العدد 30 - السنة الثالثة – ربيع الأول 1410هـ – الموافق تشرين الأول 1989م

الجريمة والعقاب

الجريمة هي الفعل القبيح.

الجريمة هي الفعل يقوم به الإنسان مخالفاً النظام الذي ينظم حياته، وهي كذلك الامتناع عن عمل فرضه عليه النظام الذي ينظم حياته.

العقاب هو الجزاء الذي فرضه النظام على من قام بالفعل القبيح، أو امتنع عن القيام بالواجب. وقد وجدت العقوبات في جميع المجتمعات لتنفيذ النظم التي تنظم المجتمع. ولهذا كانت العقوبات هي الطريقة الوحيدة التي تنفذ بها النظم في أي مجتمع كان مهما بلغ من الرقي أو الانحطاط. ومهما كانت هذه النظم ومصادرها، فالطريقة الوحيدة في تنفيذها هي فرض العقوبات على من يخالفها وعلى من قصر فيما فرضيته عليه.

والمسألة هي من يحدد ما هو الفعل القبيح؟ ومن يحدد العقوبة التي تتناسب مع قبح العمل؟ وبالنظر في واقع هذه المسألة نجد أن من يقرر الحسن والقبح في الأفعال إما أن يكون الشرع وإما أن يكون العقل؟ وذلك لوضع التشريعات والقوانين التي تنظم حياة الناس. وما عليه العالم الآن فإن جميع الأمم والشعوب قد أعطت العقل صلاحية الحكم بالحسن والقبح على الأفعال وبالتالي فقد جعلت للعقل صلاحية التشريع ووضع النظام وفرض العقوبات، رغم ما لُمِس ويلمس يومياً من فساد هذه الفكرة، وعجز العقل عن القيام بهذه المهمة. وما يعانيه العالم الآن من شقاء وتعاسة ليس إلا نتيجة لهذه المسألة. (راجع كتاب الشخصية الإسلامية وكتاب المفاهيم للشيخ تقي الدين النبهاني) ونسوق بعض الأمثلة للفت النظر إلى عجز العقل عن القيام بهذه المهمة:

مثلاً: قتل إنسان هو عملية إزهاق روح بشرية. هل هذا عمل قبيح؟ فهناك حالات يتم فيها القتل:

أ- قضاءً وقدراً مثل تحطم طائرة أودى بحياة شخص أو أشخاص.

ب- قتل شخص من شخص آخر دفاعاً عن نفسه، أو قتل العدو في الحرب.

ج- قتل اعتداء عن سبق إصرار وترصد.

د- قتل خطأ أو شبه عمد، كأن يضربه بيده فيقضي عليه.

هـ- قتل القاتل.

و- قتل المرتد التارك لدينه المفارق للجماعة إن لم يتب.

ز- قتل الزاني المحصن.

ح- قتل العامل على هدم النظام أو الخارج عليه بقوة السلاح.

ط- قتل الحاكم الذي يظهر الكفر البواح إن لم يرتدع.

وغير ذلك من الحالات التي يتم فيها القتل. وكلها تندرج تحت قتل النفس فهل يقال أن قتل النفس فعل قبيح؟ أم أن هناك أموراً أخرى خارجة عن ذات الفعل هي التي وصفته بالحسن أو القبح؟

ومثل ذلك الوطء، أي أن يقضي الرجل إربه.

فقد يقضي إربه مع زوجته.

فقد يقضي إربه مع أَمَتِه.

وقد يقضي مع غير هاتين من إناث أو ذكور أو غير ذلك.

ومثل ذلك الحصول على المال أو تبادل المنافع، أو البيوع وقد التبس مثل هذا الأمر على بعض الناس فقالوا: إنما البيع مثل الربا. فالبيع بالتقسيط، أو البيع لأجَلٍ مع ارتفاع في السعر قالوا إنه مثل الربا. فالزيادة في ثمن السلعة مقابل فترة التأجيل في الدفع تساوي الفائدة على المال المقترض مقابل فترة التأجيل في الدفع، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى يقول: (قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا). فإذا كان هذا الفعل الذي يبدو في ظاهره أنه حسن، وتبدو فيه المنفعة أو لنقل مبادلة المنفعة، يراه الشارع عملاً قبيحاً. بل على أعلى مستوى من القبح إذ يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) «البقرة»فأي زاجر أكبر من حرب من الله ورسوله؟ ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الربا سبعون حوباً أيسرها أن ينكح الرجل أمه» رواه ابن ماجه.

وكما في الأفعال كذلك في الأقوال، إن جاز أن نفرق بين الكلمة والفعل. مع أن الكلام فعل يصدر من الإنسان. وحسنة وقبحه ليسا لذاته فهو صوت يخرج من الفم معبراً عن معان في النفس يريد الإنسان الإفصاح عنها، ومن هذه الأصوات ما هو حسن كقوله (لا إله إلا الله) ومنها ما هو قبيح. كشهادة الزور، أو رمي المحصنات، أو القول الفاحش. قال صلى الله عليه وسلم: «وهل يكب الناس على مناخرهم في جنهم إلا حصائد ألسنتهم» فكلمة تستحق بها الجنة، وكلمة يستحق قائلها عذاب جهنم.

وكما أن في الأفعال عقوبات حدود وعقوبات تعزير كذلك فإن في الأقوال عقوبات حدود وعقوبات تعزير، فالارتداد بالقول أو الفعل عقوبته القتل إذا لم يتب. ورمي المحصنات أي ما يسمى القذف، وهو اتهام امرأة بالزنا له عقوبة حددها الشارع بالجلد ثمانين جلدة، وأن لا تقبل له شهادة أبداً. أما دون ذلك من الكلام الفاحش أو البذيء فعقوبته تعزيرية أي متروك للقاضي تقديرها بما يكفي لردع الناس عن هذا العمل أو القول، كي لا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

فهل يمكن للعقل البشري أن يدرك هذه البشاعة وهذا القبح لهذا العمل؟

نعم إن العقل يستطيع أن يميز بين الأشياء التي يحسّها فيصفها بالحسن والقبح، فيرى الوردة جميلة فيصفها بالحسن ويشم رائحتها فيصفها بالحسن، ويرى الجيفة فيصفها بالقبح ويشم رائحتها فيصفها بالقبح ويذوق العسل، ويذوق الصبر، فيصف هذا بالحلاوة وهذا بالمرارة. وهكذا. فكان الحكم بناءً على ما في طبيعة هذه الأشياء، ويكون الحكم واحداً عند جميع الناس. إلا أن المسألة هنا في النظر إلى الأفعال ـ وهذا بيت القصيد ـ من حيث الثناء عليها أو ذمها، ومن حيث تحديد موقف الإنسان منها، أيقدم عليها أو يحجم عنها. فإن كانت مما يمدح فما مثوبة المقدم عليها، وإن كانت مما يذم فما عقوبة المقدم عليها. ولهذا كان وصفها بالمدح أو الذم لأمر آخر خارجٍ عنها.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المسألة هي البحث في أفعال الإنسان ومعالجتها للوصول به إلى السعادة والطمأنينة في نفسه وبيته ومجتمعه. فلا بد أن يتكون نتيجة المعالجة موصلة إلى تلك الغاية من السعادة والطمأنينة لكل إنسان. وفي كل عصر.

وبالنظر في واقع الإنسان فإن التفاوت في القدرات العقلية، سواء الخلقية منها والمكتسبة حقيقة ملموسة، وأن التناقض والاختلاف في الحكم على الأشياء نتيجة لذلك التفاوت بالقدرات أمر بديهي، وتأثر الإنسان بالبيئة التي يعيش فيها جغرافيا أو زمنياً ـ اختلاف العصور ـ أمر لا يستطيع أحد إنكاره. وبناءً على هذه الأمور فإن أي إنسان أو مجموعة من الناس يستحيل عليها أن تضع نظاماً ينظم حياة الإنسان ويبين له حسن الأفعال وقبحها ويتوافق مع جميع حاجات الناس على مختلف بقاع الأرض وعلى مر العصور. لهذا كان تقرير الحسن والقبح في الأفعال خارجاً عن قدرة الإنسان، ويجب أن يكون من عند الله، ووصف الجريمة، أي القيام بفعل قبيح لا بد أن يكون من عند الله سبحانه وتعالى.

والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى من حيث أن العالم بكامله الآن يصطلي بنار هذا الخطأ، وما يرى عند الهيئات التشريعية وتعديلاتها في القوانين ثم تعديل على التعديل ثم التغير الكامل لها باعتبارها لم تعالج ما وضعت له من مشاكل. وما يرى في زمن ما قبيحاً صار ينظر إليه أنه حسن كما حصل في كثير من بلدان العالم كإباحة الزنا عن تراض وإباحة اللواط عن تراض، والزواج بين الذكور عن تراض وغير ذلك مما استحسنته عقول الناس.

وبما أن العقل عاجز عن تقرير الجريمة ـ أي فعل القبيح ـ فإنه في وضع المثوبة والعقوبة أعجز. ولهذا نقول: إن الصلاحية في تقرير الجريمة ووضع العقوبة عليها هي لله وحده. ولهذا كان نظام العقوبات في الشريعة الإسلامية هو الطريقة لتنفيذ الشرع وتطبيق النظام وبعث الأمن والطمأنينة في النفوس والسير في المجتمع إلى أهدافه العليا. (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ) وقد حددت الشريعة الجرائم والعقوبات عليها بشكل دقيق فبينت ما يلي:

1- أعمال وصفها الشرع بأنها جريمة، وحدد لها عقوبة معينة بلا زيادة ولا نقصان، وهي ما يطلق عليه الحدود، مثل السرقة وعقوبتها قطع اليد، والزنا وعقوبته الرجم للمحصن والجلد مائة للأعزب، ومثل قذف المحصنات وعقوبته الجلد ثمانين وهكذا…

2- أعمال وصفها الشرع أنها جريمة وحدد عقوبتها. مثل القتل العمد والقتل الخطأ، وإتلاف بعض الأعضاء إلا أنه جعل لصاحب الحق حقّ العفو إن شاء. فجعل عقوبة القتل العمد بغير حق القتل أو الدية أن قبل وليه وقيمتها 4,25 كلغ من الذهب. وجعل عقوبة قتل الخطأ الدية، وجعل عقوبة إتلاف كل عضو بما يناسبه من الأرش وهكذا، وهي ما يطلق عليها: (الجنايات).

3- أعمال وصفها الشارع أنها جريمة إلا أنه ترك للقاضي تقدير العقوبة الزاجرة الرادعة لمن تسول له نفسه القيام بمثلها وهي ما يطلق عليها: (العقوبات التعزيرية) مثل أكل الربا، والغش، والرشوة وغير ذلك فإن للقاضي أن يقدر العقوبة الزاجرة، من حيث أن العقوبات في الإسلام زواجر وجوابر ـ أي تجبر عقاب الآخرة، أي تمحوه.

4- أعمال لم تكن قبيحة أي لم تكن جريمة، ولكنها بمخالفتها النظام العالم، أي مخالفتها أمر الأمير صارت معصية، وكل معصية تعتبر جريمة، وهي ما تسمى: (المخالفات). وهذه كذلك ترك للقاضي تقدير العقوبة الزاجرة، مثل مخالفة أنظمة السير والسوق والبلدية وغيرها وهي المخالفات الإدارية. باعتبارها عصيان لأوامر الأمير. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصيني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني» وبهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى عبارة (أن العقوبات في الإسلام زواجر وجوابر)، فقد بينا أنها زواجر من حيث أن قسوتها تمنع الآخرين من الإقدام عليها. فالحكم بالموت على الزاني المحصن رجماً بالحجارة عقوبة قاسية وخصوصاً على مشهد من الناس تجعل الفرد يفكر ألف مرة قبل إقدامه على هذه الجريمة. أما أنها جوابر فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله ولا يسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له. ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه» فهذا صريح بأن عقوبة الدنيا تكفر عقوبة الآخرة. أي هي جابرة لما حصل له. ولهذا كان المسلمون يطلبون من رسول الله أن يطهرهم إن هم أصابوا معصية أو جريمة. وقصة ماعز بن مالك والغامدية مشهورتان مع علمهما بحكم الموت عليهما رجماً بالحجارة وعلى مشهد من الناس.

وبناءً على ما تقدم كان تحديد الجريمة وتحديد العقوبة من الله سبحانه وتعالى، وكان مجلبة للسعادة وباعثاً للطمأنينة في حياة الإنسان وإبعاداً لما يقلقه ويقض مضجعه: (إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) فهو يخاف على نفسه وعقله وكرامته ونسبه واستمرار وجوده وماله وأمنه في سربه وسلامة مجتمعه ودينه، هذه الأمور الأساسية التي تقلق بال الإنسان من حيث هو إنسان ولذلك كانت الطريقة لتحقيق هذه الأهداف العليا فرض عقوبات تتناسب معها. فكانت القتل أو ما يشبه القتل.

كانت عقوبة القتل لحفظ النفس (جريمة قتل العمد).

وكانت عقوبة الجلد لحفظ العقل (جريمة السكر).

وكانت عقوبة الرجم أو الجلد لحفظ النسب (جريمة الزنا).

وكانت الدية في العقم والإحصاء لحفظ النوع (جريمة الجب والإحصاء والعقم).

وكان القتل والصلب والنفي من الأرض لحفظ الأمن (جريمة الإفساد).

وكان القتل لحفظ الدين (جريمة الارتداد).

وكان قتل الخارجين على الدولة لحفظ الكيان (جريمة البغاة).

ومن هنا نقول أن الشريعة الإسلامية هي التي حددت الجريمة وهي التي تحدد العقوبة المناسبة لها.

ح.ص.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *