العدد 182 -

السنة السادسة عشرة – ربيع الأول 1423هـ – أيار وحزيران 2002م

ضرورة التصدي لسياسات السوق والعولمة

ضرورة التصدي لسياسات السوق والعولمة

إن أخطر ما في الرأسمالية هو انجرار الناس لها انجراراً غريزياً، ففيها من الخداع ما يظهر لغير المتعمق أنها لا تخالف ما يؤمن به من مفاهيم وقيم، ويظن غير المبدئيين أن الرأسمالية فكرة حيادية كالعلم والصناعة والمدنية، وهنا مكمن الخطر وأصل الداء. وإنه لأمر مثير للقلق أن ينساق المسلمون للرأسمالية لا سيما لنماذجها الأخيرة كسياسات السوق والعولمة التي بدأت تنتشر في المسلمين سريعاً كانتشار النار في الهشيم، مع عدم ظهور أية معارضة جادة لهذه النماذج، بل مع عدم إدراك المسلمين لخطورة الرأسمالية وخاصة نماذجها الأخيرة.

======================================

          ومن هنا كان لا بد من توجيه المسلمين لخطرها وخطورتها وحملهم على مواجهتها والتصدي لها، لذلك كان لا بد من إدراكها أولاً إدراكاً يسهل معه ضربها وهدمها، وتحطيم أضلاعها.

          وعند الحديث عن سياسات السوق والعولمة لا بد من معرفة أنها إفرازات طبيعية للرأسمالية بوصفها الأساس الذي انبثقت عنه كل هذه النماذج الاقتصادية المتنوعة والمتعددة في الدول الرأسمالية.

          إن شقاء العالم بسبب الرأسمالية منذ – آدم سميث واضع أسسها حتى اليوم – راجع إلى حرية التملك التي نشأت عنها الرأسمالية، وحرية التملك هذه لم يطرأ عليها أي تغيير جوهري، والتغييرات التي دخلت عليها إنما كانت في الشكل والمظهر الخارجي لا في حقيقتها. وهكذا بقي العالم يرزح تحت وطأة الرأسمالية وحرية التملك، وبقي الناس مكتوين بنارها، حيث إن حفنة قليلة من الأغنياء حازت على أكبر كم من الثروة بينما الأكثرية هم من الفقراء الذين يقتاتون على فتات موائد تلك الحفنة الغنية.

          وكلما ظهر للعالم ظلم الرأسمالية واستعمارها كلما غيرت الرأسمالية جلدها وأتت بثوب جديد، والأشكال الأخيرة التي أفرزتها الرأسمالية هي أشدها خطراً، وأكثرها فتكاً في العالم أجمع، ذلك أن تطوير حرية التملك الفردية إلى حرية تملك دولية أحال حفنة من الأغنياء في حفنة من الدول يتحكمون – لا بدولهم فحسب – بل وفي غالبية دول العالم وشعوبها، إذ إن تحكم الأفراد في العلاقات التجارية بين الدول ركز القوى الاقتصادية الهائلة عند هؤلاء الأفراد الذين تستروا خلف الشركات العملاقة متعددة الجنسيات والتي جعلت من الحكومات والدول مجرد وسائل لبسط سيطرتها على العالم. وأما الدول والحكومات فقد وجدت في الشركات ضالتها لتحقيق سيطرتها على الدول والشعوب الضعيفة، إذ بدلاً من فرض استعمارها بشكل مباشر استخدمت الشركات كقناع لها تخفي خلفه أطماعها الاستعمارية.

          وأميركا اليوم بوصفها الدولة الرأسمالية الأولى في العالم تسعى لأن تمد نفوذها ونفوذ شركاتها وأثريائها إلى الأسواق المفتوحة والمغلقة التي تنأى دولها بنفسها عن الاندماج في التجارة العالمية. وتسير أميركا في مسعاها ذاك باستعمال نماذج جديدة من الرأسمالية تعتمد على العالمية. وكانت سياسات السوق هي النموذج الذي فضلته الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى بعد الحرب العالمية الثانية، وكان أساًساً للنموذج الذي تلاه وهو العولمة.

          أما سياسات السوق فيقصد بها تخفيف أو إنهاء تدخل الدولة في التجارة بوجه خاص وفي الاقتصاد بشكل عام، وتستهدف سياسات السوق حمل الدول على رفع الحواجز الجمركية التي تقف أمام التجارة الدولية مثل سياسات الحماية التجارية كمنع استيراد سلع معينة لحماية سلع مماثلة منتجة محليا، أو كفرض رسوم جمركية عالية على بعض الواردات أو كدعم بعض المنتجات المحلية، أو كوضع سقوف لحجوم التبادل التجاري.

          ومن أجل فتح الأسواق أمام الاستثمارات الأجنبية روجت أميركا ومعها الدول الغربية والرأسمالية لفكرة خصخصة القطاع العام، أي حملت الدول التخلي عن دورها في إدارة الاقتصاد لصالح الأفراد والشركات المساهمة، أي لصالح القطاع الخاص.

          ولخدمة سياسات السوق هذه سعت أميركا ومعها الدول الغربية الرأسمالية الرئيسية إلى تحويل اتفاقية «الجات» وهي: «الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية» إلى منظمة التجارة الدولية، وبذلك لم تقتصر القوى الرأسمالية الكبرى على مجرد تنظيم العلاقات التجارية بين الدول الراغبة في ذلك، بل تفرض ذلك التنظيم وفقا لسياسات السوق وتفتح أسواق تلك الدول أمام منتجات واستثمارات الدول الغنية لتبقى الدول الفقيرة تحت سيطرة الدول الغنية وللحيلولة دون تمكينها من بناء اقتصادها على أسس قوية راسخة قد تؤدي إلى تحريرها من قبضة الدول الغنية.

          وخاضت أميركا مع الدول الأوروبية الرئيسية واليابان حروبا اقتصادية عنيفة في التسابق على السيطرة على الأسواق من خلال فرض سياسات السوق، وفي خضم هذا التسابق على الأسواق أنشأت تكتلات اقتصادية ضخمة منها:

  1. تكتل النافتا: ويتألف من أميركا وكندا والمكسيك.

  2. تكتل الأيباك: ويتألف من دول النافتا وكل من أستراليا ونيوزلندا واليابان وما يسمى بدول نمور آسيا المطلة على المحيط الهادي وهي دول جنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية وهونج كونغ وسنغافورة وتايوان.

  3. دول الاتحاد الأوروبي (السوق الأوروبية المشتركة سابقاً) وهي الدول الخمس عشرة المعروفة.

          ولقد اتخذت الدول الأكثر غنىً في العالم من نفسها أداة لصنع القرارات الاقتصادية والمالية العالمية، واشتركت في نشر سياسات السوق وجني المنافع العالمية وهذه الدول هي: أميركا، اليابان، وألمانيا، فرنسا، إيطاليا وكندا.

          الحقيقة أن سياسات السوق الرأسمالية كانت هي المقدمة الطبيعية لظهور العولمة، ذلك أن المنافسة العالمية الشديدة في تصدير المنتجات إلى الأسواق النامية والاستهلاكية بين الشركات الأميركية والأوروبية واليابانية حثت المفكرين الاقتصاديين في الدول الأغنى والأقوى في العالم وهي أميركا على البحث عن وسائل جديدة تساعدها على التفوق على منافساتها من أجل الاستحواذ على النصيب الأكبر من الأسواق، فقد انبرى فريق من أساتذة الجامعات الأميركية في أواخر الثمانينيات يذودون عن هذه الفكرة، فاهتدى نفر منهم إلى فكرة «إعادة هيكلة» الشركات وذلك بإعادة النظر جذرياً في أعمالها سواء في الإنتاج أم في التسويق أم في غير ذلك، ولاقت هذه الفكرة رواجاً لدى أرباب المال والأعمال، بالرغم من أن بداية تطبيق الفكرة أدى إلى إقفال بعض المصانع وإنهاء بعض الشركات وتسريح أعداد كبيرة من العمال والموظفين بسبب نقل هذه الشركات لمراكز أعمالها من أميركا إلى الدول المراد السيطرة على أسواقها كإندونيسيا والفلبين وتايلاند والمكسيك والبرازيل وغيرها.

          إن هذه الفكرة وهي إعادة هيكلة الشركات ونقل أعمالها إلى خارج أميركا هي التي سميت بالعولمة، ومن هذا الواقع تحديداً وليس من غيره نشأت فكرة العولمة «GLOBALIZATION» في نهاية الثمانينيات وتحديداً في العام 1987وما أن جاءت سنة 1992 حتى أصبح مصطلح العولمة يتصدر الأبحاث الكثيرة ويملأ الكتب والمجلات والدوريات. ففي هذه الفترة عاشت أميركا في ضجة سياسية عارمة ومخاض فكري عنيف فخرجت العولمة من رحم هذا المخاض، حيث حسمت الأوساط المالية والشركات الأمر لصالحها وظهر رأي عام يقول بأن العمالة ذات الأهلية والخبرة الرفيعة وذات الأجور المرتفعة لن تخرج من أميركا وأن الذي سيصدر فقط هو العمالة التي ليس فيها إلا الجهد الجسدي والرتابة المضنية والأجور الدنيا.

          لقد كان لتبني كلينتون لفكرة العولمة العامل الحاسم في نجاحه في انتخابات 1992م وذلك بعد أن أدرك الأميركيون وخاصة أرباب المال وأصحاب الأعمال فشل سياسة بوش التقليدية في التصدير، وعجز أميركا عن التفوق في المنافسة مع الأوروبيين واليابانيين. فإعادة هيكلة الشركات تعني تصدير الأعمال وليس السلع وذلك للاستفادة من توفر العمالة الرخيصة في البلدان الفقيرة، وهذا يقتضي فتح فروع للشركة الأم في الدول الأخرى، وساعدت في ترويج العولمة الشركات الأميركية المالية التي قامت باقتحام أسواق المال خارج أميركا فاستقطبت أموال الناس بشتى الطرق مثل الأسهم والسندات وأقساط التأمين والودائع المختلفة، مما أدى إلى تكديس الأموال الضخمة وتركيزها بين يدي هذه الشركات، نتج عن ذلك الهزات المالية العنيفة المعروفة التي عصفت ببورصات المال في الدول الناشئة اقتصادياً كماليزيا وإندونيسيا اللتين فقدتا نصف قوتهما الاقتصادية، وكبقية الدول في منطقة جنوب شرق آسيا التي أصابها الانهيار الاقتصادي بنسب متفاوتة.

          ولفظ العولمة كمصطلح اقتصادي استخدم في اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية منذ حوالي عشر سنوات فقط، ولا يطلق لوصف شيء ما بأنه عالمي لوجوده أو تحققه في معظم أنحاء العالم، بل يطلق لتعيين أن فاعلاً أو فاعلين أرادوا وجعلوا الشيء عالمياً، ومثاله أن تتبنى شركة ما سياسة إنتاجية تنظر للعالم على أنه صالح لأن تنتج فيه سلعها ثم تباشر إنتاجها بالفعل في أي دولة أو دول تكون كلفة الإنتاج فيها أقل مما في سواها، وعندها يقال عن الشركة بأنها «عولمت إنتاجها». فالعولمة إذن مصطلح اقتصادي متعلق بالتجارة العالمية وبالاقتصاد العالمي ولا شأن له بغير المال والاقتصاد والتجارة.

          إلا أن أميركا استعانت ببعض المفاهيم التي تساعدها في تحقيق أهدافها التجارية وفي فرض عولمتها على العالم بالإضافة إلى الأفكار الغربية الشائعة كالديمقراطية وحقوق الإنسان ومن هذه الأفكار:

  1. فكرة أن العالم أصبح قرية كونية واحدة بسبب سرعة تطور الاتصالات.

  2. فكرة أن الأعمال أصبحت واحدة وأن الشركات يجب أن تكون واحدة.

  3. فكرة ضرورة قيام الدول بخصخصة مؤسساتها استعداداً للسير بالعولمة.

          والناظر إلى هذه الأفكار يجدها أفكاراً مغلوطة قطعاً، فصحيح أن العالم أصبحت الاتصالات بين دوله أسرع، ولكن ذلك لا يعني أن الدول اتحدت وأصبحت دولة واحدة، وبالتالي لا يترتب على سرعة الاتصالات أي تغيير فكري في طبيعة الدول والأنظمة.

          أما فكرة أن الأعمال بما أنها أصبحت واحدة على الشركات أن تصير واحدة فهذه فكرة سخيفة، لأن الأعمال وإن تماثلت في الدول فلا يعني ذلك اتحاد الشركات. أما ما تريده أميركا من ذلك الاتحاد فهو ابتلاع الشركات الصغيرة وتقوية شركاتها وتحويلها إلى شركات عالمية للدخول إلى الأسواق من غير قيود أو صعوبات.

          وأما فكرة الخصخصة فهي فكرة في غاية الخطورة لأنها تعني إلغاء دور الحكومات والدول في تحريك الاقتصاد، وتعني إلغاء الملكية العامة وملكية الدول نهائيا، وهذا أمر يخالف طبيعة الحياة ويخالف منهج الإسلام ويمكن الاستعمار من الهيمنة على العالم بقناع القطاع الخاص.

          وعند تدقيق النظر في نموذج سياسات السوق وفي نموذج العولمة فإنهما يعتبران أخطر غزو اقتصادي رأسمالي عرفه العالم، لأنهما لا يحملان غطاء الدين أو غطاء الفكر المبدئي ولهذا كانا نموذجين أفظع وقعاً وأشد فتكاً من سواهما، فبهذه النماذج الرأسمالية الحديثة والتي تسمى بسياسات السوق والعولمة تستطيع الدول الكبرى أن تفرض سيطرتها بشكل مطلق وبسهولة بالغة على اقتصاد البلاد الضعيفة والبلاد الإسلامية، والله سبحانه وتعالى يقول: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) [النساء].

          وبسبب اقتصاد السوق والعولمة يتم ربط اقتصاديات البلدان الإسلامية والضعيفة ربطاً محكماً بعجلة الاقتصاد الرأسمالي النفعي الكافر ومنع بناء الاقتصاد المنتج المنفصل عن هيمنة الاقتصاد الغربي، ومحصلة ذلك هي إبعاد الإسلام عن الاقتصاد وعن الحياة ومن ثم تكريس فكرة فصل الدين عن الحياة، وهذا يعني تعطيل الشريعة واندراس الأحكام الشرعية. كما أن سياسات السوق والعولمة أيضا تعنيان إقصاء فكرة الصراع بين المبادئ والحضارات أي إبعاد الإسلام عن ساحة الصراع الفكري مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا من أجل نشر الإسلام وصرع الحضارات الأخرى، فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم خاضوا مع الرسول وبعده صراعاً فكرياً عنيفاً ضد الكفار أعقبه صراع دموي مستمر في محاربة الكفر والشرك أينما كان وحيثما حل من أجل نشر الإسلام وفتح البلاد والأمصار.

          هذا هو المنهج الرباني الصحيح الذي يجب تحقيقه في الأرض كي يتحقق النصر وترتفع رايات العقاب عالية خفاقة مرفرفة فوق كل البنود، فالتصارع بين الأفكار والمبادئ والحضارات والثقافات أمر لا بد منه، وبه وحده يتم الكشف عن معادن الحق والخير وإظهارهما، وهزيمة الباطل والشر ودمغهما، قال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) [البقرة/252]، وقال جل شأنه: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً) [الحج/40]. فبالدولة الإسلامية وتطبيقها للأحكام الشرعية المتعلقة بالنظام الاقتصادي فقط يمكن التصدي للأفكار الرأسمالية ونماذجها المختلفة لا سيما نموذجي سياسات السوق والعولمة .

أحمد الخطيب – القدس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *