العدد 78 -

العدد 78- السنة السابعة، ربيع الثاني 1414هـ، الموافق تشرين الأول 1993م

الدعوة إلى الإسلام (20)

هل حكم سيدنا يوسف (عليه السلام) بشريعة الكفر؟

وأما المبررات الشرعية عندهم فهي تقوم على أن الأصل عدم جواز المشاركة في الوزارة التي تحكم بشريعة غير شريعة الله تعالى وذلك:

l لعموم النصوص الواردة في وصف من يحكم بغير ما أنزل الله بالكفر والظلم والفسق. يقول تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ)، ويقول: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)، ويقول: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ).

l لأن الحاكمية يجب أن تكون لله وحده. يقول تعالى: (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ).

كذلك فقد نهى الله المؤمنين عن الاحتكام إلى شريعة غير شريعة الله. وجعل ذلك منافياً للإيمان حينما قال: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

l كما نعى على المنافقين موقفهم من الاحتكام إلى غير ما أنزل الله فقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا).

l إنه لا يجوز ترك حكم الله إلى حكم غيره. وأن من يفعل ذلك مُؤْثراً لحكم الجاهلية على حكم الله تعالى:         (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).

هذا هو حكم الأصل. ولكن تجوز المشاركة في الوزارة (حسب رأيهم) استثناء من الأصل استدلالاً بالأدلة التالية:

1- مشاركة يوسف عليه السلام في الوزارة.

2- موقف النجاشي.

3- المصلحة.

ومنهم من يضيف:

1- حلف الفضول.

2- والقول بأن الحرب خدعة.

3- والقول بأن ما لا يدرك كله لا يترك جله.

بالنسبة إلى سيدنا يوسف عليه السلام فإنهم يقولون إن المجتمع الذي عاش فيه كان مجتمعاً جاهلياً، وكانت عقيدة الشرك هي المسيطرة. وقد انتشر فيه الفساد الخلقي وتعرض فيه سيدنا يوسف للغواية والظلم لدرجة أنهم رأوا سجنه من بعد ما رأوا آيات براءته. وقد أخرجه الملك من السجن بعدما أعجب بحسن تأويله للرؤيا وتحقق من نزاهته. فاستخلصه لنفسه وقرّبه منه، فطلب منه سيدتا يوسف عليه السلام أن يجعله على خزائن الأرض فأجابه الملك إلى طلبه. وبهذا صار يقوم بأعباء الوزارة في حكم جاهلي ونظام مخالف لما كان معروفاً من شريعة بني إسرائيل. وكان سيدنا يوسف من حيث التطبيق على (دين الملك) أي سلطانه وحكمه. حتى أنه لجأ إلى حيلة الاحتكام إلى شريعة يعقوب ليبقي أخاه عنده. وذلك عندما دبّر مكيدة لأخيه بأن اتهمه بالسرقة. وحسب شريعة يعقوب أن السارق يُسْتَرَقّ.

ويضيفون: ولا يقال إن هذا كان خاصاً بسيدنا يوسف، فالتخصيص يحتاج إلى دليل. لأن الأصل أن كل ما يذكر من سير الأنبياء وهديهم إنما يراد به التأسي والاقتداء.

كذلك يضيفون: ولا يقال إن هذا كان من شرع من قبلنا، لأن موضوع الحكم ليس من فروع الشريعة التي يمكن أن تختلف فيها الشرائع بل هي من الأصول المتفق عليها. ولأن سيدنا يوسف أقر (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ) وهو مع إقراره هذا فقد شارك في الحكم.

إنا الناظر في الآيات المتعلقة بموضوعنا من سورة يوسف يرى أن هذا الرأي وهو جواز المشاركة في أنظمة الكفر، مبنيّ على آيتين وهما: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) و(اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ…) ففسروها تفسيراً يتفق مع ما ذهبوا إليه. متناسين كل الأصول المخالفة التي ينبني عليها الإسلام، ومتغافلين عن كل الآيات التي تعارض هذا الفهم، وضاربين عُرْضَ الحائط بموضوع عصمة الأنبياء. ومتى تهاوى فهمهم المتعلق بهاتين الآيتين تهاوى كل ما بنوه في موضوع سيدنا يوسف من أنه شارك في الحكم.

إن الأنبياء هم أصفياء الله في خلقه ومُجتبوه. يختارهم لنشر دينه. فهم الأسوة والقدوة لقومهم،وهم الآيات الصادقة في التعبد والالتزام حيث يقومون بأمره خير قيام. ويعصمهم الله من المعاصي ويحفظهم من الفتنة ويثبتهم على الحق، ويعينهم عليه. وسيدنا يوسف عليه السلام هو من هذه الثلة المصطفاة. وقد مدحه الله وأثنى عليه ثناء عطراً في غير آية، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ…) وقال تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) وقال تعالى: (… كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).

وقد كان داعياً إلى الله على أرفع طراز. فقد ذكر القرآن أنه قال لصاحبيه في الشجن عندما سألاه عن تأويل رؤيا كل منهما: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).

وقد كان عفّاً موصولاً بالله مستعصماً، فصرف الله عنه كيد النسوة وكيد امرأة العزيز التي ذكر القرآن قولها:    (رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وشهد له الناس بالعفة والإحسان والصدق. فقد قال له صاحبا السجن. (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ) وقال له أحدهما الذي نجا بعد أن رأى الملك رؤياه (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا… ) وقالت النسوة بعد أن رفض أن يخرج من السجن إلا من بعد أن تظهر براءته: (حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ) وقال الملك بعد أن أعجب به (ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) وقد قرر سيدنا يوسف عليه السلام أن ما منَّ الله به عليه فلتقواه وصبره على الطاعة وبعده عن المعصية حيث قال: (قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).

أفيعقل بمن هذا هو حاله، وشهد له الله بها، ولم يكن متهماً عند أحد ممن التقاهم أن يكون متهماً عند بعض مسلمي اليوم، إنه لم ترد حتى ولا إشارة واحدة في القرآن، تدل على أنه كان يحكم بشريعة الملك. بل لم يرد سوى حكم واحد حكم به وهو حكم (جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) وهذا الحكم كان بحسب شريعة سيدنا يعقوب. ولم ترد أية إشارة من علم تدل على أنه حكم بغير ما أنزل الله. والشبهة عندهم أتت من قوله تعالى: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ… ) وهذه الآية متى فسرت تفسيراً صحيحاً يتفق مع عصمة الأنبياء، ومع الأصول المقررة في الإسلام، وينسجم مع طبيعة الدعوة والتقوى والالتزام أزيلت هذه الشبهة وسقطت هذه الدعوى.

إن القول بأن سيدنا يوسف قبل بالحكم بغير ما أنزل الله هو قول جد خطير. يحرم على المسلم القول به. فهذا نبي، والنبي يستمر على أمر ربه مهما لاقى، ولو بقي وحيداً. فيكف تصل الجرأة بجماعة من المسلمين، وبعلماء يعتبرون أنفسهم أجلاء، أو بجماعة ترى نفسها أنها على الحق، أن يتقولوا مثل هذا التقول. وكيف يلاقون ربهم به؟ إنه غير خليق بمن ضعفت نفسه أمام الواقع أن يكون وارثاً للنبوة. وإنه لمن كبير الأسى أن يعكس من أصابه الوهن ذلك الوهن على الأنبياء فيلصقون بهم ما هم منه براء. فبدل أن يكونوا مثل الأنبياء في مضاء عزيمتهم وقوة التزامهم بالحق عكسوا ما عندهم على الأنبياء فجعلوهم مثلهم. ولم يلتفتوا إلى عصمتهم أدنى التفاته. فكانوا بفهمهم هذا مائعين متساهلين، متهاونين منحرفين.

ولنعود إلى الآية التي أشكلت على أصحاب هذا الطرح، ففسروها بما يناسب موقفهم، فتراهم يقولون:

بعد أن حلت سنوات المجاعة، وصار الناس يأتون من كل حدب وصوب إلى يوسف ليعطيهم من الغلال التي وفرها بتدبيره والتي فرَّض إليه الملك أمر توزيعها. جاء إخوته فعرفهم وهم له منكرون. فأخبر أخاه الصغير أنه أخوه حتى لا يبتئس ودبر مكيدة لأخوته بأن جعل السقاية في رحل أخيه على عين غفلة من الجميع. ففقده وأأذن مؤذن أن أصحاب العير سارقون، وجعلوا جائزة حمل بعير لمن جاء به. فرد إخوة يوسف عنهم الاتهام بكل تأكيد. فقال القائمون على أمر التوزيع من أعوان يوسف (قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ) قال إخوة يوسف (جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) أي أن السارق له يسترقّ، وكان هذا على شريعة يعقوب. فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه، فكان جزاؤه الاسترقاق والاستعباد. ثم بعد كل ذلك جاءت الآية لتقول عن سيدنا يوسف عليه السلام: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) ففسرها البعض على معنى شريعة ونظام الملك. أي أن الملك في مصر كانت له شريعة ونظام وكان سيدنا يوسف عليه السلام يحكم بشريعة هذا الملك ونظامه. أما في هذه المسألة فقد دبر حيلة يستطيع بها أن يبقي أخاه إلى جانبه فلجأ وبكيد لطيف لأن يجعلهم ينطقون هم بالعقوبة ليحاسبوا على أساسها فلم يقل لهم أن جزاء السارق حسب شريعة الملك هي كذا وكذا وإنما جعلهم ينطقون بالحكم بحسب شريعة يعقوب ليبقي أخاه عنده.

فتفسير هذه الآية على هذا النحو هو الذي جعلهم يخرجون بمثل هذا الفهم.

ولو عدنا إلى كملة دين في اللغة العربية لوجدنا أنها من الألفاظ المشتركة التي تحمل أكثر من معنى: فقد جاء في لسان العرب.

فالدين تعني القهر والطاعة. تقول: دنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا.

والدين تعني الجزاء والمكافأة. تقول: دنته بفعله ديناً أي جزيته. ويوم الدين يعني الجزاء. والدين تعني الحساب ومنه قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).

والدين تعني الشريعة السلطان ومنه قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) والدين تعني الذل والاستعباد. والمدين هو العبد. والمدينة هي الأمة المملوكة. ومنه قوله تعالى: (أَئِنَّا لَمَدِينُونَ) أي مملوكون. ومنه قوله تعالى: (فَلَوْلاَ إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي غير مملوكين.

وهناك معانٍ أخرى لها.

فأي معنى بالتحديد هو المعنى الذي يريده الله في الآية؟. وانتفاء معنى من هذه المعاني لا بد له من قرينة تجعلنا نأخذ هذا المعنى دون غيره. ومن هنا يتبيّن أن من يأخذ المعنى الذي يناسبه ويناسب توجهه إنما يحكم هواه في الشرع. ومن يأخذ المعنى المنضبط والمقيد بقرائن شرعية تدل عليه يكون محكماً لشرعه ملتزماً أمر به. فأي معنى هو المعنى المراد؟

فإن قلنا أن المعنى المراد من كلمة دين هو شريعة وجدنا أن القرائن الشرعية تمنع هذا الفهم إن كان سيؤدي إلى أن سيدنا يوسف قد شارك. فهذا حرام على الأنبياء والمؤمنين، ومخالف لطبيعة الرسالة التي تقوم على إفراد الله في العبودية والتشريع، يقول تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) فيوسف عليه السلام الذي يقول للناس: (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) لا يمكن أن يخالفهم في ذلك ويقبل بحكم الأرباب المتفرقة. وفي مثل هذا يقول سيدنا شعيب لقومه الذين يدعوهم: (… وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) وتفسير ذلك عند القرطبي: «أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به».

وإن قلنا بأن المعنى المراد من كلمة دين هو استعباد، وصار أخوه مديناً أي عبداً مملوكاً فهذا المعنى ينسجم انسجاماً تاماً مع ما سبق الآية من قول إخوة يوسف إن السارق يسترقّ. فيكون معنى الآية: ما كان ليأخذ أخاه في استرقاق واستعباد الملك وجعله مديناً أي عبداً مملوكاً له إلا أن يشاء الله. وهذا هو المعنى الأقرب إلى الصواب. وليس من قرينة شرعية تمنعه. بل ينسجم انسجاماً تاماً مع ما قبله، وينسجم تماماً مع ما وصف الله به سيدنا يوسف من أنه من المحسنين والمخلَصين وما شهد له الناس به.

وبهذا ينتفي مثل هذا التفسير الذي يتعارض مع عصمة الأنبياء، وعدم وقوعهم في المعصية، أو أن يقولوا ما لا يفعلون. ثم إن القول بأن سيدنا يوسف عليه السلام قد شارك في حكم الكفر هو استنتاج وهو كلام ظني يعارض النص القطعي عندما قال يوسف: (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ… ) فكيف نعطل القطيع ونعمل بالظني. بل إننا يمكننا أن نجزم أن سيدنا يوسف عليه السلام لا يقر أن يكون الحكم لغير الله كما نجزم أنه عليه السلام لا يقر أن يحكم بغير ما أنزل الله.

وإذا كان سيدنا يوسف رفض أن يقع في الغواية، ورفض أن يخرج من السجن إلا بعد أن تبرأ ساحته ليكون نظيفاً في أعين الناس ولأنه نبي يوحى إليه، فكيف يقبل بأن يقع فيما هو أكبر من ذلك وهو الحكم بغير ما أنزل الله؟.

أما تفسير قول سيدنا يوسف لملك مصر (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) بأنه طلب منه لوزارة الخزانة أو المالية، وأنه أثناء توليه لهذا المنصب لم يطبق في حكمه شريعة يعقوب وإنما نظام الملك غير القائم على أساس العدل هو تفسير فيه تعسف كبير، وحَيْدٌ واضح عن مذهب الحق. ولا بد من الوقوف على بعض النقاط لتجلية الموضوع:

l إن واقع الحكم في تلك الفترة كان ملكياً، والنظام الملكي في التاريخ أخذ شكلين:

أحدهما: النظام الملكي المطلق حيث كان الملك هو الحاكم بأمره، المستبد برأيه، فما يراه يجب أن يسير عليه الناس، ولا يعقب أحد على حكمه. وكانت تتجمع في يده السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. وكان يعيّن أعوانه ويعزلهم متى شاء، وقد يختارهم لولائهم له أو تزلّفهم له، أو لحصافة رأيهم وحسن تدبيرهم. وهؤلاء الأعوان يكفي أن يكونوا موالين له مطيعين حتى تطلق أيديهم فيحكمون بأمرهم ويستبدون برأيهم ويصبحون صورة مصغرة عن الملك.

ثانيهما: النظام الملكي المقيَّد، وقد أضحى الملك في هذا النظام صورة أكثر منه حقيقة، حيث نزعت منه صلاحياته المطلقة. وصارت السيادة في هذا النظام للدستور والقانون وليس للملك. وقامت هيئات تشريعية تسن القوانين بدل الملك، وهيئات تنفيذية تنفذها بدل الملك، وأخرى قضائية تقضي في الخصومات وتفض المنازعات بين الناس بد الملك. وهذا الشكل عرف بعد انتشار فكرة الديمقراطية مؤخراً. لذلك سمي النظام الملكي المقيّد. فأي شكل من هذين الشكلين أخذه نظام الملك في مصر زمن يوسف عليه السلام؟

إنه لا يتصور أن ملك مصر زمن يوسف عليه السلام كان مقيداً بدستور ونظام. وما ورد من كلمة (دين الملك) لم تكن على المعنى الذي أوردوه أي شريعة الملك. وإن قياس نظام الملك زمن يوسف عليه السلام على أنظمة اليوم التي تحكم تصرفات الحكام هو قول فيه مجانبة للصواب، وفيه قياس خاطئ.

l إن طلب سيدنا يوسف عليه السلام من الملك أن يجعله على خزائن الأرض وإجابته إلى طلبه، لا يعني أن طلبه هذا متعلق بالحكم. والموضوع الذي ذكره القرآن كان محصوراً بموضوع الرؤيا، ولم يتعدّه إلى سواه. وهو متعلق بغلال القمح وسنوات الخصب وسنوات الجدب، وما يجب العمل فيها. فطلب سيدنا يوسف أن يسند إليه أمر تخزين القمح وتدبير التوزيع في سنوات الخصب بما يتناسب مع ما سيأتي من سنوات الجدب من غير أن يفرط في مهمته ولا أن يخون. وهذه مهمة صعبة لا يستطيع أن يقوم بأعبائها إلا من كان مكيناً، أميناً، حفيظاً، عليماً، كيوسف عليه السلام، حتى إن ما حدث بين يوسف وإخوته كان متعلقاً تحديداً بهذا الموضوع. ونحن لا نستطيع أن نجعله يتجاوز هذا الإطار، وأن نوسع دائرة مهمة سيدنا يوسف عليه السلام من عندنا. ولا يحق لنا القول إن مهمته هذه كانت متعلقة بسنة قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك، وأهل بيته وجنده ورعيته. وهذه لا بد أنها ستجري بحسب نظام الملك وليس شريعة يعقوب. فهذا التوسع يحتاج إلى دليل.

l يلاحظ أن الملك عندما أعجب بحصافة رأي يوسف ورجحان عقله ونزاهته، وقربه منه، أعطاه صلاحية تدبير هذا الأمر الجلل الذي شغله منذ أن رأى رؤياه. ولا بد أن يكون قد أطلق يده في ذلك كي لا يتدخل فيه أحد.

l ويلاحظ أن سيدنا يوسف عليه السلام لم يفسِّر رؤيا الملك فحسب، بل أعطاه العلاج والتدبير المناسب. مما دفع الملك إلى الاطمئنان إلى طلب يوسف عليه السلام أن يجعله على خزائن الأرض وإطلاق يده. ولم يقل له عندي شريعة أو نظام يجب أن تسير عليه. بل رضي بتفسيره للرؤيا ووضعه للعلاج فقلده وظيفة التخزين والتوزيع على رأيه.

l لا بد انه بعد أن أتت سنوات الجدب، صار يوف هو الملجأ الذي يلجأ إليه الناس لينقذوا أنفسهم من الجوع، ولا بد أنه قد صار حديث الركبان بعدله وتدبيره. وهذا من شأنه أن يعزز مركزه عند الملك ويجعله أكثر تقرباً منه. وقد يكون هذا الذي مكّنه من الانتقال من كونه العزيز كما خاطبه إخوته بقولهم: (يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ… ) إلى إيتائه الملك بعد مجيء والديه إليه من البدو حيث دعا ربه فقال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ… ) ومن ثم قوله تعالى عنه: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) مما يعني أن الأمر قد انتقل إليه في النهاية.

l إن الحكم الوحيد الذي ذكره القرآن ونفذه سيدنا يوسف عليه السلام هو استرقاق أخيه بحسب شريعة يعقوب. فلماذا لم يؤخذ بمخالفته لنظام الملك إن كان للملك نظام ثابت خاص؟

l إنه لا يتصور أن يصدر من سيدنا يوسف عليه السلام أية مخالفة شرعية ذلك لأنه نبي معصوم، وصفه ربه بأنه كان محسناً ومخلصاً وتقياً. وهو الذي فضل السجن على الغوياة، وهو الذي كان يدعو في السجن، وهو الذي رفض أن يخرج من السجن دون أن تظهر براءته، وهو الذي بعفته ونزاهته أعجب به كفار مجتمعه، من امرأة العزيز إلى نسوة المدينة إلى صاحبي السجن إلى الملك حتى إخوته قبل أن يكتشفوا أمره.

وتجدر الملاحظة أن تفسير واقع ما كان عليه سيدنا يوسف أو حال الملك هل أسلم أم بقي كافراً، أم أن الملك قد انتقل إلى يوسف بسبب موت الملك، أو تنحيه، أو أنه صار عزيزاً بعد عزل العزيز السابق أو موته… أو تفسير (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) أو تفسير (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ… ) كل هذا سيكون تفسيراً ظنياً من أية جهة أتى. لأن القرآن لم يزودنا بالتفاصيل اللازمة، ولأن تفاصيله مما لا يلزم لنا كتشريع يجب أن نسير عليه. ولا يعدوا ما ذكرناه نحن أيضاً أن يكون ظنياً كغيره. ولكن يفترق عن غيره أنه ينسجم مع ما يليق بالأنبياء من التقوى والإيمان ولا يتعارض مع عصمة الأنبياء المقررة في أصول الدين. وكم هو بعيد هذا الفهم عن الحق عندما يعارض كلاماً قطعياً أتى على لسان يوسف نفسه عندما أنكر على الآخرين عقيدة الشرك وترك التحاكم لله وحده كما مر معنا. ونحن بسيرنا على هذا المنوال ببيان ما كان عليه سيدنا يوسف عليه السلام لا نريد أن نطلع برأي آخر يدعم رأينا بعدم جواز المشاركة في أنظمة الكفر، فرأينا هو حكم شرعي وليس حكماً شرعياً ظنياً، وهو قطعي الثبوت قطعي الدلالة.

l إن القول بأن الحكم بما أنزل الله هو من الأصول وليس من الفروع هو كلام في غير محله. ذلك أن العقائد محلها القلب والأحكام الشرعية محلها الجوارح. والعقائد تشكل الأساس للأحكام الشرعية، بينما هذه من مستلزمات العقيدة. والعقيدة تتعلق بالإيمان وتدخل فيها المغيبات بينما تتعلق الأحكام الشرعية بأمثال الإنسان كالبيع والشراء والصلاة والحكم بما أنزل الله.

والحكم الشرعي المتعلق بأفعال العباد يحمل جانبين:

أحدهما نظري اعتقادي يجب الإقرار به، فهو من هذا الجانب متعلق بالعقيدة. وعدم الإقرار به قد يؤدي إلى الكفر أو المعصية بحسب واقعه إن كان قطعياً أو ظنياً.

وثانيهما عملي يتعلق بتنفيذه.

فالصلاة فرض ويجب الإقرار بها كفرض، وعدم الإقرار بها كفرض يؤدي إلى الكفر.

والصلاة فرض ويجب القيام بها كفرض وعدم القيام بها كفرض يؤدي إلى المعصية.

والخمرة محرمة ويجب الإقرار بتحريمها. واستباحتها تؤدي إلى الكفر.

والخمرة محرمة ويحرم شربها. ويؤدي شربها إلى المعصية.

وكذلك الحكم بما أنزل الله فهو فرض. والإقرار بذلك متعلق بالإيمان للنص القطعي الذي تناوله. أما تنفيذه فهو طاعة وعدم تنفيذه فهو معصية. فالذي لا يحكم بما أنزل الله يكفر إن كان غير مقر به أو جاحداً له، ويعصي من غير كفر إن كان مقراً به ولكنه غير مطبق له. لذلك فإن القول بأن الحكم بما أنزل الله هو من الأصول المتفق عليها فإنما يعني الجانب الأول. وهذا صحيح أما الجانب الثاني أي الجانب العملي فإنه يتعلق بالشريعة وتطبيقها، وهو من هذه الزاوية يدخل في موضوع: هل هو من شرع من قبلنا أو ليس من شرعهم.

ومن هذه الزاوية فقد أثبتنا أن سيدنا يوسف لم يشارك في الحكم ولا يجوز تفسير ذلك على هذا النحو ولكن أمثال هؤلاء ممن يدّعون العمل إن أصروا على مقالتهم هذه فإنها مردودة عليهم من نفس لغتهم. لأن شرع من قبلنا كان للعلماء فيه رأيان: رأي يقول بأن شرع من قبلنا ليس شرع لنا، وعلى هذا يكون فهمهم بجواز المشاركة في الأنظمة الجاهلية مردوداً عليهم بهذا الرأي. ورأي ثانٍ يقول بأن شرع من قبلنا ليس شرع لنا ما لم ينسخ. وقد دلت الآيات الكثيرة، ودل واقع الرسول وهو يخط الطريق لإقامة الحكم بما أنزل الله، ودلت العقيدة، وأصول الأحكام كلها على عدم جواز المشاركة. بل إن الإسلام بكليته ليرفض مثل هذا الفهم. أي لو كانت المشاركة في الأنظمة الجاهلية مشروعة في شرع من قبلنا فهي مما نسخته شريعتنا لورود الأدلة الكثيرة التي تحرّمه.

وإن القول بأن كل ما يذكر من سير الأنبياء وهديهم إنما يراد به التأسي والاقتداء. فهذا القول يحتاج إلى تفصيل:

إن الأنبياء جميعهم يشتركون في أمر العقيدة. فقد دعوا جميعاً إلى الإيمان بالله الواحد الخالق المدبِّر والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ).

ويشتركون في أمر التبليغ وتحمل وعثائه ومشقاته، والصبر على أمر الله، والتضحية في سبيله. قال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) وقال تعالى: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ).

ويشتركون في دعوة قومهم إلى الالتزام والطاعة. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ).

ويشتركون في تكذيب أقوامهم لهم واستهزائهم بدعوتهم. قال تعالى: (يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ).

ويشتركون في أن الله جعل العاقبة والنصر لهم في نهاية الأمر، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).

وهكذا كانت الدعوات جميعاً تشترك في أمور كثيرة ذكرنا بعضها، وقد كان للسابقين مواقف تذكر. وقد ذكرها الله سبحانه لنا من أجل أن نتعلم منها وأن نعتبر ونتعظ ونتذكر لما فيها ونتذكر لما في من تثبيت للإيمان وتقوية للعزائم وإحسان للصبر، ولنتأكد أن سلسلة الدعوة واحدة في عقيدتها ودعوتها إلى الالتزام ومنهج العليم الخبير، وعاقبتها. وقد جاءت الآيات لتنير للمسلم درب الدعوة وتحدثه عن طبيعة الناس في المواجهة، وعن استحكام العداء بين الكفر والإيمان، وعن الصراع بينها الذي لن يتوقف، وعن الولاء لله والبراء من الشرك، وعن التدخل الرباني بعد اختبار الإيمان وتمحيص العزائم…

فالدعوة واحدة، ومتعرجاتها واحدة، ومواجهتها واحدة، وصعوباتها واحدة، ومآلها واحد. والمطلوب فيها من الصبر والتضحية والإيثار، وتحل الأذى واحتساب الأجر عند الله، واحد.

فقصة أصحاب الأخدود جاءت لتلفتنا على حقيقة ثابتة تتمثل بقوله تعالى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).

وقصة سحرة فرعون الذين آمنوا فور رؤيتهم للحق وتهديد فرعون لهم، ذكرت لتعلمنا أن نقول ما قالوه له:     (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).

وامتثال سيدنا إبراهيم لأمر الله بذبح انبه، وقول إسماعيل لأبيه: (يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ) لتعلمنا الطاعة مهما كانت قاسية، والتضحية مهما كانت غالية.

ومن قصة سيدنا موسى أعطانا الله سنة ماضية حتى قيام الساعة بقوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأََرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ).

وقصة سيدنا يوسف أتت لتعلمنا: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).

وهكذا فإن سيرة الأنبياء تعنينا، من هذه الناحية، جدً وهي سيرة عطرة تضاف إلى بعضها لتشكل تاريخ الدعوة على مر العصور. وهذه القصص هي للتذكرة والاعتبار. قال تعالى في آخر سورة يوسف: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ) وقد طلب منها الله سبحانه أن نقتدي بهم في ذلك فقال: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ).

على أن سيرة الأنبياء يُقتدى بها في المواقف ولا يقتدى بها في التشريع. لأن الله سبحانه قد جعل لكل نبي نظاماً مختلفاً قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ولأن كل نبي كان يبعث إلى قومه خاصة بينما بعث الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس كافة. وكانت رسالته رسالةً خاتمةً، أَمَرَ اللهُ أصحاب الأديان الآخرة باتباعها وأن يتركوا ما عندهم. قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ) وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ). وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ).

ثم أن طبيعة الرسالة التي أنزلت على سيدنا محمد تختلف عن غيرها من حيث كونها خاتمة وشاملة، وتشكل الدولة الإسلامية فيها جانباً هو من أهم جوانبها، وحيث تعتبر هي الطريقة الشرعية للمحافظة على الإسلام وتطبيقه ونشره. بينما نجد عند الأنبياء الآخرين الخصوصية في الدعوة، فقد جاءت لأقوام الأنبياء دون غيرهم من الأقوام. وهذا يعني اقتصارها على زمان ومكان معينين. على خلاف الإسلام الذي جاءت أحكامه الشرعية الثابتة صالحة كل زمان ومكان. وهذا الاختلاف لا يسمح بالقياس بين الإسلام وغيره. ويجعل المسلمين يقتصرون على الأخذ منه دون غيره. لأن أحكامه مترابطة مع بعضها ترابطاً يتناسب مع طبيعته. ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر رسالة سيدنا عيسى فإنها تختلف اختلافاً واضحاً عن رسالة سيدنا محمد. من حيث أنها كانت خلقية روحية ليس فيها دعوة إلى إقامة دولة، وخاصة ببني إسرائيل. فكيف تتشابه الأحكام الشرعية بينهما؟

وإذا عدنا إلى موضوعنا فإننا لا نجد عملاً هادفاً للوصول إلى الحكم عند سيدنا يوسف. فقد كان صغيراً لا يملك الهرب من الذئب. ثم التقطه بعض السيارة، ثم شروه بثمن بخس، ثم دخل السجن لأنه رفض الغواية، ثم قربه منه الملك بعد أن أحسن تأويل الرؤيا، ثم جُعِلَ على خزائن الأرض. وكان في كل ذلك في رعاية الله وحفظه لأنه كان تقياً، وكانت العاقبة له وكانت سنة الله في أتقيائه: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).

إننا نأسف أن يأخذ منا البحث في أمر بديهي من أمور الدين كل هذا الوقت، وأنه ليدل على المستوى الذي انحدر إليه دعاة اليوم وليس لنا أن نقول إلا ما قاله القرآن الكريم لسيدنا محمد : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي… ) .

(يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *