العدد 28 - السنة الثالثة – العدد 28 – محرم 1410هـ، الموافق آب 1989م

هل المجتمع مكوّن من أفراد حقيقية؟

بقلم: حافظ صالح

إن الاختلاف بين الناس أمر بديهي وطبيعي، فالتفاوت في القدرة في أدمغة الناس أمر فطري، والتفاوت في الإحساس من القوة والبلادة أمر فطري كذلك، وأما التفاوت في المعلومات المفسرة للواقع والوقائع فأمر مكتسب وكذلك دقة الملاحظة، وإمعان النظر، وفهم الواقع على حقيقته أي النظرة العميقة المستنيرة إلى الواقع والوقائع عمل إرادي يحتاج إلى الجدية في البحث والمعاناة.

هذه هي العناصر الأساسية التي تمكِّننا من إصدار أحكامنا على الواقع أو الوقائع والأحداث، وإعطاء الرأي فيها، حيث أن إصدار الحكم على الشيء أو الواقعة أو الحدث يتطلب أولاً ـ وجود واقع محسوس، إما محسوس فعلاً لنا، أو أخبرنا بوجوده وأنه محسوس فعلاً. ثانياً ـ وجود حاسة فيها قابلية نقل صورة عن هذا الواقع المحسوس إلى الدماغ، كالبصر أو اللمس أو السماع أو غيرها. ثالثاً ـ وجود الدماغ الصالح لتلقي هذه الصورة المنقولة من الحس وصالح للربط بين هذه الصورة والمعلومات المفسرة لها. رابعاً ـ وجود معلومات تفسِّر هذا الواقع. ففي كل عملية فكرية لإصدار حكم على الوقائع والأحداث والأشياء لا بد من توفر هذه العناصر الأربعة، ليقوم الدماغ بعدها بعملية ربط دقيقة بين المعلومات المُكتسبة وبين الواقع أو الشيء فيصدر حكمه عليه.

فالتفاوت في قدرة الحس، والتفاوت في قدرة الدماغ على الربط، والاختلاف في المعلومات المُكتسبة المفسرة للواقع تؤدي حتماً إلى الاختلاف بالآراء والأحكام بين الناس. ولا مجال لوحدة الرأي في جميع الأمور إلا إذا كانت هذه العناصر واحدة. وبما أن الاختلاف فطري ـ حَلْقي ـ أو مكتسب، فالنتائج حتماً تكون مختلفة.

إلا أن الواقع أو الوقائع قد لا تحتاج إلى حس مرهف فهي ظاهرة للعيان بكل جزئياتها وتفاصيلها، والمعلومات المتوفرة عنها معروفة لجميع الباحثين فيها، ولا تحتاج إلى إمعان نظر، وقدرة فائقة على الربط فهي من الوسائل البسيطة، فمثل هذه الحالات نجد الإجماع عند الناس على الرأي فيها. وأما المسائل التي تحتاج إلى حس مرهف، أو إلى قدرة كبيرة في الربط، أو إلى معلومات كثيرة في تفسيرها فالخلاف فيها بديهي.

فالواقع الحسي الذي لا يقع تحت الحس مباشرة بل أُخبرنا عنه، فالاختلاف فيه أكبر، لأنه يتوقف على صدق المخبر ودقته في نقل وتصوير الواقع، بخلاف الواقع المحسوس لنا فإن إحساسنا نحن هو الذي ينقل الصورة إلى الدماغ فلا مجال للشك فيه.

والواقع الذي يتطلب إمعان نظر ومعرفة لكافة جوانبه، ومعرفة ظروفه وأحواله وما بتعلق به يختلف عن الواقع البسيط الذي لا يحتاج لمثل هذه الأمور.

ولأهمية المعلومات المفسرة للواقع في إصدار الحكم عليه وإعطاء الرأي فيه، نجد أن المسؤولية الكبرى تقع على الإنسان المفكر في ناحيتين: الناحية الأولى إمعان النظر في الواقع ومعرفة مكوناته لمعرفة مقوماته، وفهم ظروفه وأحواله وما يتعلق به لإعطاء الصورة الحقيقية للدماغ عنه، وأما الناحية الثانية فهي بذل الوسع في اكتساب المعلومات المفسرة له. حتى يكون الحكم أو الرأي الصادر عنه صواباً أو قريباً من الصواب.

بعد هذه المقدمة نضع السؤال التالي: هل المجتمع مكون من أفراد حقيقية؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟.

فالمجتمع واقع محسوس، والبحث فيه بحث عقلي، ومعرفة مكوناته أمر سهل ميسور لا يحتاج إلى كثير من الجهد، ولا يعتبر البحث فيه من المسائل المعقدة الشائكة، التي تحتاج إلى معارف واسعة، ومعلومات دقيقة يصعب الحصول عليها. فكل ما في المجتمع من عناصر مكوناته واضح جلي، سواء مجموعة الناس أو الأسباب التي جعلتهم يجتمعون، ويستحقون باجتماعهم تسميتهم مجتمعاً. ولذلك فإنه من الغريب أن يختلف الناس في تعريفهم للمجتمع. التعريف الذي أدى إلى الاختلاف في معرفة مقوماته، ومعرفة الطريق الموصل لهذه المقومات. فالمجتمع يعني جماعة من الناس توافقت على نمط معين من العيش أي في تنظيم العلاقات الدائمة بين أفرادها، أو بينها وبين غيرها من المجموعات الأخرى. أما أن نقول أن المجتمع هو مجموعة من الأفراد وإن هذا الأمر يخالف معنى المجتمع المبحوث عنه لمعرفة مكوناته وبالتالي معرفة مقوماته لاتخاذ الطريقة المناسبة لإنهاضه أو إصلاحه، أو وقف انحداره.

إن كلمة (مجتمع) المبحوث عنها، تعني شخصية معنوية لمجموعة من الناس، وليس مطلق مجموعة أفراد فركاب سفينة يعدون بالآلاف لا يُطلق عليهم أنهم مجتمع، بينما أهل قرية صغيرة يُطلق عليها اسم مجتمع وذلك لوجود سبب لهذه التسمية، فالعلاقات القائمة الدائمة بين أهل القرية، والكيفية التي تُسيّر بموجبها هذه العلاقات، هي التي جعلتها مجتمعاً، وبها توصف هذه المجموعة بالرقي والانحطاط، بالتقدم أو التخلف، وبالعدل أو الظلم، بالسعادة أو الشقاء. فالمعيار هو كيفية تنظيم العلاقات الحتمية الدائمة بين هذه الجماعة من الناس.

وبالنظر إلى عملية نشوء المجتمعات، سواء انحدرت من سلالة واحدة، أم توافقت مجموعة من الأسر على العيش سوية، سواء في مكان من الأرض ثابت، أم بدّو رُحَّل. ومعنى التوافق على العيش المشترك فالمعروف بداهة أن لكل إنسان وحاجات متوفرة وموجودة عند الآخرين ولا يمكن الحصول عليها إلا باتفاق على كيفية معينة للحصول عليها. فمبادلة السلع، والزواج والجوار، والإجارة لا يمكن أن تتم إلا باتفاق بين هؤلاء الناس، كما أن عيشهم مع بعض وإمكانية عدم التزام بعضهم بما اتفقوا عليه، واحتمال تعرضهم إلى عدوان من جماعة أخرى يحتم عليهم إيجاد نظام دفاعيّ لهم، ونظام يلزم أو يعاقب من يحاول الخروج عما اتفقت عليه الجماعة فتكوين المجتمع يبدأ من حاجة الناس إلى الاجتماع وما فيهم من رغبات وجوعات لا بد من إشباعها ثم الاتفاق على كيفية معينة لتحقيق ذلك، ثم تنازل كل فرد منهم عن جزء من سلطته لوضعها بيد سلطة تلزم الجميع بما اتفقوا عليه، وتحفظ للجماعة وحدتها وأمنها. وصلاح المجتمع وفساده متوقف على صلاح الأفكار والمعالجات التي اتفقوا عليها، أي متوقف على السبب الذي جعل مجموعة الناس مجتمعاً، فإن كانت هذه الأفكار والمعالجات صالحة كان المجتمع صالحاً وإن كانت هذه الأفكار والمعالجات فاسدة كان المجتمع فاسداً، بغض النظر عن صلاح أو فساد بعض الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع.

حتى أولئك المتأثرون بمبدئهم الفردي، أعني المبدأ الرأسمالي، والذين ينظرون إلى المجتمع بأنه مكون من أفراد انطلاقاً من نظرة مبدئهم لذلك. قالوا بنظرية العقد الاجتماعي في تشكيل المجتمع وأصبح الفرد في المجتمع عندهم ملزماً بما اتفقت عليه الجماعة، وتخلى عن النظرة الأساسية في المبدأ الرأسمالي والقائلة بحرية الفرد. تخلي عن ذلك والتزم بما يحدده له القانون الذي فرضته الجماعة أصبحت تلك الفكرة الأساسية ـ الحرية ـ كذبة كبرى، فالفرد في المجتمع الرأسمالي، مجتمع الحريّة كما يدّعون، لا يباشر أي عمل من أعماله إلا ما أجاز له القانون، وإلا عرَّض نفسه للعقوبة. نعم حتى أولئك القائلون بفردية المجتمع، تخلوا عملياً من ذلك وخضعوا جميعاً إلى ما يُسمى نظرية العقد الاجتماعي. وذلك بسبب نظرة المبدأ الخاطئة لواقع المجتمع. وأصبح المجتمع بنظرهم جماعة من الناس، تجمعهم ـ حسب زعمهم ـ وحدة اللغة، ووحدة الدين، والتاريخ المشترك، وحدة الأرض، وحدة الآلام، ووحدة الآمال والأهداف، والوحدة السياسية ـ أي النظام. وهذا ما يتردد على ألسنتهم وما يطرحونه من مفاهيم.

أعود فأقول: ما الذي جعل مجموعة من الناس مجتمعاً؟.

الجواب: إن العلاقات الدائمية هي التي جعلت مجموعة الناس مجتمعاً. والكيفية التي يتم بها تنظيم هذه اللاعقات هي التي تكسب المجتمع صفة الصلاح أو الفساد، صفة الرقي أو الانحطاط.

ولهذا فإن من المؤكد إنما يتكون من مجموعة من الناس بينها علاقات دائمية، أي أنه يتكون من مجموعة من الناس لديها رغبات وحاجات وضعت لها أفكاراً لتنظيمها، ونتيجة لذلك وجدت فيها مشاعر الرضى لمن يلتزم بهذه الحلول ومشاعر النقمة والغضب لمن يخالفها.

إن هذه المجموعة تفرح وتسعد وتُشارك العريس فرحه لأنه أشبع جوعاته وحقق رغبته بالفكرة التي اتفقت عليه الجماعة، أي فكرة الزواج، وأن هذه المجموعة تغضب وتنقم على من خالفها بالزنى أو غيره وقد تقدم على قتله أو قتلها. وكذلك الحال بالنسبة لبقية الأفكار فمن يحصل على حاجته بالشراء فهو مرضي عنه، ومن يحاول الاستيلاء بالغضب أو السرقة أو الاحتيال فمغضوب عليه. وهكذا كافة الحاجات.

ومن هنا كانت مقومات المجتمع هي الأفكار المتفق عليها والمشاعر الواحدة، أي العرف العام ثم النظام أو السلطة القائمة على تنفيذ هذا العرف، فصلاح المجتمع بصلاح هذا العرف العام وفساده بفساده، والنظام والسلطة المقامة على رعاية هذا العرف تكوّن الكيان السياسي القوي. أما إذا كان النظام والسلطة مخالفة إلى ما عند الناس من أعراف، فإن النزاع والخصومة وتفكُكْ المجتمع والتآمر عليه أمر بديهي.

ولما كان ذلك كذلك كانت الطريقة لإصلاح المجتمع مبنية على أساس وحدة الأفكار ووحدة المشاعر وإقامة نظام على نفس الأساس. وبمقدار صلاح هذه الأفكار وصدقها يكون صلاح المجتمع.

وبالنظر للفرد فهو كذلك واقع محسوس ويمكن للعقل أن بحثه ويعطي حكمه عليه. لنعرف مكوناته ومقوماته كما فعلنا في المجتمع. فمكونات الفرد أنه كائن حيّ فيه رغبات وله حاجات عضوية وغريزية لا بد من توفرها له إلاَّ أدى عدم إشباعها إلى هلاكه أو شقائه. فالغذاء والكساء وقضاء الحاجة وغيرها من الحاجات العضوية الضرورية لبقاء الحياة الزوجة والأولاد وغيرها من الحاجات الأساسية لاستمرارية حياة الإنسان. وحفاظه على نفسه وكرامته وعزته وما يتطلبه ذلك أمر ضروري بالنسبة له وشعوره بعجزه وحاجته إلى الخالق المدبر أمر فطري في تكوينه.

هذه هي مكونات الفرد، كائن حيّ له علاقات ثلاث:

علاقة مع نفسه في المطعومات والملبوسات والأخلاق.

علاقة مع غيره من الناس في المعاملات.

وعلاقة مع ربه في العبادات.

هذه المكونات في الفرد متوفرة في كل فرد حيّ. ويختلف الناس باختلافهم في كيفية تنظيم هذه العلاقات، ويعتبر الفرد صالحاً إن كانت علاقاته هذه صالحة، ويعتبر فاسداً إذا كان تنظيمه لهذه العلاقات فاسداً. فالعبر إذن في صلاح هذه العلاقات، وحتى تكون هذه العلاقات على نمط واحد، فلا بد أن يكون الأساس الذي بنيت عليه واحداً. أي لا بد أن يكون للفرد عقيدة تتخذ قاعدة لأفكاره ومُنبثقاً تنبثق عنه كافة معالجات هذه العلاقات. ولهذا أخلص إلى القول: إن مقومات الفرد هي العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة.

هذه هي مقومات الفرد. وتلك كانت مقومات المجتمع.

فلماذا يصرُّون على أن المجتمع مكوّن من أفراد؟

يصرون ويشبهون المجتمع بالجدار. ويقولون إن الجدار يُبْنى لبنة لبنة، أو حجراً حجراً، فلا بد من إصلاح الأحجار جميعها ليتم بناء الجدار.

ألا يرون أن عملية البناء تتطلب مادة أخرى غير الأحجار وهي المادة التي ربطت بين الأحجار المكون منها الجدار، هذه الرابطة التي نظمت العلاقات الدائمة بين الأحجار، وقوة الجدار وضعفها متوقف على هذه المادة. فإن كانت من الإسمنت كانت الأقوى، وإن كانت من الكلس كانت أقل قوة، وإن كانت من الطين كانت ضعيفة، وإذا لم يوجد أية مادة بين الأحجار اعتبر كومة من الحجارة ولا يعتبر جداراً، حتى لو صقلت أحجاره وأصبحت كالمرآة.

وعلى العكس تماماً، لو كانت معظم الأحجار محطمة مهشمة إلا أن المادة التي استعملت لربطها ببعضها كانت مادة جيدة الإسمنت مثلاً، نشأ من ذلك جدار قوي متين بغض النظر عن صلاح الأحجار المكونة له أو هشاشتها.

لماذا يلتزم بهذا الفهم معظم الحركات الإسلامية، وإصرارها على مقومات الفرد، لتصل عن طريقه إلى إصلاح المجتمع كما تقول، مع إغفالها تماماً أي عنصر من عناصر مقومات المجتمع؟؟.

أم أنه لم يُدرك الفرق بين بناء الفرد وصلاحه، وبناء الكتلة وصلاحها، وبناء المجتمع وصلاحه؟.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *