه. ويصير العالم يحدث الناس ببعض فروض العين كأحكام الصلاة والزكاة والصوم ويترك بعضها الآخر كأحكام البيع المتعلقة بحياة المسلمين أو أحكام الغيبة ناهيك عن الفروض الكفائية وأهمها الدولة الإسلامية ويظهر بمظهر العابد الواعظ وليس بمظهر العالم السياسي الذي يتحرى مشاكل الأمة ويضع حلولاً لها ويتصدى لمعالجتها.

إن ما هو منوط بكل جهة يجب عليها الالتزام به وتُؤمَر بالمعروف وتُنهى عن المنكر إن هي قصرت فيما أوكل إليها. ولا تحاسب على أمر لم يوكل إليها. فالشرع من حيث التطبيق لم يوكل إلى جهة واحدة. بل أوجد جهات. ولك واحدة منها تقوم بما أنيط بها. والأمة كلها تقوم بالشرع كله. فإذا قام المسلمون كأفراد بما هو مطلوب منهم وقامت الجماعة أو الجماعات بما هو مطلوب منها، وقام الخليفة بما هو مطلوب منه فقد وجد التطبيق الكامل للإسلام.

وهنا نلفت النظر إلى أن الفرد المسلم عليه أن يؤمن بالإسلام كاملاً، وبشكل مجمل. ولكنه يتبنى بالتفصيل الذي يلزمه ما هو مطلوب منه كفرد وما هو مطلوب منه كعضو في الجماعة أو الحزب الذي يعمل معه. وأي تقصير في أي منها يحاسبه الله عليه. وكذلك الخليفة فإنه يقوم بما هو مطلوب منه شرعاً كفرد. فهو يصلي ويصوم ويحج ويبر والديه ويمتنع عن الزنا والربا… ويقوم كذلك بما هو مطلوب منه شرعاً كخليفة. فهو يسن القوانين ويعلن الجهاد ويحمي بيضة المسلمين ويحكم بما أنزل الله ويقيم الحدود. وأي تقصير في أي منها يحاسبه الله عليه في الآخرة، وتحاسبه الأمة عليه في الدنيا.

فهذا الواقع لا بد من وضوحه عند المسلمين لكي يستطيعوا أن يفرقوا حين المحاسبة. فلا يحاسب الفرد على أمر غير مطلوب منه، ولا تحاسب الجماعة على غير ما هو مطلوب منها. ولا يحاسب الخليفة على غير ما هو مطلوب منه.

والشرع قد طلب من المسلمين (كل المسلمين) أن يقوموا بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل بحسب علمه وطاقته، وأمر بإيجاد هذه الفريضة عن طريق المسلمين – أفراداً وجماعات وحكاماً – وجعله واجباً في كل الأحوال، سواء أكانت هناك دولة إسلامية أم لم تكن، وسواء أكان الحكم المطبق على المسلمين هو حكم الإسلام أم هو حكم الكفر، وسواء أحسن الحاكم تطبيق أحكام الإسلام أم أساء التطبيق، فقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجوداً أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وأيام الصحابة وأيام التابعين وتابعيهم وسيبقى حكمه قائماً حتى قيام الساعة.

وإذا حصل من الأفراد أو الجماعات أو الدولة الإسلامية ما يوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب أن يقوم به الأفراد والجماعات والدولة الإسلامية وذلك على تفصيل.

فالمسلمون بآحادهم فإنه مطلوب منهم أن يأمروا بما ائتمروا به وأن ينهوا عما انتهوا عنه إذا حصل أمامهم ما يدعو إلى ذلك وبالقدر من العمل الذي يحملونه. وهنا يأخذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكم فرض العين الذي يأثم المسلم إن لم يبادر إلى القيام به ولا يعذر بتركه. فالمسلم في حياته اليومية مع زوجته أو أولاده أو أقاربه أو جيرانه، أو زبائنه أو معارفه أو غيرهم ممن يصادفهم، كل واحد من هؤلاء يجب عليه النصح له إن هو قصر أو عصى. كيف لا وهناك من المعاصي من قد لا يطلع عليها إلا هو. كإتيان معصية أمامه في مجلس ليس معه أحد غير هذا الشخص العاصي، فإن ترك نصحه أثم ولا يأثم معه غيره لعدم فشو المعصية أمامهم ولعدم علمهم بها. فموقعه لا يسده غيره ولا دائرته ولا يملأها سواه. وكل منكر يظهر في دائرته لا يكون غيره مسؤولاً عنه.

وإذا التزم المسلم بحق نفسه بكل ما أمره الله سبحانه أي ائتمر بالمعروف المتعلق به وانتهى عن المنكر، كان باستطاعة هذا المسلم أن ينقل للآخرين ما كان بحق نفسه، فإن كان قد أخذ أحكامه عن علم وبينه استطاع أن ينقله عن علم وبينة. وإن كان عن اتباع نقله إلى غيره على نفس المستوى، وإن كان عامياً في تقليده نقله كذلك نقل العامي. ويستطيع في هذه الحالة إن لم يجد في نفسه القدرة على إقناع الآخرين أن يحيلهم على ما يملك القدرة على إقناعهم كأن يدلهم على عالم أو مفتٍ أو شاب من حملة الدعوة الذين يثق بفكرهم وفهمهم. يقول تعالى: ]وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ[. ويقول تعالى: ]وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بلّغوا عني ولو آية» ويقول صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه إلى من هو أفقه منه». وبهذا يكون الفرد قد قام بما عليه كفرد من واجب الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر ومن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهنا لا يخفى ما للعلم والعلماء من كبير أثر في بيان أفكار المعروف وأفكار المنكر. الموجودة في زمانهم ومن حثهم الناس على التزام المعروف وترك المنكر.

والعلماء هم الذين حصلوا بالإضافة إلى عملهم الذي يتصل بعملهم، وهو فرض عين عليهم مثلهم مثل سائر أفراد الأمة، العمل الذي يحتاج إليه الآخرون، وهو فرض كفاية على الأمة وقد قاموا به فلهم أجرهم على ذلك. وهم بعلمهم هذا لا يعفون من أي فرض عليهم، فمطلوب منهم ما هو مطلوب من أي فرد من أفراد الأمة سواء بسواء. ومنه العمل لإقامة الخلافة. فإذا رأيت عالماً بأحكام المواريث وآخر يتصدر في التفسير وثالث هو قاض شرعي في مسائل الأحكام الشرعية من زواج وطلاق فهؤلاء وأمثالهم لا يعنون من القيام بالتزاماتهم الفردية التي تعلقت بأعيانهم ولا من المفروض الكفائية التي تعلقت بالأمة جميعها، وهم منها يطالهم ما يطال أي فرد منهم. وما نراه اليوم من قعود العلماء عن القيام بهذه الفريضة تحت أية حجة واهية فهو أمر غير مقبول شرعاً ويحاسبون على التقصير أمام الله ويجب أن يحاسبوا كذلك أمام الأمة.

فالعلم للطاعة والعبادة. والعلم هو الذي يؤدي إلى التزام التقوى، والتقوى خشية. يقول تعالى: ]إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[. ومن هنا ينشأ العلماء المجاهدون الذين تراهم في أول الصفوف دائماً سواء في صلاتهم أو في جهادهم أو في حمل الدعوة، أو في مناصحة الحكام، أو في مواجهة أفكار الكفر ومفاهيم الإلحاد. تراهم في أول الصفوف يهدون الناس إلى العلم الصحيح وإلى العمل بموجبه.

فلا يتصور أن للعلماء منصباً رسمياً في الإسلام أو مرتبة دنيوية، أو شكلاً مميزاً. أو أنهم يأمرون بعلمهم والباقون هم الذين ينفذون بل هم مأمورون مثلما هو مأمور أي فرد من أفراد المسلمين، والخطاب من الله يشملهم كما كان يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته.

والشرع قد أوجب وجود العلم والعلماء حتى يعرف بهم الحق ويقام به، فهم وسائطه، وبهم يعرف المسلم حق ربه. ووجودهم أو إيجادهم هو فرض كفائي، فإن لم يوجدوا فالأمة كلها تأثم لأنها ستقع في جهل معرفة أحكام الله سبحانه في زمانها. ومن هنا كان الاجتهاد فرضاً على الكفاية ويجب أن لا يخلوا أي عصر من الأعصار من وجود المجتهدين، وغلا فإن الأمة تقع في الإثم.

ومن حيث دافع الناس فإنهم بطبعهم يميلون إلى العالم ويحبون الأخذ منه. ومن هنا فإن على العالم أن لا يقع في فتنة علمه فيطلب المنصب والمكسب ويفتي الناس بغير علم تبعاً لأهوائهم. أو يزور حقائق الشرع إرضاء للحاكم. فإذا كان العلم بالشرع معروفاً فإن منكره هو الرياء وحب الرئاسة وطلب الأجر الرخيص به، ومن هنا كان استغلال الحكام وخاصة في زماننا للعلماء واستخدامهم لأغراضهم السياسية وجعلهم عملاء له. فتراهم يغدقون عليهم بالأموال، ويظهرونهم أمام الناس بمظهر العلماء الأجلاء وتقوم الدعاية القوية لهم. حتى يصبحوا للناس مراجع ومفتين يرجعون إليهم في الأمور الكبيرة. فيفتونهم بما يرضي الحكام ويغضب الله، ويخضعون النصوص لرغباتهم ويطوعون الشرع تطويع البنان لإرادة صاحبه، فتراهم: إن أحل الحكام الربا أحلوه وذهبوا إلى النصوص يلوونها ويسوقونها سوق الشهود على صحة ما يريدون، وإن أحل الاستعانة بالدول الكافرة وافقوه، وإن أحل الصلح مع اليهود أوجبوه. فهؤلاء هم العلماء العملاء وهم أهل سوء يجب النصح لهم. ويجب على الأمة أن تقسو عليهم في عملهم هذا بأن تنفضّ عنهم، وأن لا تكون تبعيتها لهم على حساب الشرع. فهؤلاء وأمثالهم ممن يمدون أيديهم للحكام على حساب الشرع ينطبق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان». فهؤلاء وأمثالهم يجب أن يشهر بهم حتى لا يقع الآخرون في حبائل فتاواهم وأولئك هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فما أصبرهم على النار.

نعم إنه إذا قام المسلمون والتزموا بهذه الفريضة من ائتمار بالمعروف وأمر به، وانتهاء عن المنكر ونهي عنه، فقد صلح أمر حياتهم الفردية. فالمسلم حين يلتزم في بيته ويلزم غيره وحين يلتزم في متجره وفي علاقاته مع الناس من حوله، يكون جانب مهم من الدين قد استقام. ولكن وكما قلنا سابقاً إن الغاية من الدين هي الطاعة وأن يمتثل المجتمع بكليته بالمعروف وترك المنكر وأن لا تخرج أية جزئية ولا أي جانب عن حكم الله سواء في الجانب الفردي أو الجماعي فالمجتمع ليس مكوناً من أفراد فحسب، بل هو مكون من أفراد جمعتهم عقيدة انبثق عنها نظام لكافة شؤون الحياة، فإذا تأمن جانب الفردي فقد تأمن فيه واحد وبقيت جوانب كثيرة لا بد من تحكيم الله فيها. فهؤلاء الأفراد أُمروا أن يؤمّروا عليهم خليفة يقيم الإسلام في واقعهم، والذي لا يوجد في واقع المسلمين بدافع تقوى الله أوجده الخليفة بقوة السيف. «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». فهذه العقيدة أمر الشرع بإيجادها والمحافظة عليها وحملها للناس (كل الناس) وجعل طريقة ذلك الدولة الإسلامية. وهذا النظام بينه الشرع وبيَّن كيفية تنفيذه وجعل مهمة ذلك على الدولة الإسلامية لتسهر على تنفيذه. وهذا الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام جعل الشرع الدولة هي التي تقوم به وتنشر الدعوة عن طريقه. وما أبلغ قول الإمام الغزالي حين قال: «ألا إن القرآن والسلطان توأمان، فالقرآن أس والسلطان حارس. فما لا أسَّ له فمهدوم وما لا حارس له فضائع».

والشرع الذي أنزله الله وبيَّنه لم يتركه أفكاراً مبينة فقط، بل أراده الشارع أن يكون واقعاً مجسّماً. فأنزل أحكاماً عملية من شأنها أن تحافظ على وجوده في الواقع، وتمنع ما يمنعه، وجعل طريقة ذلك الدولة. فأمر بإيجادها للمحافظة على الشرع، وجعل الله للحاكم أحكاماً وأمره ونهاه وطلب منه إقامة الدين والسهر عليه، وطلب من الأمة طاعته في ذلك ومحاسبته إن هو قصر، وطلب ذلك من الأمة أفراداً وأحزاباً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند ذي سلطان جائر» وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم». ولا يستطيع أن يأطر الحاكم الظالم على الحق أطراً ولا أن يقصره على الحق قصراً، إلا من كان ذا شوكة وقوة أي جماعة أو حزب لأن الأفراد لا يستطيعون ذلك.

والصحابة والفقهاء في الماضي عرفوا أن دولة الإسلام هي ملاك الأمر. وبوجودها تطبق الأحكام وبضياعها تضيع، فقد قال أبو بكر رضي الله عنه عندما سئل عن ملاك الأمر (الإسلام) كيف يدوم. فقال: «ما استقامت الأمراء». وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الفضيل عن عياض وأحمد بن حنبل قولهما: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان».

والإسلام دين لكل الناس يحمل في طياته الخير لجميع بني البشر، وليس لقوم دون قوم. فعقيدته عالمية أو نظامه عالمي، وهو كذلك يحمل طريقة نشره في العالم وذلك بوجود دولة تطبقه وتحمله للعالم فالدولة الإسلامية هي بدورها معروف يجب أن توجد لتقوم بما عليها أن تقوم به. فما هي وظيفتها؟ ومن الذي يوجدها إذا لم توجد؟ ومن الذي يقوّم اعوجاجها إذا اعوجت؟.

أما وظيفتها التي أناطها الله بها فهي إقامة الدين كل الدين. فالدولة هي مناط التطبيق سواء للأحكام الفردية أو الجماعية، للفروض العينية أو الكفائية. فهي مسؤولة عن إقامة الدين أي إقامة المعروف وإزالة المنكر بالشكل العملي. فالمسلم إذا لم يصلِّ أمرته الدولة بالصلاة وإلا عاقبته. وكذلك إذا لم يزكِّ أو يحج أو يَصُمْ، فإن كل هذه الفروض العينية وأمثالها مطلوب من الدولة أن تسهر على وجودها ومحاسبة المقصرين فيها. وكذلك هي الحال بالنسبة للفروض الكفائية. فإن لم تتأمن كل المصالح التي تحتاج لها الأمة من تأمين للطب والهندسة والتعليم وغيره مما يحتاج إيجاده إلى سياسة وتنسيق وتوزيع مهمات. وإن لم توجد الفروض التي يتوزع على الأمة وجودها من وجود للجهاد والاجتهاد فإن هذه أحكام أناطها الشارع بالخليفة وأمره أن يوجدها. وأي تقصير منه في ذلك يجب أن تحاسبه الأمة عليه. وتحمله على تلافيه. وقد حدد الشارع أحكاماً دقيقة في ذلك. فقد حرم على المسلمين الخروج عنه إلا في حالة إظهار الكفر البواح كما سيأتي تفصيله.

إن الأصل في الدولة الإسلامية أن يكون الحاكم فيها هو القوّام على رعاية شؤون الناس بأحكام الشرع وهو المسؤول شرعاً عن منع المنكرات، سواء حصلت من أفراد أو من جماعات. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته» وقد أوكل الله إليه أن يرغم الناس أفراداً وجماعات على القيام بأداء جميع الواجبات التي أوجبها الله عليهم. وإذا استدعى الأمر إلى استخدام القوة لإرغامهم على أدائها وجب عليه أن يستخدمها. كما أوجب الله عليه أن يمنع الناس عن ارتكاب المحرمات. وإذا استدعى الأمر استخدام القوة لمنعهم من ارتكاب المحرمات وجب عليه استخدامها. فالدولة هي الأصل في تغيير المنكر وإزالته باليد أي بالقوة لأنها مسؤولة شرعاً عن تطبيق الإسلام وعن إلزام الناس بأحكامه.

ولكن إذا حصل من الحاكم منكر – كأن يظلم أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو يمنع الحقوق، أو يهمل في شأن من شؤون الرعية، أو يقصر في واجب من واجباتها، أو يخالف حكماً من أحكام الإسلام أو غير ذلك من المنكرات – ففرض على المسلمين جميعاً أن يحاسبوه وأن ينكروا عليه ذلك، وأن يعملوا على التغيير عليه أفراداً وجماعات ويأثمون بالسكوت عنه، وبترك المنكر والتغيير عليه.

ويكن الإنكار والتغيير عليه عند ارتكاب منكراً من المنكرات بطريقة المحاسبة باللسان. لما روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع» ولما روي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم» كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله الحق عند سلطان جائر أفضل الجهاد حيث أجاب الرجل الذي سأله أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حق عند سلطان جائر». ولورود أحاديث تحرم الخروج عليه بالسلاح إلا في حالة واحدة استثنيت حرمة الخروج عليه بالسلاح وهي حالة ما إذا أظهر الكفر البواح الذي فيه من الله برهان بأنه كفر صراح لا شك فيه. أي إذا أظهر الحكم بأحكام الكفر الصراح، وترك الحكم بما أنزل الله. فعن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، قال: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف، فقال لا ما أقاموا فيكم الصلاة». والمراد بإقامة الصلاة الحكم بالإسلام أي تطبيق أحكام الشرع من باب تسمية الكل باسم الجزء. وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا» أي ما أقاموا بأحكام الشرع ومنها الصلاة من باب إطلاق الجزء على الكل. وعن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثّرةٍ علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برها، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم».

فمفهوم هذه الأحاديث ينهى عن الخروج على الحاكم بالسلاح إلا في حالة عدم حكمه بما أنزل الله. أي في حالة حكمه بأحكام الكفر البواح، الذي فيه من الله برهان بأنه كفر صراح لا شك فيه.

هذا كله فيما إذا كان الحاكم المسلم موجوداً ثم هو قصر. وإذا وصل به الحال أن حكم بحكم الكفر الصراح – ول بحكم واحد – وجب على الأمة بأفرادها وجماعتها الوقوف بوجهه ومنعه ولو بقوة السلاح فكيف يكون الحال إذا لم يوجد الحاكم المسلم أصلاً ولم تكن هناك دار إسلام. فمن الطبيعي أن كل الأحكام المناطة بالحاكم ستتعطل، ويعم الفساد، وتشيع الرذيلة، وتفشو الأخلاق السيئة، وستقوم العلاقات الفاسدة، ويستفيض المنكر وينتشر، ويضمر المعروف وينحسر. وسيضعف المسلمون وتقل هيبتهم وتلين شوكتهم. وسيصبحون كالأسد بلا أنياب ولا مخالب وسيصبحون صورة من غير واقع، فلا صورة الأكل تشبع ولا صورة الأسد تفزع.

ففي مثل هذه الحالة – وهي حالنا اليوم – فإنه ينبغي على الأمة إيجاد الخليفة الذي يحكم بما أنزل الله لأن وجوده فرض كما أسلفنا. ولكن من يقوم بإيجاده، وكيف يكون إيجاده؟ وهنا يأتي بحث وجوب وجود الجماعات الإسلامية وعملها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر¨

يتبع

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *