العدد 433 - السنة السابعة والثلاثون، صفر 1444هـ ، أيلول 2022م

الصندوق الأسود للفكر الغربي (1)

 

ثائر أحمد سلامة

بعد دراسة بحثية مفصلة استغرقت أكثر من خمس سنوات لأصول المبدأ الديمقراطي، العلماني، الليبرالي، الرأسمالي، تبينت لنا الجوانب التالية التي تنقض الأسس الفكرية التي قام عليها ذلك المبدأ، وتظهر تناقضاتها المعرفية (الإبستمولوجية)، وتسلِّط الضوء على عجز الديمقراطية والعلمانية عن تشريع أي قانون يحقق العدالة في المجتمع، أو يبين الحقوق وينظمها، أو يبين المصلحة العامة التي ستتأسَّس الدولة بهدف تحقيقها أو يحدد الخير والشر، أو الصواب والخطأ على وجه يحقق تأسيسًا مرجعيًّا للتشريعات لتحقِّق مقاصد تشريعية وأعرافًا مجتمعية محددة. وفوق ذلك، وبعد دراسة مستفيضة للتنظير الفكري والتأسيس القانوني لمرجعية أصل السلطة أو مصدرها، بحسب منظري الفكر الغربي أنفسهم، فإن هذه الدراسة تطرح وبكل قوة مأزق الدولة الحديثة؛ المأزق الفكري المعرفي (الإبستمولوجي)  المتمثل في:

أولًا: مأزق إحداث الشرخ الفكري بين الإنسان ووظيفته في الحياة، وبين الحياة نفسها:

وقد توصلت دراستنا البحثية لأصول المبدأ الديمقراطي، العلماني، الليبرالي، الرأسمالي إلى بيان:

1- افتقار المبدأ الديمقراطي – العلماني – الليبرالي إلى وجود فكرة كلية (holistic world view) عن الكون والإنسان والحياة، الأمر اللازم لتشكيل منظومة فكرية تصلح معها إطارًا تنبثق منه أسس عقدية تنبثق عنها أنظمة لمعالجة المشاكل، سواء أكانت مشاكل اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية أم أخلاقية.

2- عدم تقديم المبدأ الديمقراطي/ العلماني سَرْدِيَّةً أو روايةً تفسرُ فيها للإنسانِ الغايةَ من وجودِهِ، فلم تَسْرُدْ له قصة وجوده وارتباطه بالخالق وبالكون والحياة، وأثَر ذلك التفسير على سلوكه بما يتضمنه من تفاصيل منهج الحياة الذي يجب أن يعيش على أساسه، وبما يحويه من نظرية قيمية تحدِّد للإنسان القيم التي يعيش لتحقيقها أو التي يمكنه اتخاذها مقاييس لأعماله. وفوق ذلك، فإنها عمدت إلى فصله عن الرواية أو التفسير الذي يمتلكه هو عن الكون والإنسان والحياة، بما عمدت إليه من قطع الحبل السُّرِّيِّ بينه وبين ذلك المنهج، وتلك القيم، فلا هي قدَّمت له منهجًا ولا تفسيرًا، ولا حتى حفلت بالقيم، ولا تركته يعيش وفق منهجه وتفسيره وقيمه! وهذا الأمر تناقض عقلي، وإشكال فكري ضخم. فإن إدراك الغاية من الوجود ليس بالأمر الثانوي الذي يمكن أن تتجنَّبه الآيديولوجيات بسهولة، ولا يمكن أن يكون أثر انعدامه من التصوُّر على حياة البشر إلا مدمرًا؛ إذ لا يمكن بحال إحداث شرخ فكري في العقل البشري بين التصوُّر عن الغاية من الوجود والمنهج والقيم من جهة، وبين الحياة من جهة أخرى، كما ولا يصح أن تخلو الحياة من ذلك التصوُّر، والعلمانية إنما هي فصل لذلك التصور عن الحياة نفسها!.كذلك، فإن فصل منهج الحياة -الذي تريد العلمانية للإنسان أن يخطه بعيدًا عن أي معتقد يضع له تصورًا عن وظيفة ذلك الإنسان في الحياة (الغاية من وجوده، والمسؤوليات والتكاليف المترتِّبة على هذا التصوُّر) – هو أمر بالغ في التناقض! فكيف لإنسان أن يعزل منهج حياته عن السؤال المركزي المتعلق بدوره ووظيفته ومسؤولياته التي وجد في هذه الحياة ليقوم بها!؛ حيث إن ذلك التصور عن الوجود والحياة لا بد أن يعطي آلية (ميكانيزما) أو طريقة أو منهجًا يبين السلوك والاعتقاد الذي يجب القيام به لأجل بلوغ تلك الغاية أو ذلك الهدف الذي لأجله يعيش الإنسان في هذه الحياة!.

ثانيًا: مأزق شرعية السلطة (مرجعيتها ومصدرها):

نظّرَ مفكرو الفكر الغربي لضرورة وجوب بناء قيام الدولة، ودستورها، وقوانينها على أساس تحقيق مبدأ السيادة للأمة، وأن تكون الأمة مصدر السلطات على الحقيقة، فسبب وجود الدولة (السلطة) يجب أن ينبثق عن هذا الأصل وأن تستند إليه لتحقيق شرعية استمراريتها، ويعتبر هذا التأصيل الضمانة الأصيلة لتحقيق سيادة الأمة أو الشعب؛ إذ إن السلطة لا تكون شرعية إلا حين تكون وليدة «الإرادة العامةgeneral will «،[1] للأمة. وأيضًا، ولأنه لا يمكن أن تتمتع الأمة بحقها في السيادة المطلقة، وأن تكون مصدر السلطات، إلا إذا تم تمكينها من ممارسة الأعمال التي تُظهر سيادتها، وأن تحقق هذه الأعمال تجسيدًا حقيقيًّا لتلك السيادة. وأيضًا، ولأنه لن تكون الأمة مصدر السلطات على الحقيقة إلا إذا كانت التشريعات والقوانين هي التعبير عن إرادتها هي؛ ذلك الشرط الذي يُبنى عليه شرط وجوب طاعة الأمة للقانون والدستور، على اعتبار أنها ستطيع الدستور والتشريعات التي تجسِّد إرادتها العامة، وتجسِّد تعبيرها عن سيادتها وامتلاكها لسلطانها طبيعيًّا! وستحتاج لمبرر لوجوب طاعة الدستور والتشريعات إن فقدت هذه الصفة!

فإن لم تكن الصلة وثيقة وحقيقية بين الأمة وبين السلطة في الشؤون المتعلقة:  بإنشاء التشريعات والقوانين، وفي اختيار السلطة، وتوكيلها بالنيابة عن الأمة في الحكم والتشريع والقضاء المتجسد في واقع سياسي، أو قانوني بما يحقق تجسيدًا حقيقيًّا وفعليًّا لممارسة الأمة لتلك السيادة، كي تكون الأمة مصدرًا للسلطات فعليًا، فإذا ما عجز الفكر الغربي عن إيجاد ذلك التجسيد الحقيقي في الدولة الحديثة، فإن السلطة المنبثقة عنه لن تكون مجسدة على الحقيقة لإرادة الأمة العامة، ولا لأصل أن الأمة مصدر السلطات، وأن لها السيادة والسلطان؛ ويترتب على ذلك أن تفقد الدولة شرعيتها، وأن ينهار عقدها الاجتماعي، وأن تتحول من سلطة ديمقراطية إلى سلطة استبدادية.

هذا وقد فشل النظام الديمقراطي – العلماني – الليبرالي قانونيًّا، وفعليًّا في ضمان تحقيق مبدأ السيادة للأمة أو أن يجعلها مصدر السلطات على الحقيقة، فلا أصل السلطة السياسية، ولا مصدرها آتٍ من «الإرادة العامة» للأمة أو الشعب، فلا يكتسب النظام شرعية قيامه من الأمة، صاحبة السيادة نظريًّا؛ وذلك لأن الأصل كان أن تتجسد تلك العلاقة بين الأمة والسلطات، عبر تمكين كافة الشعب من حقه في السيادة والسلطان، وتشريع القوانين بصورة تمثِّل كل فرد في الأمة من ذلك الحق تمثيلًا صحيحًا إجماعيًّا؛ ولكن الواقع كان صخرة صماء أمام هذه الفكرة، لأنَّ جَمْعَ الناسِ كلهم على صعيد واحد، واستشارتهم في كل أمر يتعلق بأنظمة الحكم والإدارة، وبمن يمثلهم، وبما يشرع لهم من تشريعات، وبتحديد ما هي مصلحتهم العامة، وكيف تُرعى، وأن يُجْمِعُوا على ذلك أمر مستحيل؛ فكان التنازل الأول بأن انتقل الفكر الغربي من ممارسة الحق فعليًّا إلى التمكين من ممارسة الحق[2]، وأن يؤخذ برأي الأغلبية، بدلًا من الإجماع، وكانت الصخرة الثانية باستحالة الوصول لرأي الأغلبية عبر تمكين الناس من اختيارهم مباشرة للقوانين والتشريعات والنظم التي سيحكمون بها، وبكيفية تطبيقها عليهم،

فتنازل الفكر الغربي ثانية بأن جعل تجسيد هذه الإرادة العامة، وهذا الحق في السيادة والسلطان في الواقع السياسي عن طريق انتخاب النواب، بصورة «تضمن» -نظريًّا، وتفشل عمليًّا- في تمثيل رأي السواد الأعظم أو أغلبية الأمة، بدلًا من إجماعها، ذلك الحق الذي ادَّعت أنها تأسست بُغيةَ تحقيقه!. وإلى جانب فشل الفكر الغربي في تقنين نظامٍ يضمن تمثيل القائمين على وضع التشريعات والقوانين (النواب) لرأي المجتمع وفقًا لما يحقق تمثيل كل منهم لإجماع الأمة أو حتى لرأي الأغلبية، فقد أخفقوا أيضًا في ضمانة ألّا تتركز السلطات في أيدي قلة مستبدة بالقرارات! وباستقصاء النظر وتتبع نتائج الانتخابات المختلفة في العالم في المواقع المتخصصة بتلك المتابعات، وجدنا أن الانتخابات لم تكرس رأي الأغلبية، ولا كان الفائز فيها نتاج رأي الأغلبية، وقد وثقنا هذا في غير موضع من هذا الكتاب.

فمن ناحية فشل الفكر الغربي تمامًا في وضع الآليات الضامنة لتحديد كيف تُقتنص وتُستنبط الإرادة العامة، أي الإرادة المستقلة عن إرادات الأفراد المتناقضة تجاه قضايا اجتماعهم، فلم يقم أحدٌ، لا عند سَنِّ الدستور ولا عند تشريع القوانين، بدراسة إرادات مجموع الأمة، ومن ثم طرح ما تناقض منها جانبًا، واصطفاء الباقي ليمثل «الإرادة العامة»، وبناء حلول مشاكل المجتمع وعلاقاته بناء على تلك الآراء، كما نظّر بعض المفكرين الغربيين للتأصيل لمفهوم الإرادة العامة، بل إن العلاقات -في واقع الحال في الدول العلمانية الديمقراطية- قامت على تطويع تلك الإرادات للقوانين والتنظيمات التي ارتأتها الفئات المتحكمة في المجتمع والدولة كالأحزاب السياسية والرأسماليين، والمشرّعين، فلم يعد لمفهوم الإرادة العامة من وجود في الواقع.

لقد تغافل النظام الغربي عن وضع آلياتٍ لمشاورة الناس في التشريعات التي تهمهم بحيث تعكس إرادتهم أو نظرتهم للخير أو المصلحة (إلا نادرًا)، ونواب مجلس النواب (البرلمان) لا يرجعون إلى قواعدهم الشعبية التي انتخبتهم لاستشارتها، ويتصرفون تصرفًا ذاتيًّا يُحكّم رأيهم الخاص بهم، وما خلا المسائل التي وردت في وعودهم الانتخابية، فإن الغالبية الساحقة من المسائل التي تعرض لهم خلال وجودهم في مجلس النواب (البرلمان) لم يُنْتَخَبوا على أساسها، فإما أنهم يرجعون فيها لرأي أحزابهم السياسية في الغالب، أو لرأيهم الشخصي، فهم لا يمثلون الشعب في تلك الآراء، الأمر الذي تنعدم فيه إمكانية ضمانة حقوق الناخبين أو تحقيق مصالحهم أو تمثيلهم على الحقيقة. وإذا رجعت الهيئات التشريعية في التشريعات والأحكام لرأي الخبراء، فإن الواقع أن المجتمع لم يخوِّل هؤلاء «الخبراء» تحديد المصلحة العامة وسن التشريعات بالنيابة عنهم!

ولقد فشل النظام الغربي في وضع الآليات الضامنة لتمثيل الأمة في الهيئات التي ستتجلى فيها سيادتها، بما يمثل رأي سوادها أو أغلبيتها في سلطاتها الثلاث كلها، واستعاض بالأغلبية النسبية عن الأغلبية المطلقة، فمثلًا، في الانتخابات التي فازوا بها؛ حصل الرؤساء الفرنسيون ماكرون على 18.19% وهولاند على 22.3%، وساركوزي على 25.7% من آراء من يحق لهم الانتخاب، واعتبروا كلًّا منهم فائزًا بالأغلبية، وهذه أغلبية نسبية لا تمثل الأغلبية المطلقة لآراء الذين يحق لهم الانتخاب، أي إن الرئيس في الواقع يمثل الأقلية لا الأغلبية، ومثل ذلك ينطبق تمامًا على أي نائب انتُخِبَ لتمثيل الشعب في مجلس النواب. فالسيادة إذًا، ليست للأمة ولا للأغلبية، بل للأقلية النسبية، وبالضرورة، فقد حرمت الأغلبية المطلقة، ناهيك عن باقي الشعب، من ممارسة السيادة، أي أن يتجلى رأيهم في الواقع العملي، أو أن يستند السلطان لهم فيعطونه لمن ينوب عنهم بشكل يرضونه، فكيف سنتمكن من وصف دولة فرضت رأي أقلية منها على باقي أطياف المجتمع، وفرضت خضوعهم لذلك الرأي، بأنها تمثل سيادة ذلك المجتمع على الحقيقة؟ وبالتالي فهذا يعبر عن مأزق الدولة في عدم تمثيل سلطتها للإرادة العامة، وعدم تمكين الأمة، ولا حتى أغلبيتها من ممارسة سيادتها عمليًّا أيضًا؛ لأن ما يتمخض عن هذا أن يَفرضَ النظامُ على الغالبية الساحقة من الأمة[3] أن تخضعَ لرأي الأغلبية النسبية التي اختارت الحاكم أو النائب،

إن ما يترتب على ذلك هو مأزق قانوني يُظهر عدم استناد الدستور والقوانين، بل والسلطة نفسها للإرادة العامة، وهو السند اللازم كي يستوجب الدستور والتشريعات من الأمة أو الشعب طاعتها أو الخضوع لها،  وبالتالي فهذا يؤدي بالضرورة إلى انهيار التأسيس القانوني والفكري للعقد الاجتماعي ويؤسس لجعل الوصف الحقيقي للنظام بأنه مستبد بالإرادة العامة، ومستبد بسيادة الأمة، وبأنه مفتقر إلى الشرعية الحقيقية التي جعلها أصلًا: الأساس الذي نظّر أن السلطة يجب أن تحقِّقه وتستند إليه.

هذا ولم تقدم الديمقراطية أي تبرير قانوني:  لخضوع الأقليات لرأي الأغلبية، ولا لخضوع بقية المجتمع لرأي الأغلبية النسبية التي انتخبت الرئيس أو النواب في مجلس النواب، ولا لخضوع العازفين عن الانتخابات لرأي الذين انتخبوا، ولم تستفتهم في أسباب عدم انتخابهم، وفي رأيهم في البديل لما يطرح عليهم!

لقد أهملت الديمقراطية تمامًا النظر إلى آراء شريحة الممتنعين عن التصويت، المعرضين عن الانتخابات حتى ولو كانوا 40 أو 80 بالمائة من الشعب! وتضع اللوم عليهم، ولا تطرح سؤال استفتائهم في النظام برمته، بل تستعمل الانتخابات ورأي المصوتين وسيلة لإضفاء الشرعية على الحاكم أو النائب مهما كان رأي من رفض التصويت. فهي في الواقع قد جَرَّدَت سوادَ المجتمع الأعظم، ممن لم يدخل رأيُهُ ضمن الأغلبية النسبية (والتي هي في واقعها أقلية المجتمع)، وجَرَّدَت مَن عَزَفَ عن الانتخاب، مهما كانت أسباب عزوفه، من حقهم في ممارسة أعمال السيادة، فصار الوضع إلى استبداد الأغلبية النسبية بالإرادة العامة وبالسلطة! وحرمان باقي فئات المجتمع من حقوق ثابتة لهم، فهذا تناقض صريح وقعت الفلسفة الديمقراطية فيه حين طُبقت في الواقع، وأسست الدولة على أساسه، إذ إنها بنت وجهة نظرها على أساس أن السيادة للشعب كل الشعب مطلقًا، ثم سلبت فئات كبيرة من هذا الشعب حقَّها في العمل السياسي، وفي ممارسة سيادتها، فوضعتها في الأغلال. ثم لم يكن للشعب من مخرج من هذه النتيجة المجحفة للانتخابات التي مكَّنت الأغلبية النسبية من الاستئثار بأعمال السيادة، إلا أن يدخلوا الدوامة نفسها في الدورة القادمة، ويتكرر الأمر نفسه مرة إثر مرة.

لقد خُدع الشعب حين أوهموه بأنه إنما يقوم باختيار الحاكم، وحين أوهموه بأنه يمارس السيادة وأن السلطان له، وأن السلطة شرعية، وأن ما يتمخض عنها من أنظمة حياة وتشريعات واجبة الاتباع عليه، فكانت هذه الدوامة مظلة يخفي تحتها الفكر الغربي سوأته بافتقاره للشرعية الفكرية والقانونية والسياسية.

ثالثًا: ما هو المسوِّغ القانوني لوجوب طاعة الشعب للدستور والتشريعات!

وحيث يُنظِّمُ الدستور[4] العلاقات الدستورية ويضبط العلاقات بين الراعي (أي السلطة العامة) والرعية، ويحدد مفاهيم ومسؤوليات الدولة الرعوية، ويبين حدود واختصاص كل سلطة في الدولة)، فإننا إن أنعمنا النظر في هذه المفاهيم القانونية نرى أنها كلها أمور تتطلب الاختصاصات القانونية والتقنية، وهي غير متوفرة عند الأمة أو عند النواب أنفسهم؛ لذلك فمجرد مناقشتها من قبل النواب يعتبر خوضًا في مسائل لا اختصاص لهم بها[5]، ولذلك فإن الأمة بمجموعها تجهل مثل هذه الأمور تمامًا كما يجهلها مجلس النواب نفسه. من هنا فالقول بأن الديمقراطية هي حكم الشعب ليس له واقع إطلاقًا.

لقد فشل النظام الغربي في تحقيق المرجعية القانونية التي تستوجب الطاعة للدستور أو للقوانين من الشعب، سواء أكانت تمثل رأي الأغلبية، أم كانت تمثل رأي الجهات المخوَّلة بصياغة القوانين والدستور؛ حيث إن الأغلبية إذا تصرفت باسم الجماعة أضحى دور الفرد هو الطاعة العمياء لإرادة الأغلبية، وكما اتضح، فإن الدستور لا يمثل انعكاسًا لإرادة الأمة ولا تم تقنينه بالتشاور معها، فمن الذي فرض طاعته عليها؟ وما هو المسوغ القانوني لطاعته إذًا؟. وحيث إن المرجعية القانونية في الدولة العلمانية هي الدستور؛ ولكنه وثيقة وضعها مجموعة من المتشرعين والفقهاء الدستوريين، وعرضت على مجلس النواب (البرلمان) للتصويت، وكما أسلفنا، فمواد الدستور ليست من اختصاص النواب ليكون رأيهم فيها صائبًا، وهم لا يمثلون إرادة الشعب كما أثبتنا، إذًا: فما هي السلطة المؤسسة لوجوب طاعة هذه الوثيقة أو بناء الثواب والعقاب على أساس تلك الطاعة وعدمها، وبناء اعتبار السلوك «حسنًا» أو «قبيحًا» بموافقته أو بمخالفته لما رأته تلك المجموعة من البشر التي وضعت الدستور والتشريعات التي انبثقت عنه؟ وهذه معضلة قانونية ضخمة، لا حل لها!

وعليه فإن الدستور نفسه، والذي صاغته هيئة المتشرعين والفقهاء الدستوريين لا يحظى بمرجعية تمثل إرادة الأمة، فيسقط وجوب طاعة أحكامه جملة وتفصيلًا! وحيث إن التشريعات بنيت على الدستور فهي أيضًا تفتقر لمسوغ لطاعتها! فالتشريع في الأنظمة العلمانية على الحقيقة هو نتاج عقول وأهواء قِلَّةٍ من المحامين والقضاة وفقهاء القانون، والسياسيين المتنفذين، لا نتاج إرادة الشعب، ولا نتاج ما تراه الجماعة أو أكثرها محقِّقًا لمصالحها.

إن فشل النظام العلماني الديمقراطي في التأصيل للقوة المعيارية للقانون، أي: لمن الحق (في ظل غياب الدين) في إخبار الناس بما يجب عليهم (أو لا يجب) فعله، وليس فقط ما يجب عليهم (أو لا يجب عليهم) فعله تحت طائلة العقوبة، إذا كان من يضع الدستور لا يحظى بتمثيل الإرادة العامة، ولا بتمثيل الشعب، فمن خوَّله بحق إخبار الناس بما عليهم فعله أو تركه، فلماذا على المجتمع أن يطيع ما وثقته الهيئة التشريعية المكونة من بضعة أفراد (فقهاء دستوريين ومحامين وبعض السياسيين) من دستور ارتأته للدولة، ومن ثم فرضت القوانين التي رأتها مناسبة لتلك الدولة، وعلى الأفراد كلهم أن يطيعوها!

رابعًا: مأزق دوام تغيُّر التشريعات، مما يجعل العدالة المطلقة مستحيلة التحقق:

انطلق النظام الديمقراطي – العلماني من منطلق نسبية الحقيقة؛ فقد جعل فلاسفةُ الحداثةِ النسبيَّةَ أصلًا في المعرفة كلها، فالعقل لديهم لا يمكنه التوصل إلى الحقيقة المطلقة القطعية، فلا معايير أو مطلقات أو كليات، ليس ثمة إلا النسبية المطلقة! وجعلوا التغيير والمرونة بديلًا لشريعة جوهرها قائم على الثبات والسعة والقدرة على التجديد، فالتغيير لديهم هو الأساس في حركة المجتمعات والتشريعات التي تنظمها، على أساس دوام التطور والحركة، فالإنسان عندهم كائن متغير، ومن ثم ينبغي أن تكون الأحكام التي تنظم حياته متغيرة، فلا تصلح له شريعةٌ جوهرها الثباتُ (في نظرهم). وأن هذا يعني الحَجْرَ على الإنسان والحكم عليه بالجمود الأبدي!

على الرغم من أن الواقع يضج بعكس رؤيتهم، إذ إن ماهية الإنسان وجوهره لا يعتريهما أي تغيير، فالإنسان هو هو، عقلية ونفسية وميولًا وسلوكًا منذ أبي البشر آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، بما فيه من طاقة حيوية تتمثل بغرائز وحاجات عضوية تشكل ماهيته، وبمحدودية طرق إشباع تلك الطاقة الحيوية، وثبات التقنينات التي تنظم ذلك الإشباع تنظيمًا صحيحًا، وأن هذا لا يتغيَّر بالوسائل المستجدة وتغيُّرها، وقد يتغيَّر الواقع فعلًا، فيحتاج الواقع الجديد لتقنين، إلا إن التقنينَ المنظِّمَ لواقع معين محدد ليس عرضة للتغيير لأنه يعالج ذلك الواقع معالجة معينة يفترض فيها أنها صحيحة!

من العلوم القانونية الموازية لعلم مقاصد الشريعة الإسلامية علم فلسفة القانون، الذي صار يحتل مكانة رائدة في الدراسات القانونية الغربية تحت مسمى: Legal philosophy، نظرًا لطبيعة موضوعاته التي تركز على الاهتمام بدراسة الغايات والحكم التي تكمن وراء النظم القانونية، والكشف عن العلاقة بين القانون والمجتمع؛ إلا أن هذا العلم يصطدم مباشرة بالأسس الفكرية الفلسفية التي تقوم عليها الديمقراطية والعلمانية اصطدامًا إبستمولوجيًّا معرفيًّا لا يمكن حله! إذ إنه لا بد من وجود القيم والمقاييس التي يراد لها أن تسود المجتمع أو أن تكون غايات للتشريعات، مثل تحقيق الأمن، والخصوصية، والحفاظ على النفس والمال، والعدالة؛ ولكن وجود مثل هذه القيم والمقاييس يتعارض مع الأساس الفكري للعلمانية والديمقراطية، ولما يسمونه بالمجتمع التعددي؛ إذ إن وجود المقاييس والقيم خطر على فكرة التعددية من جهة، إذ إنه يتضمن -في نظرهم- فرضًا لرؤى معينة على المجتمع تصادر حق الإنسان في التفكير، وهذا يتعارض مع الأساس الذي انطلقت منه العلمانية في محاربتها جعل الدين أساسًا حين اتهمته بأنه ثابت جامد يفرض رؤى معينة ويصادر حق الناس في التفكير، ومن جهة ثانية: تجعل التشريعات جامدة، في حين إن طبيعتها في نظرهم أنها نسبية ومتغيرة؛ لأن طبيعة الإنسان والحياة أنها متغيرة دائمًا، فلا يمكن للتشريعات أن تكون جامدة في نظرهم، وبالتالي إذا اتصلت بقيم يراد تحقيقها في مجتمع متغيِّر فإنها ستتَّسم بالثبات والجمود، أو أن القيم والمقاييس نفسها تتَّسم بالثبات والجمود، وهذا ضد التطوُّر والتغيير، فإذا لم ترتبط التشريعات بالقيم والمقاييس، فهذا الأمر سيفتح الباب على مصراعيه لمناقضة العدالة، فما كان حرامًا اليوم يصبح فرضًا غدًا، فحين حاكَمْتَ بائع الحشيش بالأمس وسجنته لأنه ارتكب جريمة، تفتح له اليوم محلًا في كل ناصية شارع ليبيع الحشيش قانونيًّا ورسميًّا، فلا شك أن سجنك له بالأمس ظلمٌ له في منظور قانون اليوم، وإذا تبين لك خطأ حكم اليوم وحظرت الحشيش ثانية، فإنك لن تحقق العدالة في أي حال من الأحوال. الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لتفريغ التشريعات من أي غايات ومقاصد مجتمعية تسعى لتحقيقها، وهذه معضلة قانونية تشريعية لا حل لها، وهذا الحال هو كحال من يطلق الرصاص على قدميه.

[1] ينظر فلاسفة عصر التنوير (روسو) لمصطلح: الإرادة العامة general will على أنه مفهوم يختلف عن مفهوم إرادة الجميع أو المجموع will of all، فإرادة المجموع تمثل محصلة مجموع الإرادات الفردية، وتتضمن ما يريده الأفراد لأنفسهم ومصالحهم دون أن تتضمن اعتبارات مصالح الآخرين، وهي إرادات متصارعة تقدم مصلحتها الذاتية، يمكن التوصل إليها بالانتخابات مثلًا، فينتخب الأفراد من يحقق لهم مصالحهم في قضايا معينة يطرحها المرشح في برنامجه الانتخابي، أما الإرادة العامة، فهي إرادة المجتمع، ويهمها مراعاة المصلحة العامة، وهي إرادة مجموع المجتمع لا أغلبيته ولا إرادة فئة منه دون غيرها، يقول روسو «إن الإرادة العامة وحدها هي التي تستطيع توجيه قوى الدولة نحو تحقيق الهدف من إنشائها، وهو الخير المشترك؛ لأنه إذا كان تعارض المصالح الخاصة هو الذي جعل إنشاء المجتمعات ضروريًا، فإن اتفاق هذه المصالح نفسها هو الذي يجعلها في حيز الإمكان، ولو لم يكن هناك شيء من الاتفاق بين هذه المصالح لما قامت مجتمعات مطلقًا».

[2] أي بالحق في المشاركة في الانتخابات، فمن شاء شارك، أو عزف، بدلًا من أن يُستشار الناس مباشرة، ولكن المشكلة هي أن النتيجة لن تكون بحال تمثيلًا حقيقيًا للأغلبية الحقيقية، علاوة على أن تكون تمثيلًا للإجماع، وذلك لطبيعة العملية الانتخابية نفسها، أي لطبيعة الآليات التي تعمل وفقًا لها، وبالتالي فالتمكين من ممارسة الحق في ظل فشل الآليات التي توصل إليه، عبث لا يترتب عليه تمثيل الأمة أو تعبير الأمة عن سيادتها على الحقيقة.

[3] ففي مثال فرنسا ماكرون، انتخبه 18.19 بالمائة، وهذه أغلبية نسبية، ورفضه 81.81 بالمائة، وهذه أغلبية مطلقة، فوجب على الأغلبية المطلقة أن تخضع للأغلبية النسبية!

[4] الدستور هو: مجموع القواعد التي يجبرُ السلطانُ الناسَ على اتباعها في علاقاتهم، وتحدد أنظمة الحكم القائمة على تشريعات وقوانين تبين شكل الدولة وصفتها، وقواعدها وأجهزتها في الحكم والإدارة، والأساس الذي تقوم عليه، (أي: «الأساس الفكري، أي مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تُرعى الشؤون بمقتضاها والذي يحدد حقوق الأفراد، وينظم العلاقة السياسية بين الدولة كسلطة تقوم على رعاية شؤون الناس، وحماية حقوقهم ورعايتها وبينهم»).

[5] تخيل أن يتم استفتاء من لا اختصاص لهم في قضايا تقنية أو نظرية فيزيائية، أو معادلة رياضية، أو وصفة طبية، أو فتوى شرعية ألا ترى أن مجرد هذا الاستفتاء أمر غير مقبول، فمن نفس الباب استفتاء النواب أو الشعب في الدستور!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *