العدد 30 - السنة الثالثة – ربيع الأول 1410هـ – الموافق تشرين الأول 1989م

تسلل أميركي إلى الطائف

سِيْقَ النواب «البرلمانيون» إلى الطائف، واستبقهم متسللاً إلى هناك وقبيل ساعات من وصولهم «ديفيد سترفيلد» وزميله «ريتشارد دوفز»، وقيل أنهما يحضران بصفة مراقب فكان أن وقعا تحت مراقبة ومطاردة الصحفيين ورجال الإعلام، والملفت في حضور هذين المبعوثين هو تسللهما إلى الطائف تحت جنح الظلام، ومحاولة التهرب المتقنة من الأضواء الإعلامية نحو مدينة جدة، حتى أن إحدى الصحف أسمت «سترافيلد» بزائر الفجر، أما صحيفة أخرى فقد عبّرت عنه بـ «الطيف الأميركي في الطائف» وتسميات أخرى كثيرة. أما صحيفة الأنوار اللبنانية فقد أوردت في تعليقها الصادر في 01/10 تقريراً ديبلوماسياً يقول: «… فقد زرع السفير مكارثي ما يجب زرعه، وهو مطمئن إلى أن الزرع في أرض خصبة ولا بد أن يعطي نتائجه… إن الأميركيين موجودون في الطائف أكثر من وجودهم في أي مكان آخر، إضافة إلى النواب المشاركين في لقاء الطائف هم بمعظمهم من الزرع الأميركي… ويقول التقرير أن ما كُتِب قد كُتِب، وأن الحوار السياسي لن يتعدى الإطار الشكلي» انتهى تعليق الأنوار.

والسؤال الذي يرد هو: لماذا هذا الدخول الأميركي على استحياء إلى الطائف مع أن القاصي والداني يعلم أن أميركا موجودة في الطائف وفي غير الطائف، بل في العواصم أيضاً من خلال وجود (أزلامها) في المواقع المهمة؟ أم أن فضيحة «إيران غيت» شكلت عند الإدارة الأميركية عقدة أضحت تلازمها خلال تحركاتها في بلاد المسلمين؟ إن هذه التصرفات التي تشبه تصرفات اللصوص لا تليق بدولة كبرى تدعي أنها قادرة على فعل كل ما يحلو لها دون أن يعارضها أحد.

إن أميركا عملت طول سنيّ الحرب في لبنان على تأجيج تلك الحرب، وكانت تقوم بالعمل ونقيضه في آن معاً، وهي الآن تدعي أنها وسيط خير وإصلاح بين الناس، مع أنها أذكت نار الحرب، وسمحت لإسرائيل بغزو لبنان عام 1982 وتدميره وتنصيب بشير الجميل كرئيس بالقوة، ثم ضغط عليها بكل الوسائل للانسحاب من بيروت وصيدا والجنوب، ثم قامت بتدريب وتسليح الجيش اللبناني عام 1983 وعادت ومزقت ذلك الجيش، ثم شاركت في مفاوضات 17 أيار وباركت الاتفاق المذكور وعادت وانقلبت عليه، وأيدت أمين الجميل وانقلبت عليه، ورشحت فرنجية والضاهر للرئاسة وعطلت الانتخابات، وهدد مورفي يومها تهديده المشهور «إما انتخاب والضاهر وإما الخراب والدمار» فجاءت بالخراب والدمار ثم أعقبته بمؤتمر قمة ولجان، فكان أو أوعزت للثلاثية بأن تعلن وثيقتها ذات النقاط السبع واسْتُدعي النواب إلى الطائف وهي على رأسهم، وتدّعي الآن أنهم يتحاورون ويتناقشون ويرسمون «مستقبل لبنان» مع أن القرارات معدة سلفاً وكذلك البيان الختامي مُعدٌ سلفاً، وما هي إلا أيام يقضونها في الطائف لكي يصدق الجميع أن المنطقة قرارها ذاتي وأن (عجول الأرض هي التي تفلحها). وبكل غرور وتكبر تمضي في خداعها وكذبها وتناقضاتها وتمضي كذلك في التسلل إلى المؤتمرات وإلى العواصم وإلى القرار، فهل من رادع يردعها؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *