العدد 53 - السنة الخامسة – العدد 53 – صفر 1412هـ الموافق أيلول 1991م

مع القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر:2).

يأمر الله سبحانه في آخر الآية الكريمة أن يأخذوا عبرة. ومن أجل الاعتبار نذكّر المسلمين بهذه الآية الكريمة.

(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ) أي الله سبحانه هو الذي حقق لكم النصر وأخرج الكفار وليست قوتكم وحدها. وهؤلاء هم يهود بني النضير. وكان ابن عباس رضي الله عنه يسمّي سورة الحشرة سورة بين النضير كما رواه البخاري. وقد نزلت سورة الحشر كلها في شأن غزوة بني النضير هذه. وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة أن غزوة بني النضير كانت في شهر ربيع الأول سنة أربع للهجرة. وذكر البخاري أنها كانت بعد ستة أشهر من غزوة بدر. والأصح هو ما ذكره ابن إسحاق كما يبدو لنا.

كانت هناك معاهدة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين بني النضير. وكان أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عمرو بن أمية الضمري قتل رجلين من بني عامر دون أن يعلم أن معهما عهداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدفع ديتهما، وخرج إلى بني النضير ليستعينهم في دفع الدية وكانت بيوتهم شرق المدينة على أميال منها، قالوا نعم يا أبا القاسم نعينك. ثم خلا بعضهم ببعض. ولاحظ رسول الله صلى الله عليه وسلم تحركات مريبة منهم، وكان يجلس مع أصحابه (أبو بكر، عمر، علي بن أبي طالب رضي الله عنهم) إلى جدار، فقام صلى الله عليه وسلم وخرج متظاهراً أنه يريد قضاء حاجة. ولما تأخّر قام أصحابه يبحثون عنه وعرفوا أنه عاد إلى المدينة. وهناك رواية أن الوحي جاءه صلى الله عليه وسلم من الله بأن بني النضير تآمروا لإلقاء صخرة عليه من السطح وهو مستند إلى الجدار. فأعد جيشه وخرج لمحاصرتهم جزاء تآمرهم ونقضهم العهد. وكانت حصونهم منيعة، وكانوا من القوة بحيث لم يتوقع المسلمون أن يقدروا على إخراجهم من حصونهم، وكانوا هم أنفسهم يرون أن حصونهم وقوتهم لا يمكن التغلب عليها. وأثناء الحصار أرسل عبد الله بن أبي (المنافق) إلى بني النضير يحثهم على الصمود وأنه لن يتخلى عنهم.

(لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) والحشر هو جمع الناس في مكان ما. وهذا كان الحشر الأول لهؤلاء اليهود. وقد فهم بعض المفسرين بأن البلاد التي خرجوا إليها هي أرض الحشر يوم القيامة وهي بلاد الشام. إذ أن قسماً منهم خرجوا إلى أذرعات وهي المعروفة اليوم باسم درعا. وقسم منهم خرجوا إلى خيبر. والحشر الثاني هو حشر يوم القيامة.

(مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) هذا وصف من الله لحالة المسلمين أنهم لم يظنوا خروج اليهود.

(وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ) وهذا وصف من الله لحالة اليهود واطمئنانهم إلى قوتهم، فماذا حصل؟

(فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ) وهنا محل الاعتبار. الله سبحانه قادر على تصريف الأمور بشكل يقلب المقاييس ويغيّر المعادلات ويبدل المفاهيم والقناعات، ويحول الشجاعة إلى جبن والاطمئنان إلى رعب أو العكس. والله سبحانه يفعل ما يريد ضمن سنن الكون فتبدو الأمور طبيعية بعد حصولها، وإن كان الناظر إليها يظن أنها بعيدة جداً قبل حصولها.

(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) أي أنهم حين احكم عليهم طوق الحصار ولم تأتهم نجدة من رأس المنافقين قرروا الاستسلام. ولم يدم الحصار إلا ستة أيام. لأن الرعب أخذ منهم كل مأخذ. فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحقن دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام (درعا)، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاءً. وفي رواية أن لهم ما أقلّت الإبل من الأموال والأمتعة إلى الحَلْقة (وهي السلاح). فصار أحدهم يخرب بيته من أجل أن يأخذ عموداً أو باباً أو غير ذلك.

(وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) وصار المسلمون يكملون هدم البيوت الخربة ليأخذوا ما بقي منها لينتفعوا به: (فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ) ونظير هذه الآية آية سورة آل عمران: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَارِ).

نقول هذا ونحن نرى الأحزاب الشيوعية تحطم الأصنام التي عبدتها طيلة سبعين عاماً، وتمحو آثار الاشتراكية التي دعت إليها طويلاً، وتمزق الدولة العملاقة لتصبح بين عشية وضحاها أشلاء. كل هذا يحصل بأيديهم.

فلا قوي إلا الله ولا كبير إلا الله.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *