العدد 54 - السنة الخامسة – العدد 54 – ربيع الأول 1412هـ الموافق تشرين الأول 1991م

سؤال وجواب

السؤال: جاء في صحيح البخاري: [عن الزبير عن عَدِيّ قال: أتيْنا أنسَ بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحَجّاج، فقال: اصبروا فإنه «لا يأتي عليكم زمانٌ إلا الذي بعده شَرٌّ منه حتى تلقوْا ربكم» سمعته من نبيكم r].

كيف يقال بأن المستقبل للاسلام، وكيف يعود المسلمون لإقامة الخلافة الإسلامية وتطبيق الإسلام وحمل رسالته إلى العالم من جديد ما كل زمان يأتي شَرٌّ مما سبقه؟

الجواب: قال ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» ج13/ ص17 عند شرحه للحديث المذكور أعلاه: [وقد استشكل هذا الإطلاق، مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها، ولم لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز، وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز] ونقل الإجابات عن هذا الاشكال بالآتي:

1- أجاب بعضهم أن المراد بالتفضيل مجموع العصر على مجموع العصر، ففي عصر الحجاج مثلاً كان كثير من الصحابة.

2- نُقِل عن عبد الله بن مسعود: لستُ أعني رخاءً من العيش يصيبه ولا مالاً يفيده، ولكن لا يأتي علكيم يوم إلا وهو أقل علماً من اليوم الذي مضى قبله.

3- ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة، وظن أنس أنها عامة.

4- ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كظهور المهدي ونزول عيسى.

واستدل ابنُ حِبّان في صحيحه بأن حديث أنس ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي وأنه يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوْراً.

ونحن نقول في هذا الموضوع بأن الحديث ليس على عمومه وليس على اطلاقه. القاعدة عند أهل الأصول أن (العام يبقى على عمومه ما لم يَرِدْ دليل تخصيص، والمطْلَق يبقى على اطلاقه ما يرْد دليل تقييد) وهنا وردت أدلة كثيرة تخصص عمومه وتقيّد اطلاقه، منها ما ذكره أعلاه ومنها ما نورده أدناه.

مما ذكر أعلاه أحاديث ظهور المهدي، وأحاديث نزول عيسى. ولا شك أن الزمان في فترة المهدي أفضل منه قبل ظهوره، والزمان في فترة نزول عيسى أفضل منه قبل نزوله، لأن الأحاديث نصت على ذلك. وكذلك ما أجمع عليه الناس حسب ملاحظتهم من أن زمان عمر بن عبد العزيز كان أفضل من زمن الحَجّاج الذي سبقه.

ونذكر فميا يلي حديث حذيفة بن اليمان، يقول: «كان الناس يسألون رسول الله r عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلتُ: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلتُ: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخْن. قلتُ: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هَدْي تَعْرفُ منهمْ وتُنكِر. قلتُ: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دُعاةٌ على أبواب جهنم من أجابَهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صِفهُمْ لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلتُ: فما تأمرني إنْ أدركني ذلك؟ قال: تلزمُ جماعةَ المسلمين وإمامهم. قلت: فإنْ لم يكنْ لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرقَ كلَّها ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». [البخاري ومسلم وغيرهما].

والشاهد في هذا الحديث هو قوله r: «نعم» حين سأله حذيفة: «وهل بعد ذلك الشر من خير؟» ففي الحديث يذكر الشر مرتين ويذكر الخير مرتين، وأن الحال تكون دولاً بين الخير والشر وهذا ليس في آخر الزمان فقط عند ظهور المهدي أو نزول عيسى، بل هو قبل ذلك حيث يصفه r بأنه خير فيه «دخن» أو «دَخَلَ» حسب الرواية الأخرى.

وهناك حديث (الخلافة على منهاج النبوة) وهو: «تكون النبوّة فيكم ما شاء أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضّاً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» [أحمد والزار والطبراني في الأوسط].

والشاهد هنا هو أن الخلافة على منهاج النبوة تأتي بعد الملك الجبري وبعد الملك العضوض، وهي خير منهما ولا شك.

وهنا الآية الكريمة: ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[ والشاهد هنا هو قوله تعالى: ]لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ[ والمبدأ الرأسمالي، مبدأ الحريات الذي يتباهى به الغرب والذي فُتن به العالم، هو دين من الأديان لأن الغرب يدين به. وهذا الدين ظهر حديثاً مع ظهور الثورة الفرنسية، أي ما يزيد قليلاً عن قرن. والاسلام لم ينتصر حتى الآن على المبدأ الرأسمالي هذا، لأن الأمة الإسلامية كانت في انحطاط عند ظهوره. وانتصار الإسلام على الرأسمالية تدل عليه هذه الآية بكل وضوح. ولا شك أن زمان انتصار الإسلام على الرأسمالية الغربية هو خير من زمان انتصارها على الإسلام.

والذي يزيد الأمر وضوحاً هو حديث (فتح روما والقسطنطينية) وهو: «عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسُئِل: أي المدينتين تُفتح أولاً القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتاباً. قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله r نكتب، إذ سُئِل رسول الله r: أي المدينتين تفتح أولاً اقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله r مدينة هرقل تفتح أولاً. يعني القسطنطينية». [أحمد والدارمي وابن أبي شيبة والحاكم].

وقد تم فتح القسطنطينية على يدي محمد الفاتح العثماني بعد أكثر من (800) سنة من إخبار النبي r بالفتح. ونحن الآن نتوقع فتح روما. والشاهد هنا هو أن الزمان بعد فتح القسطنطينية أفضل منه قبلها، وهناك حديث يمدح فيه رسول الله r الأمير الذي يفتحها ويمدح المسلمين الذين يفتحونها. والشاهد الثاني هو أن الزمان بعد فتح روما أفضل من الزمان قبل فتحها، خاصة وأن روما هي عاصمة الكثلكة وهي عرين المبدأ الرأسمالي، ويلزم لفتحها أن تكون الخلافة الإسلامية قائمة وقوية. وهذا أفضل من الزمان الراهن.

وهناك أحاديث (ذبح اليهود في فلسطين) ومنها: «تقاتلون اليهود، فتُسلَّطون عليهم، حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر، فيقول الحجر: يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله» [البخاري ومسلم والترمذي]. وهذا لم يقع بعد، والراجح أن زمان حصوله هو قريب جداً. والشاهد هنا هو أن زمان قتل أعداء الله اليهود هو أفضل من زمان غطرستهم وتجبرهم الحاصلة الآن.

وهناك أحاديث (بلوغ ملك الأمة الإسلامية مشارق الأرض ومغاربها) ومنها: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها. وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» [مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد].

والشاهد في الحديث هو قوله r عن أمته «سيبلغ ملكها» أي أن المسلمين سينتصرون على العالم. ومما لا شك فيه أن زمان انتصار المسلمين على الكفار هو خير من بقاء الكفار في عزتهم.

وهناك أحاديث (بلوغ حكم الإسلام ما بلغ الليل والنهار) ومنها «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليلُ والنهارُ، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وبر إلا أدخله اللهُ هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الاسلام، وذلاً يذل به الكفر» [أحمد وابن حبان].

والشاهد في الحديث أن حكم الإسلام سيبلغ ما بلغ الليلُ والنهار، أي أن حكم الإسلام سيشمل الكرة الأرضية كلها (مشارق الأرض ومغاربها كما في الحديث السابق)، ومن يدخل الإسلام يصبح عزيزاً، ومن يبقى على كفره يصبح ذليلاً بدفعه الجزية للمسلمين. ولا شك أن الزمان حين يصبح الإسلام في كل العام هو العزيز والكفر هو الذليل هو أفضل من الزمان حين يكون الكفر عزيزاً والمسلمون أذلاء كما هو حاصل الآن.

وهناك الآيات الكريمة التي رتبت حصول الخير أو الشر ليس ترتيباً زمنياً بل رتبته علىحسب عمل الأمة الإسلامية ومنها قوله تعالى: ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا[.

والشاهد في الآيات هو وعد الله للأمة الإسلامية حين تلتزم بشرع الله وتعمل كما أمرها بأن نصره وتمكينه وأمنه ستحقق لها بغض النظر عن الزمن سابقاً كان أو لاحقاً.

على ضوء هذه النصوص سنحاول أن نفهم الحديث: «لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شرٌّ منه حتى تلقوا ربكم».

ونحن نرجح أن المعنى المقصود هو ما ذكره ابن حجر في البند رقم 3: (المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة، وظن أنس أنها عامة)، فالنصوص تقيد الزمان المذكور بزمان الصحابة، ومعنى «حتى تلقوْا ربكم» أي حتى مماتكم، فالخطاب مقتصر على الصحابة الذين كان يكلمهم r. والأصل في خطاب الرسول r أنه يشمل الصحابة والأمة كلها إلى قيام الساعة، ولكن هنا جاءت النصوص تقيده بالمخاطبين دون غيرهم من أزمنة الأمة. وقد لاحظنا على أرض الواقع أن فترة النبوة كانت خيراً من فترة أبي بكر وعمر، وفترة أبي بكر وعمر (حكم هذين الخليفتين يعتبر عهداً واحداً) تعتبر خيراً من فترة عثمان حيث بدأت الشكوى والتذمّر. وفترة عثمان تعتبر خيراً من فترة علي حيث كانت الفتنة وحرب البغاة والمذابح. وفترة علي تعتبر خير من فترة معاوية وفترة يزيد. ومع مجيئ فترة عمر بن عبد العزيز كان زمان آخر الصحابة رضوان الله عليهم قد انتهى□

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *