العدد 142 -

السنة الثالثة عشرة – ذو القعدة 1419 هـ – آذار 1999م

جبهة الصراع

بقلم: محمود عبد الكريم حسن

منذ أن انبثق فجر الإسلام والصراع دائر على أشده بين أفكار الإسلام وأفكار الكفر, وبين المسلمين والكفار. وقد بدأ هذا الصراع فكريا بحتا حين بعث الرسول صلى الله عليه واله وسلم, ولم يصحبه أي صراع مادي. واستمر كذلك إلى أن قامت الدولة الإسلامية في المدينة, ووجد الجيش ووجدت القوة. ومنذ ذلك الحين أذن للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين باستعمال السلاح إلى جانب الصراع الفكري, قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ), ونزلت آيات الجهاد واستمر الصراع كذلك, وسيظل على هذه الطريقة إلى قيام الساعة. ومن هنا كان الكفر عدوا للإسلام, وكان الكفار أتباع الأهواء أعداء للمسلمين ما وجد في الدنيا إسلام وكفر ومسلمون وكفار. وهذه حقيقة قطعية ودائمية فلا بد أن يظل إدراكها واضحا لدى المسلمين في كل لحظة من لحظات الحياة, ولا بد أن تتخذ مقياسا من مقاييس العلاقات بين الإسلام والكفر وبين المسلمين والكفار.

ولقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بعد ثلاثة عشر عام من الصراع الفكري العنيف, لاقى خلالها مع صحابته من ألوان العنف والقسوة وصنوف الأذى والعذاب الشيء الكثير.

فقامت في المدينة الدولة التي تحمي ذمار المسلمين وبيضة الإسلام, وتفتح البلاد وتهدي العباد, وتنشر الرحمة وتوفر العدل والأمن لكل الناس.

ومنذ أن انبثق فجر الإسلام لم يتوقف الكفار عن التفكير بالقضاء على الإسلام ومحوه من الوجود واقتلاعه من النفوس. يشهد على ذلك ما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم, وما تلا ذلك من محاولات, كانوا كلما سنح لهم سانح ورأوا فرصة لذلك تحرك شيطانهم, وجد جدهم, وأجمعوا كيدهم, وجمعوا قوتهم للقضاء على هذا الدين.

تلك غزوة الخندق وتكالب الأحزاب للقضاء على الدولة الإسلامية وعلى الإسلام ونبيه

وتلك الحملات الصليبية وشراستها ومذابحها للقضاء على الإسلام والمسلمين. وتلك حملات التتار والمغول.

وقد رجع المسلمون بعد كل ذلك أمة واحدة عزيزة, وانكسرت شوكة الباطل وخمدت ناره, وارتفعت رايات الحق تظلل البلاد والعباد, واندفع المسلمون بإيمانهم ينشرون الهدى والرحمة شمالا وجنوبا وشرقا وغربا: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

ثم لاحت لائحة وسنحت سانحة, فجمع الكفر كلمته وحمل حملته رغم كل الخلافات والاضطرابات فقد كانت الكلمة المتفق عليها: القضاء على الخلافة والقضاء على الإسلام.

هدموا الخلافة, ومزقوا البلاد, وجعلوا الدولة دولا, والأمة شعوبا وأقواما متباغضة. وكاد الكفر كيده, فجعل لكل قوم قضية, وأدل الشرفاء, وحكم بهم الأنذال والأرذال. فقد زالت دولة الإسلام, وزال حكم الشريعة, وصار الكفر ميزانا وعدلا, وصار الإسلام إرهابا وتخلفا وجهلا, وصار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تهمة وشبهة. الفرصة إذا مناسبة للقضاء على الإسلام: لقد تم القضاء على دولته, دولة الخلافة, وتم فصله عن الحياة, واستبدل الكفر به. ولكن المسلمين مازالوا مسلمين, وهذا لا يرضي الكفار. لقد كان المخطط بعد القضاء على الدولة الإسلامية وتقسيمها وإخضاعها للكفر والكفار وعملائهم أن تيأس الأمة من الخلاص مما هي فيه من ذل وخنوع فتستسلم.

لقد اصطنع لها الكافر وعملاؤه قضايا مختلفة وأنظمة كثيرة وأحزابا ومنظمات عديدة. وألقمها من توافه الأفكار ما شاء: شيوعية ورأسمالية وديمقراطية وقومية ووطنية تتلهى بها. ووظف عليها زعماء يتاجرون بهذه الشعارات يلوكونها ويتقيأونها كما يرسم لهم. ونصب عليها صعاليك يقودونها ويشغلونها بتوافه الأمور يسمونها قضايا, وبالكفاح الرخيص وبالنضال العبثي. ومهما فعلت في قبضتهم كالفريسة في القفص.

كل طرح كان مسموما, وكل سم كان مسموحا ومشبعا, كل تافه من الأقوال يطبل له ويزمر, ويبهرج, ويحتفل به فيصير نهجا وطريق خلاص, وفلسفة تغيير ونهضة. ويصير صاحبه بطلا أو مفكرا منظرا عز له النظير.

أما الإسلام فصوره تخلفا ورجعية, لا يدرسه إلا الراسبون ولا يلتزم به إلا الجهلة المنتفعون. هكذا ساق الكافر أمتنا. ومرت سنون والأمة في سبات وغفلة, وتحولت عندها, بفعل العملاء والتضليل والتيئيس, الآمال العريضة أحلاما مستحيلة: الوحدة, القومية, فلسطين, التحرير, القدس وسائر المقدسات, العزة والكرامة, طرد اليهود, القضاء على الاستعمار, النهضة… كل هذا تبخر وصار مستحيلا, وكل النضالات لأجل ذلك رأوها مضيعة وقت وعبثا!

زعماء وقادة وأبطال كل هؤلاء تبينت الأمة أنهم كانوا دمى, تحركها يد الكافر, وكل هؤلاء ثمنهم دريهمات.

وصارت أميركا الحكم في قضايانا وراعية العدل والسلام, وصار اليهود أبناء عمنا, والأرض لهم وليست لنا, والوحدة لا تفرض فرضا, وإذا الواقعية والاعتراف بالعجز وضرورة التبعية للكفر وزعمائه فلسفة وحكمة وسياسة المحنكين. وإذا رواد المقاطعين والمبحوحين من شعارات: (لا مفاوضات, ولا صلح, ولا اعتراف) قد اعترفوا وتنازلوا عن كل شيء منذ زمن بعيد. وكل الشعارات كلام فارغ  وخطب جوفاء وطلاء على الجدران.

إسرائيل يجب أن تكون حدودها آمنة, وتهديدها من المحرمات وتهديد أمنها خيانة! وإذا حلقت في أجوائنا وقصفتنا وقتلتنا فيجب أن نثبت للعالم أننا طلاب سلام ولسنا إرهابيين, ولن نسمح لها أن، تفرض علينا زمان المعركة ومكانها. فلتفعل – هي أو غيرها – ما تشاء, فلن نحرك ساكنا لأننا حكماء, وإسرائيل لا تستطيع استفزازنا. وفعلا, لقد حققت أنظمتنا نصرا ضد شعوبها لا مثيل له, إذ لم ولن يستفزها شيء إلا إذا كان هذا الشيء إسلاما. ولا تعجل أخي, فهناك أكبر. فكل هؤلاء القادة التاريخيون من حماة العدل والإسلام والسلام إلى أبطال الصمود والتصدي, إذا  هم  جميعا يقاتلون تحت إمرة أمريكا ضد العراق,ويدافعون عن القرارات الأميركية.

وخرج مرة أخرى أبطال الأمس ليقدوا ولينظروا :علينا أن نكون واقعيين, ليس بالإمكان أفضل مما كان.

وليتبجحوا بنضالاتهم وتضحياتهم وبسلام الشجعان.

نعم, لقد مر زمن غفلة وسبات سلمت فيه الأمة زمام قيادها للعملاء والخونة, وصارت كلما طرحت عليها قضية لهثت وراءها إلا قضية وجود الإسلام في الحياة.

وحان الوقت لتستسلم الأمة لعدوها  الكافر, وليملي عليها عقيدته ودينه ويخرجها عن دينها.

 ولكن الكافر واجه مشكلة لم يكن يتوقعها, ولم يحسب لها حسابا. فالأمة لم تيأس اليأس المخطط له, وإنما  يئست من كل ما جربت, ومن كل العملاء وطروحاتهم. وبدل أن تقول للكافر هذه أعناقنا افعل ما تشاء, وهذه  أجسادنا قطع  ووصل كما ترى, بدل ذلك لجأت إلى الله سبحانه وتعالى. والحمد لله.

لقد كان ثمة روح تسري في الأمة منذ  منتصف القرن تقول لها: إن كل هذه القضايا خدع, إن كل هؤلاء الزعماء رويبضة عملاء خونة.

إن القضية المصيرية هي استئناف الحياة الإسلامية بالخلافة, إن الخلافة هي أم القضايا وتاج الفروض. إن الإسلام عقيدتكم ومنهاج حياتكم.

ولذلك فإن الأمة لم تيأس إنما استيقظت, والحمد لله. فترة من الزمن, وجيزة, وإذا شيء اسمه الصحوة الإسلامية يملأ الدنيا طولا وعرضا, وإذا الأمة تبصق على حكماها ليل نهار, وتشير إلى حكامها وقادتها بأنهم عملاء وخونة, وتنبذ كل أثر فيها الاشتراكية أو قومية أو علمانية أو ما شاكلها. وتنادي بأن الإسلام هو الحل, وهذا عام, فالحل تحديدا هو الخلافة.

الإسلام فيه كل الحلول لكل القضايا والمشاكل, وما نحن فيه مشكلة يجب تحديدها ويجب تحديد الحل لها. إن المشكلة هي تغييب الإسلام عن الحياة, والحل هو تسيير الحياة وكل شؤونها بالإسلام. وهذا لا يتم إلا بالخلافة. والأمة  لمست الطريق. عودة الخلافة هي القضية المصيرية. إذن, واحد من اثنين: الخلافة  أو الموت. والثالث إلى الجحيم.

الكافر يجفل, يعلن حالة الطوارئ, يدرس الأمر, يتبين حقيقته. أخبار الإسلام تتصدر كل الأخبار, الخلافة, الإسلام كاملا, البديل الحضاري عن كل المبادئ في العالم. الكافر فكر وقدر, فقتل كيف قدر… نعم فكر وقدر ونظر وعبس وبسر. فالأمر خطير, والوقت ضيق, والأمر لم يكن بالحسبان, كل المشاريع السياسية تعطلت, في الساحة عدو  جديد وخطر, وعلاج  الصحوة إذا لم يوجد فستحرق أخضر الكفر ويابسه, هكذا رأي الكافر.

ثم وضع الكافر العلاج, أو ظن أنه هكذا فعل. لقد أدرك أن القضاء على الإسلام ليس كالقضاء على أي شيء آخر, فهو ليس شيئا يزول بزوال دولته, أو بتقديم بديل عنه. إنه شيء معقود عليه في القلب, ومتمكن في قلب النفس, ومتشبث بكل خلية وشريان فيها. الأمة التي كانت تحتضر على فراش الموت, والكافر سكينه مشحوذة ويسكر منتشيا مع عملائه حكام الأنظمة, مطمئنا إلى أنه سيذبحها بعد لحظات من الوريد إلى الوريد, هذه الأم تنتفض فجأة. آمالها أكبر من كل أحلامها الأولى, وتفكر على أساس الإسلام, وتنقاد لأعظم فكرة لتسير في أكرم طريق: الإسلام.

الكافر فكر. كيف فكر؟ وماذا رأى؟

المواجهة  الفكرية لا يمكن التفكير بها, لأن الإسلام هو المنتصر لا محالة, لأنه حق والكفر باطل, (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). وحرب الدعايات والتشكيك بالإسلام وبعقيدته وبنبيه وبكتابه لم تنجح ولن تنجح, ولن تزيد هذه المسلمين إلا تمسكا بالإسلام وتوحدا على القرآن, وهذا يقضي على الكفر ويقتلعه من جذوره. وحرب الكفار العسكرية المعلنة خاسرة لا محالة, وهي تزيد الصحوة على الإسلام وتؤجج مواجهة الكفر.

لم  يجد الكافر بدا إزاء هذا الخطر من تركيز وتكثيف قواته وعسكره في بلاد المسلمين, كما هو حاصل اليوم, والسيطرة الكاملة على كل قوى  المسلمين, وليس هذا موضوعنا.

ولكن كيف يقضي على الإسلام؟ لم يجد الغرب ضالته لإبعاد المسلمين عن دينهم ولاقتلاع الإسلام من النفوس إلا بأن يجعلهم يتركون دينهم دون أن يدروا ما يفعلون, كما كانوا سابقا في ظل الأفكار التي روجها فيهم  ولهم, يقتلون أنفسهم ويسلمون رقابهم لعدوهم وهم يحسبون أنهم يصنعون العز والمجد. وهكذا كان المخطط, أن تتمسك الأمة بالكفر وترضى به وتدعو له متوهمة أنه الإسلام. أن تطبق الكفر مطمئنة أنه الإسلام, وأن تسير خلف  من تظنهم حريصين على الإسلام وتطبيقه وتحقيق النصر له, وهم في الحقيقة  معاول هدم له, وأدوات للكفر في تنفيذ مخططاته. وإن أفضل من يمكن أن يقوم بهذا الدور هم المسلمون أنفسهم, أبناء الأمة. ولذلك خطط الكافر أن يصنع  للمسلمين قادة ليقودوها ويعلموها الإسلام الجديد. فتعطى الأمة أفكار الحضارة الغربية تحت عنوان الإسلام. فإذا تحقق هذا واستتب الأمر وتجرعت الأمة السم تظنه الترياق وتكون قد انتهت. ويكون قد تم اقتلاع الإسلام من النفوس أيضا. ولقد رأينا حكام أمريكا يعلنون غير مرة أثناء اعتداءاتهم الكثيرة على المسلمين في العراق وليبيا والسودان وغيرها, أنهم لا يقصدون الإسلام, فالإسلام بالنسبة إليهم حضارة محترمة. وها هو الفاتيكان يعتذر للمسلمين عن الحملات الصليبية, فقد نشرت جريدة الغارديان في 25/9/1998 أن »البابا البولندي يتعرض ألان للضغط  من مستشاريه كي يعتذر عن الحروب الصليبية« وذكرت أيضا نقلا عن جريدة لاريبوبليكا بتاريخ  24/9/1998 أن »فعل التوبة الهام هذا سيحصل في 8 آذار سنة2000 حيث يقوم خلال قداس بطلب السماح بالنيابة عن الكنيسة لأخطائها الأكثر بروزا«. وهذا روبن كوك أيضا وزير الخارجية البريطاني يصرح بما يوهم احترامه وتقديره للإسلام وحضارته وسبقه إلى ذلك الأمير تشارلز ولى العهد البريطاني. وعلى سبيل المقارنة نتذكر إزاء هذه المواقف موقف رئيس وزراء بريطانيا جلادستون عندما كلف نفسه عناء حمل القرآن إلى مجلس العموم ليرفعه أمام النواب ويعلن أن لن تقوم لهم قائمة مادام هذا الكتاب في أيدي المسلمين. إن هذا وغيره يؤكد أن الكفر يرى ضرورة إعلان موقف  سلمي مع الإسلام وموقف متفهم كي يساعد على تنفيذ الخطة, فلا تستفز الأمة ضد الغرب وأفكاره. بينما تكون حربه  خفية وبصمت. الخطة إذن القضاء على الإسلام بصمت, وهذا يتم بيد مسلمين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا.

ولذلك لا بد من فتح أبواق الإعلام والشهرة لتلميع هؤلاء وأمثالهم لتقتنع الأمة بهم أنهم علماء لا نظير لهم, وأنهم دعاة عالميون, وأنهم مفكرون من الطراز الأول, وأنهم ورثة الأنبياء ولا بد لاستكمال الخطة من تشويهه الدعاة المخلصين, حركات وأفرادا, الذين لا يسيرون في هذا المخطط ولا ينخدعون به, ولا بد من القضاء عليهم وإسكات  صوتهم إلى الأبد بشتى الأساليب من قتل وتعذيب وتهديد وتضليل. ويشارك في هذا المخطط كل دول الكفر ومعهم حكامنا وأدواتهم وأذنابهم وأبواقهم. إن كل من يفهم الإسلام فهما صحيحا كعقيدة ينبثق عنها نظام للحياة يسهل عليه اكتشاف هذا المخطط وأدواته. ولقد تم إعداد الكثيرين له, وخدع به كثيرون وساروا فيه, بل وسار فيه أيضا  رجال يقودون حركاتهم. ويساهم فيه مراكز دراسات عربية كمركز دراسات الوحدة العربية ومركز دراسات الإسلام والعالم وغيره, وأنشئ لأجل هذا المخطط المعهد العالمي للفكر الإسلامي في أميركا وفروعه الكثيرة المنتشرة في العالم. وأعد له رجال في جامعات ومعاهد علمية, واستصدر لأجله مجلات يكتب فيها هؤلاء الرجال كمجلة الإنسان ومجلة قراءات سياسية على سبيل المثال. وتساهم في هذا المخطط كل وسائل الإعلام, إذ هي بأيدي الكفار وعملائهم, وتستغل لهذا المخطط المحطات الفضائية التي تدس السم في الدسم, وتبث برامج ولقاءات تناقش أفكارا إسلامية سياسية تحشوها بالمغالطات. وكل هذا تحت ستار الدعوة إلى الإسلام ونشر الفكر الإسلامي, فيروجون لفكرة الحوار  وقبول الرأي الآخر واحترام الكفر تحت شتى الحجج, ويشجعون البنوك الرأسمالية بحجة أن اسمها إسلامية, وينادون بأفكار الاقتصاد الغربي بعد أن يقولوا أنها إسلامية ويخدعون الناس ببضعة أفكار أو أحكام أو برامج تكون بمثابة الطعم الذي يقود إلى الفخ. ومن ضمن هذا المنهج والعمل له هذه الفتاوى والآراء التي تصدر للناس بالآلاف بكثافة عالية عبر وسائل إعلام الأنظمة, وعبر الكتب والصحف والمجلات, وهي تدعو إلى مصالحة الأنظمة أو مهادنتها, وإلى الالتفات  والتركيز على العلم والإبداعات العلمية, والتي تركز على جواز التعددية العقدية والفكرية والحزبية وعلى دمج  المسلمين بالمجتمع في الغرب. ومن ضمنه تأتي الأفكار والفتاوى التي تقول بأن الإسلام ديمقراطي, والتي تدعو إلى قبول وجود أحزاب تقوم على عقائد كفر, وعلى قومية ووطنية, وتدعو إلى قبول نظام الحريات العامة, وبالتالي تحرف  الإسلام وأحكامه, وتقدم أفكار الغرب كالقول بجواز تولي المرأة للحكم, وتلغي عقوبة قتل المرتد, وتبيح المعاملات  الربوية, وتصور أن رفض المسلمين لحكامهم ولسياساتهم هو جهل وإرهاب. ومنه الفتاوى التلفزيونية المتكررة بأن  الجهاد انتهى وقته, وقد حل عصر الفضائيات والإنترنت, ومن يقول غير هذا فهو جاهل أو إرهابي أو…..

وفي هذا السياق يأتي تسويق هؤلاء الملمعين المبرزين لفكرة حقوق الإنسان والشرعية الدولية وما شاكلها, مستغلين جمال الكلمة وعواطف الناس, ويعمون على الناس حقيقة معناها وأسسها وكلها نواقض للإسلام.

وفي هذا السياق تأتي الفتاوى التي تبيح للمسلم الدخول في أحزاب كفر في بلاد المسلمين تحت مبررات المصلحة أو الوطنية, وفي بلاد الغرب كالحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري في أمريكا وكالحزب الاشتراكي في السويد وغيرها, وما ذلك إلا لحرف المسلمين عن دينهم وذوبانهم في شخصية الكافر.

ومنها  الفتاوى التي تبيح للمسلم انتخاب نصراني يمثله في المجالس التشريعية في بلادنا, أو لانتخاب نصارى أو يهود في بلاد الغرب وتشجيع ذلك, وتشجيع دفع  المال لهم في حملاتهم الانتخابية بحجة إثبات الوجود والتأثير في سياسة البلاد وما شاكلها من الترهات.

ومنها ما تقوم به بعض الحركات الإسلامية من العمل على التحول إلى أحزاب علمانية تسمح بدخول  الشخص فيها مهما كان دينه وعقيدته وأفكاره بحجة مخاطبة المسلمين والكفار معا. ومنها الفتاوى التي تسمح للمرأة بخلع خمارها وإظهار عورتها في السبيل طلب العلم. ومنها فتاوى جواز المشاركة في الحكم ولو كان بغير ما أنزل الله تحت شتى الحجج والمبررات. ومنها فتاوى المساواة بين المرأة والرجل وجواز زواج المسلمة, بالكتابي. ومنها القول بوحدة  الأديان الثلاثة  ورجوعها كلها إلى ملة إبراهيم عليه السلام.

ومنها…ومنها…ومنها…

وفي هذا السياق يأتي الهجوم المركز على فكرة الخلافة, والدولة الإسلامية, وطلب النصرة. ومنها تشويه المسلمين الذين لا يسيرون في ركاب هذا المنهج  وترويج الإشاعات عليهم ومحاولة إلصاق التهم الباطلة بهم. ولأن  هذا المنهج وهذه الفتاوى والأفكار منقوضة بالأحكام الشرعية نقضا قطيعا, فإن زعماء هذا المنهج يعمدون إلى تزوير  أصول أو قواعد بدعية يزعمون أنها تبرر لهم تغيير الأحكام الشرعية والإفتاء بفتاوى تناقض الأحكام الشرعية  وتناقض النصوص القطعية. فيطلع علينا هؤلاء من خلال الإمكانيات التي أعطيت لهم بألفاظ يعممونها في غير موضعها, يزعمون  أنها أسس شرعية, وما هي إلا أخطر بدع العصر على الدين, يغير الدين بها وكل ذلك باسم الإسلام, وذلك كفقه  المصالح والضرورات, وفقه الواقع, وفقه الموازنات, وفقه الأولويات, ويقومون لأجل ذلك بالتركيز على فكرة مقاصد الشريعة بعد أن يحرفوا معناه فيصير المهم بنظرهم المحافظة على الغاية بغض النظر عن الحكم أو النص, فيصيح لسان  حالهم وواقعهم أن الغاية تبرر الوسيلة أو الواسطة. وكأن الله سبحانه وتعالى يأمر بشيء ويقصد شيئا آخر, وكأنه  تعالى  يقول في النص افعل كذا ولكني لا أقصد أن تفعل ما آمرك به. لقد ذبحوا الدين والشريعة على أعتاب مصالحهم  وبدعهم وانساقوا عن رضي أو عمى ينفذون  للكافر مخططه ويقدمون للمسلمين دينا آخر وأحكاما أخرى وشريعة  أخرى غير الإسلام, ولكن تحت عنوان الإسلام وباسمه. يقدمون دين أميركا ودين بريطانيا وفرنسا ويقولون للمسلمين: هذه إسلام. إنه الخروج على الدين باسم الدين وإنهم الخوارج الجدد خوارج هذا العصر. ولا يعتمد  الخوارج الجدد في تحريفهم للدين على حجة أو دليل. وإنما يعتمدون على تحريف معاني النصوص, وعلى اجتزاء أقول العلماء المعتبرين, وعلى جهل العامة ومخاطبة العواطف, وعلى التشكيك بمن يتصدى لعمالتهم وخروجهم, وعلى استعداء الأنظمة عليهم لإسكات صوتهم. إن الكفر كله غارق في هذا المخطط وفي مقدمته أميركا وبريطانيا وفرنسا. ورأس الكفر فيه أميركا. ولقد استطاع أصحاب هذا المخطط الشيطاني أن يحرفوا بعض المخلصين غير المتمرسين بالعمل الإسلامي وغير المبدئيين في فهمه وحمله. وهم ما زالوا يعملون للانحراف بفئات أخرى من الذين يسمونهم  إسلاميين أو أصوليين أو إرهابيين. ومن لا يسير معهم  يعملون لمحاصرته وإسكاته حتى يذوب في دعوتهم أو ينتهي أو تتم تصفية جسديا. إن شعاركم العملي أيها المسلمون هو قولة رسول الله صلى الله عليه وسلم: »والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن  أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه«.

وقوله صلى الله عليه وسلم: »فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة«.

وإن الكفر مهزوم لا محالة بإذن الله تعالى, فنحن بحقنا وإيماننا وإسلامنا أقوى منه بكفره وباطله, ونضحي في سبيل الله أكثر آلاف المرات مما يضحون في سبيل باطلهم. وكلمتنا واحدة وحق, لا تتبدل ولا تتغير لأنها حكم الله, وكلماتهم متضاربة متغيرة زائلة زاهقة لأنها باطلة والباطل خلقه الله زهوقا.

أيها المسلمون, اقرأوا واسمعوا قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ @ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ @ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ @ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ).

وقوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ @ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ @ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *