العدد 426-427-428 - السنة السادسة والثلاثون، رجب-شعبان-رمضان 1443هـ ، الموافق شباط-آذار-نيسان 2022م

ماذا يعني إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوَّة

محمد عبد الملك – اليمن

لقد خلق الله البشرية على هذه الأرض ولم يتركهم سدى ليعيشوا حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم، بل هيَّأ لهم سبل الهداية، فبعث إليهم الأنبياء والرسل برسالة التوحيد ليعرف الناس خالقهم، وما الدور الذي أسنده إليهم، وما هي الأسس والأفكار التي تنظم طريقة عيشهم لتستقيم لهم الحياة ويُقام العدل وينتشر الخير بين الناس… فآمن بهؤلاء الأنبياء والرسل من آمن وكفر بهم من كفر، قال تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ). وكان خاتم هؤلاء الأنبياء والرسل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث برسالة الإسلام التي تفرَّدت عن غيرها من الرسالات بأنها إلى الناس كافَّة، قال تعالى:  (وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا) وقال تعالى(وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ١١٧) فالإسلام مبدأ له عقيدة عقلية سياسية انبثق عنها نظام حياة؛ فلم يقتصر على أفكار العقيدة والمعالجات، بل بيَّن لنا كيفية حماية العقيدة وكيفية حمل الدعوة للعالم وكيفية تنفيذ المعالجات.

وقد جعل الله الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان، وجعل فيه المعالجات التي تحلُّ كل مشاكل الإنسان في الحياة مهما تغيَّرت وتنوَّعت وتجدَّدت، وسواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية أم روحية، قال تعالى (ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ) فما من صغيرة ولا كبيرة من مشكلات العالم اليوم إلا وقد بيَّنها الإسلام للإنسان، فما على المسلمين اليوم إلا أن يعودوا إلى الإسلام عودة صادقة ويحسنوا فهمه ويوصلوه إلى سدَّة الحكم ويحسنوا تطبيقه، قال تعالى: (وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ) ولم يترك الإسلام مجالًا للهوى أن يُتَّبع، ولا للعقل أن يتحكم بالبشر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» رواه البخاري.

وحين نقف مع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، نجد أنه صلى الله عليه وسلم كان يسعى إلى تأسيس دولة تطبِّق الإسلام في واقع الحياة وتحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، فلقي في سبيل ذلك ما لاقى من الإيذاء والاتهام والدعاوى الكاذبة؛ فتحمَّل مع أصحابه كل أصناف العذاب والأذى وصبر على ذلك، ثم طلب النصرة من القبائل التي كانت تأتي إلى مكة المكرمة في موسم الحج، وخرج إلى الطائف وغيرها من القبائل خارج مكة دون كلل ولا ملل، فمنهم من ردَّه بالحسنى، ومنهم من اشترط عليه أن يكون له الأمر من بعده، ومنهم من يريد أن ينصره على العرب دون العجم، ومنهم من كان ردُّه قبيحًا…  والرسول صلى الله عليه وسلم يأبى إلا أن تكون النصرة لله وحده، ويكون الأمر كله لله، ثم استمرَّ رسول اللّه يطلب النصرة ليقيم للإسلام دولته؛ لأنه يدرك أن معظم أحكام الإسلام وأوامره لا تطبَّق في حياة الناس إلا بدولة. فما هدأ له بال، وما قرَّ له قرار؛ حتى أراد الله أن تكون المدينة المنورة هي أول دولة للإسلام أقامها رسول الله فطبَّق فيها الإسلام في واقع الحياة.

لذلك تُعد الدولة التي تحكم بالإسلام (دولة الخلافة) هي الطريقة الشرعية الوحيدة لتطبيق الإسلام بكل أحكامه، فمن دونها تتعطَّل أحكام الشرع، ويتحَّول الإسلام إلى دين كهنوتي روحي يقتصر على الأخلاق والعبادات والأحكام الفردية الشخصية؛ لذلك يُعد العمل لإقامتها عند غيابها عن واقع الحياة واجب شرعي يثاب القائم به ويأثم المقصِّر فيه.

بعد أن طُبِّق الإسلام في المدينة المنورة بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، تحقَّق الاستخلاف في الأرض، ورفعت راية الإسلام وتحرَّكت السرايا والجيوش للجهاد في سبيل الله لنشر الإسلام وحمله إلى العالم وانتشر الإسلام في الجزيرة العربية؛ لينتشر فيما بعد الرسول صلى الله عليه وسلم في العالم كله.

وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائدًا وحاكمًا للدولة الإسلامية يطبِّق فيها الإسلام وينشره في ربوع الأرض حتى توفَّاه الله. وبعدما تُوفي صلى الله عليه وسلم ورحل إلى الرفيق الأعلى، كان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون أهمية الدولة الإسلامية ودورها العظيم في تطبيق الإسلام وحمله كرسالة للعالمين، فبايعوا أبا بكر الصدِّيق خليفة عليهم قبل أن يدفنوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما يدلُّ على أهمية هذا الفرض العظيم، وعُرفت بعد ذلك الدولة الإسلامية بدولة الخلافة الراشدة. فالخلافة هي رئاسة عامة لجميع المسلمين في الدنيا وتطبيق الشريعة على رعاياها، وتحمل الدعوة الإسلامية للبشرية كافة عن طريق الدعوة والجهاد وحُسن التطبيق، وهي يجب أن تكون قائمة على مدار الزمان، وإلى قيام الساعة، وإلا تعطَّلت معظم أحكام الإسلام.

هذا ولا بد أن تكون الخلافة الإسلامية هي القضية المصيرية للمسلمين؛ لأنها ليست فرضًا فحسب بل هي أعلى الفروض؛ لأنه لا يمكن لأحكام وأوامر الإسلام أن تطبِّق على الناس إلا بإقامة الخلافة، فبها تقام الحدود، وتصان الأعراض والأموال والعقول والأنفس، وبها يُنصر المظلومون، ويُعز المسلمون وتُجيِّش الجيوش ويُرهب الأعداء ويُنتشر الإسلام.

ولقد جاءت الأدلة الشرعية على وجوبها مستفيضة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة، بل يمكن القول إن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها إنما هي دليل على فرضيتها لالتصاقها الوثيق بكل أعماله وأقواله، وسنستعرض بعضها:

أما في الكتاب، فقد قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ...) ولا يوجب الشارع طاعة من لا وجود له، فيجب على المسلمين العمل على إيجاد الخليفة الذي تجب طاعته. قال تعالى: (إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥) وإن وجوب الحكم بالشرع يحتم علينا وجوب إقامة الخليفة.

وأما في السنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خلع يدًا من طاعة لقى الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعه مات ميتهٍ جاهلية» وهذا يُوجب وجود بيعة في عنق كل مسلم وإلا كانت ميتَتُهم ميتهً جاهلية، وبالتالي يجب وجود الخليفة الذي بوجوده تُوجد البيعة الواجبة في الأعناق. وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤُمّروا أحدهم» وتأمير خليفة للمسلمين يرعاهم ويحكِّم بهم شرع الله أوجب وأعظم من تأمير أمير سفر. وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إذا بويع لخليفتين     فاقتلوا الآخر منهما» وهذا يدل على وجوب وحدة الأمة؛ لذلك أجاز الشرع قتل الخليفة الآخر الذي يُفرِّق المسلمين، وأن تكون بيعة الخليفة على تطبيق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أما إجماع الصحابة، فقد أمر الخليفة عمر بن الخطاب t وهو على فراش الموت أن يُمهَل أهل الشورى الستة ثلاث ليالٍ لمبايعة خليفة وأن يقتل المخالف بعد ذلك، وكان ذلك على مسمع من الصحابة، وذلك مع علمهم بحرمة دم المسلم، فكان ذلك إقرارًا منهم على عدم جواز بقاء المسلم فوق ثلاثة أيام بلا خليفة.

إن نظام الخلافة نظام فريد لا يماثله نظام حكم آخر في العالم. ودولة الخلافة دولة مبدئية تقوم على عقيدة سياسية روحية توفِّر الأمن والأمان لكل من يعيشون في ظلِّها، وتعمل على سدِّ حاجتهم الأساسية بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو بلدهم أو أي اعتبار آخر.

إن نظام الخلافة نظام ربَّاني يسد حاجات الإنسان العضوية ويشبع غرائزه. والإسلام يقرِّر أن الإنسان لا يستطيع أن يضع لنفسه نظامًا فهو عاجز وناقص ومحتاج لغيره، لذلك كان يجب أن يكون هذا النظام من خالق الإنسان فهو يعلم ما يُسعده ويُشقيه، قال تعالى: (أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤) فشرعَ الله العليم اللطيف الخبير للإنسان نظامًا خاصًا بالعبادات لينظم من خلاله إشباع غريزة التدين. وشرع نظامًا اجتماعيًا نظم من خلاله إشباع غريزة النوع. وشرع أحكام المطعومات والمشروبات لينظم من خلالها إشباع الحاجات العضوية. وشرع نظامًا اقتصاديًا ونظام حكم ونظامًا سياسيًا ينظم من خلاله غريزة البقاء، إلا أن هذه الأنظمة والأحكام لا تطبق في حياة الناس إلا في ظل دولة تلزم الناس بتطبيقها وتعاقب من يخرج عنها، ليتحقَّق الإشباع الذي يؤدي إلى السعادة والطمأنينة ونشر الخير والعدل بين الناس. وهنا لا بد من ذكر أن المشرع في النظام الإسلامي إنما هو الله العليم الخبير، وأن تشريعه هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه هو الحق إلى قيام الساعة، وأنه يستوعب المشاكل الراهنة المستجدَّة مهما كانت، وأنه لا يمكن أن يقع في التناقض والاختلاف… كل ذلك لأنه من لدن حكيم عليم، وهذا بخلاف الإنسان عندما يأخذ ظلمًا وعدوانًا مهمة التشريع عن ربِّه، فإنه ولا بد من وقوعه في التناقض والاختلاف وتشريع الأحكام الخاطئة؛ ما يضطره إلى تغيير القوانين من وقت إلى آخر؛ ولكنه عندما يغيُّرها لا ينسب العجز إلى نفسه وإنما يدعي أنه يطور هذه الأنظمة؛ لذلك فإن أول ما يبحث في صحة التشريع أو عدمه هو من المشرِّع؛ وهذا يعني أن البحث في مصدر التشريع، والجهة المشرِّعة هو الذي يحسم هذه القضية.

في ظل دولة الخلافة الراشدة، عاش المسلمون وغيرهم ممن يحملون التابعية العيش الكريم مع توفير لحقوقهم كاملة وبتطبيق لأحكام الإسلام على كل الناس دون تفريق بينهم، أو اعتبار لقرابة أو محسوبية أو لعلاقة دم أو أرض أو جنس أو لغة… وإنما هي علاقة العقيدة وما انبثق  عنها من أحكام وما بُني عليها من أفكار وبذلك تكون قد تجاوزت دولة الخلافة الإطار القومي والوطني وصهرت كل الأعراف والفوارق في بوتقة الإسلام؛ فعاش الناس في ظلها سواسية ميزانهم التقوى، وغايتهم إرضاء الله، قال تعالى: ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ ) وفي ذلك بيَّن رسول الله كما أخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ». هذا ولأهمية الخلافة لدى المسلمين فقد أجمع علماء المسلمين المعتبرين على أن الخلافة تاج الفروض، ونذكر منهم:

قال ابن خلدون في كتابه (المقدمة) المتوفى ٨٠٨ ه: «إن نصب الإمام واجب، قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر t وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم يُترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقرَّ ذلك إجماعًا على وجوب نصب الإمام».

ويقول ابن تيمية في كتابه (السياسة الشرعية) المتوفى ٧٢٨ه‍: «يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها» ،ويقول في كتابه (مجموع الفتاوى): «يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتمُّ مصالحهم الا بالإجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بدَّ لهم عند الاجتماع من رأس»

قال الفقيه الهيثمي في كتابه (الصواعق المحرقة) المتوفى ٩٧٤ه‍: «اعلم أيضًّاّ أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب بل جعلوه أهم الواجبات؛ حيثُ اشتغلوا به عن دفن الرسول صلى الله عليه وسلم»

وقال الإمام المارودي في كتابه (الأحكام السلطانية) المتوفى ٤٥٠ه‍: «الإمامه موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمه واجب بالإجماع».

وقال الشيخ علي بالحاج في كراسته (إعادة الخلافة) حفظه الله: «من أعظم واجبات الدين (الخلافة على منهاج النبوة) كيف لا وقد قدر علماء الإسلام وأعلامه أن الخلافة فرض أساسي من فروض هذا الدين العظيم، بل هو (الفرض الأكبر) الذي يتوقف عليه تنفيذ سائر الفروض، وإن الزهد في إقامة هذه الفريضة (من كبائر الإثم) وما الضياع والتيه والخلافات والتنازعات الناشبة بين المسلمين كأفراد وبين الشعوب الإسلامية كدول الا لتفريط المسلمين في إقامة هذه الفريضة العظيمة».

ولقد استمرت دولة الخلافة الدولة الأولى في العالم تتربَّع على مركز السيادة والقيادة وكان لها التأثير الواضح على الدول الأخرى. وعلى صعيد السياسة الدولية، فقد كانت مهابة الجانب، جيشها لا يقهر، تستجديها الدول الكافرة لنيل رضاها وابرام معاهدات الصلح معها. ولقد بلغت من القوة والمهابة أن دفعت أمريكا في عهد الخليفة العثماني سليم الثاني ضريبة سنوية للسماح لسفنها أن تعبر بأمان من المحيط الأطلسي إلى البحر المتوسط دون تعرُّض البحرية العثمانية في ولاية الجزائر لسفنها. وذكر المؤرخ النمساوي جوزيف فون هامر أن سلطان السلاطين قاهر الصليبيين سليمان القانوني وجَّه رسالة إلى فرانسوا الأول ملك فرنسا يقول فيها: «لقد بلغني أن الرجال والنساء في بلادكم يتراقصون بشكل يخالف الحياء والأخلاق، ولأن بلادكم لها حدود مع بلادنا فإن هناك احتمال أن تنتقل تلك الوقاحة إلى ديارنا؛ ولهذا عندما تصلك رسالتي، عليك فورًا أن تنهي الوقاحة وإلا جئت بنفسي لامنعها» وظل الرقص سرًا مائة عام… على مثل هذا كانت دولة الخلافة: تنشر الخير وتبسط العدل وتحلُّ الأمن والأمان والسلام لكل من عاش تحت ظلِّها، فقد كانت منارةً تهدي الحيارى والتائهين، وملاذًا للمظلومين من المسلمين غير المسلمين في كل العالم.

ولكن، وفي ٢٨ من رجب ١٣42ه‍، أُلغيت الخلافة على يد مجرم العصر اليهودي مصطفى كمال عميل الإنجليز، وأُزيحت أمة الإسلام عن قيادة المسرح الدولي؛ واستُبدلت بأنظمة الإسلام شريعة الكفر والظلم والفسق، ومُزِّقت بلاد المسلمين إلى دويلات هزيلة، واضطُهد المسلمون، وهُضمت حقوقهم، ونهبت ثرواتهم، ونصِّب عليهم حكام عملاء رويبضات سلَّموا البلاد والعباد للكافر، فاستأسدوا على شعوبهم وأذاقوهم سوء العذاب ووجهوا سلاحهم عليهم لا على أعدائهم، وجيَّشوا جيوشهم لمحاربة الإسلام والعاملين لإعادته. فماذا خسر المسلمون بعد هدم الخلافة؟

لقد خسر المسلمون من يدافع عن حياتهم ويصون أعراضهم ودماءهم وكراماتهم، فقدوا الراعي الذي يرعى شؤون حياتهم، ويؤمِّن حاجاتهم، ويحلُّ مشكلاتهم، وينصر المظلوم منهم، ويقيم الحدود بينهم… لقد فقدت الأمة الإمام الجُنَّة والدرعَ الحصين، قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الإمام جُنَّة يُقاتَل من ورائه ويُتَّقى به» رواه مسلم.

بعد هدم دولة الخلافة، استعمرت بلاد المسلمين وتعرَّضت شعوبها على مدار مائة عام لحروب متوحشة، وحروب إبادات جماعية مستمرة، وتطهير عرقي وتدمير للقرى والمدن وتشريد وتهجير وقتل… وحلَّت بهم النوازل والفواجع. وهم ما زالوا حتى اليوم يعيشون ذلك الكرب الكبير، للسبب نفسه وهو الخوف من عودتهم إلى دينهم، ومن عودة دينهم إلى الحياة، قال تعالى: (وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ).

 بعد هدم دولة الخلافة، اعتدى أعداء الله على الأمة وقتلوا من المسلمين ما لا يحصى، وشرَّدوهم كل مشرَّد: فلقد قتلت فرنسا الملايين من الجزائريين وما زالت تقتل إلى اليوم في أفريقيا دون حسيب ولا رقيب. أما روسيا المجرمة، فقد أبادوا المسلمون في بلادهم ونفَوهم إلى سيبيريا، وأفنُوا معظم أهل الشيشان من المسلمين، وصبُّوا جامَّ حقدهم عليهم في سوريا وقصفوهم بالبراميل المتفجرة وجربوا عليهم أسلحتهم الفتَّاكة، واستعملوا معهم سياسة الأرض المحروقة… كل ذلك على مرأى ومسمع من دول العالم التي سكتت عما رأت لأن الجميع على الحقد نفسه. أما يهود الذين احتلُّوا فلسطين الأرض المباركة مسرى ومعراج رسول الله بتواطؤ من دول الغرب الأوروبي وخيانة من حكام المسلمين الذين أمدُّوا كيانهم بأسباب البقاء والحماية، وتسارعوا نحو التطبيع معه دونما اكتراث بدماء المسلمين أو اعتبار لقدسيتها في دينهم. وليست فلسطين وحدها من خانها حكام المسلمين، فهذه كشمير المحتلة من الهندوس، وهؤلاء مسلمو الروهينجا في ماينمار (بورما) يقتلون ويعذَّبون، وتغتصب نساؤهم من البوذيين. وهذه الصين تَرتكب في حق المسلمين من الإيغور في تركستان الشرقية إبادة قل نظيرها في العصر الحديث. وهذه الهند التي ترتكب أبشع أنواع الإرهاب في حق ما يفترض أنهم مواطنوهم ويبتكرون أبشع أنواع الأساليب للانتقام منهم. وهذه أمريكا التي شنَّت عليهم وعلى دينهم حربًا عالمية باسم (الحرب على الإرهاب)… وما هذا إلا غيض من فيض لما يحصل للمسلمين. وما كان المسلمون ليتعرَّضوا لمثل هذه الانتهاكات الوحشية، لو كانت لهم دولة تحميهم وخليفة جُنَّة يدافع عنهم.

إن الإنسانية تعيش في شقاء وضنك بعد أن تفرَّد النظام الرأسمالي في حكم العالم وصار يصوغ طريقة العيش فيه على أساس (فصل الدين عن الحياة) ويفرض سيادة الإنسان في التشريع ورفض سيادة الشرع؛ ويعمِّم مقياسه القائم على المنفعة المادية في الأعمال والأقوال، دون مراعاة للقيم الروحية والخُلقية والإنسانية، فنتج عن هذا نظام وضعي حدَّد بموجبة ما هو خير وما هو شر، وما هو حسن وما هو قبيح؛ بناء على رغباته وأهوائه معتمدًا في تشريعه على أكثرية من الناس موهومة وليست حقيقية؛ فضل بذلك عن طريق الحق وأضلَّ وما هدى، قال تعالى: (وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦)

فعمَّ وطمَّ بطغيانه السياسي وباستعماره الاقتصادي وبتهتكه الاجتماعي العالمَ كله، وحتى الجانب الصحي لم ينجُ من ظلمهم؛ حيث انتشرت الأمراض والأوبئة الناتجة عن تجاربه المخبرية بلدان العالم فآذت البشر والشجر والبيئة، والبر والبحر والجو، وصدق كلام الله فيهم: (ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١) [الروم: 41]…كل ذلك حدث لـمَّا أعطى الإنسان لنفسه حق التشريع.

لا شك أن إقامة دولة الخلافة سيكون الحدث الكوني المفصلي الذي سيرافقه كثير من المتغيرات على الصعيد الدولي، وسيكون هذا الحدث هو مربط هذه المتغيرات… فإن أول ما يعنيه إقامة الخلافة الراشدة هو ذلك الشعور الغامر لدى المسلمين أن الله سبحانه وتعالى راضٍ، لأنها لم تكن لتقوم لولا إرادة وتدخُّل وتفضُّل منه سبحانه…

والخلافة الراشدة أهم ما ستحققه أنها ستجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى، وكلمةُ الله هي العليا… والخلافة الراشدة أوَّل ما ستحققه أنها ستقوم على كيان سياسي جامع يتبنى دستورًا إسلاميًّا مستنبطة أحكامه من الكتاب والسنة…

وإقامة دولة الخلافة يعني استقلالية القرار وقطع كل نفوذ للغرب، سياسيًّا كان أو عسكريًّا أو فكريًّا أو اقتصاديًّا…

وإقامة دولة الخلافة يعني أن هذا الكيان سيقوم على حدود مفتوحة تفسح المجال لتوحد بلاد المسلمين وجمع أقطارهم بعضها إلى بعض… وتتجمع معظم أعداد المسلمين البالغة قريب المليارين أو ما يقارب ربع الكرة الأرضية تقريبًا في دولة واحدة… وفيها تتجمع خيرات بلادهم الطبيعية فيستفيد منها رعايا الدولة جميعهم بحسب الأحكام الشرعية وخاصة فيما يُعَدُّ من الملكية العامة من غير تفريق ما بين من يسكن في أفريقيا أو في آسيا أو في أوروبا…

وإقامة دولة الخلافة سيعني أن حياة المسلمين ستقوم على طاعة الله من جديد كما كانت في الزمن الأول في العبادات والمعاملات والجهاد والدعوة إلى دين الله وإدخال الناس في دين الله أفواجًا…

وإقامة دولة الخلافة سيعني وحدة الأمة عبر الإيمان بالله وحده وعبر التفاضل بالتقوى والطاعة لخليفة المسلمين…

وإقامة دولة الخلافة سيعني تنظيم علاقة الرجل بالمرأة بأحكام شرعية تضمن الترابط الأسري والخلق الكريم والعفة والطهر والنسل الطيب وخلو بلاد المسلمين من كل مظاهر الفجور والخَنا وكشف العورات؛ ما يجعل المجتمع الإسلامي نظيفًا شريفًا مصانًا…

وإقامة دولة الخلافة سيعني أن المسؤولين في الدولة، مهما علت مراكزهم، ليست لهم حصانة إن أخطؤوا ولو كان خليفة…

وإقامة دولة الخلافة سيعني أن الدولة ستوفر الحاجات الأساسية للناس وتمنع تركز المال في أيدي الأغنياء من خلال توزيع الثروة بشكل سليم من خلال تقسيم الملكيات إلى ثلاث: ملكية عامة توزع على الناس كافة وتمنع تملكها أي جهه. وملكية فردية يتصرف فيها الأفراد حسب الأحكام الشرعية. وملكية الدولة التي تنفقها الدولة حسب الأحكام الشرعية…

وإقامة دولة الخلافة سيعني تطبيق فريضة الزكاة التي تؤخذ من الأغنياء وتوزع على الفقراء (ليتصور المسلم أن نسبة 2.5% من أموال المسلمين الأغنياء، توزع كل سنة على الفقراء، فكم أن هذا المبلغ عظيم) هذا إلى جانب الحضِّ على الصدقات وأحكام الإرث وتحريم الربا ومنع الاحتكار وغيرها من الأحكام التي تفتِّت الثروات وتجعلها تنتقل إلى أوسع شريحة من الناس.

وبالمختصر المفيد، إن إقامة الخلافة الراشدة سيعني إعادة الإسلام إلى ما كان عليه المسلمون زمن الخلافة الراشدة الأولى، خير القرون، وهذا ما ينتظره المسلمون اليوم، ويرون أنه يتقدم بسرعة، وهذا الفضل فيه كله لله وحده.

إن العالم اليوم، مع تطبيق المبدأ الرأسمالي وغياب الحكم بالإسلام، وصل إلى مرحلة الضرورة في التغيير، ويشهد على ذلك بعض من مفكري الغرب، فهذا المفكر الأمريكي المشهور بول كندي ينشر كتابًا بعنوان (صعود وسقوط القوى العظمى) يذكر فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية تزحف عليها أعراض سقوط الإمبراطورية، ويتنبَّأ فيه بسقوط الإمبراطورية الأمريكية نتيجة عوامل داخلية بينوية، وأنه إذا زادت الالتزامات الاستراتيجية للدولة العظمى عن امكانياتها الاقتصادية فإنها تسقط. ولكن المفكر الفرنسي ديبا سكييه، لا يتوقف عند هذه المقولة بل يتعدَّاها إلى أن يرشح الإسلام كمخلِّص ومنقذ للبشرية. ويقول الأديب العالمي ليف تولستوي: «يكفي محمد فخرًا أنه خلص أمةً ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم، وإن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة» وهذا اعتراف من ساسة الغرب بافلاس النظام الرأسمالي وأن فشله بات ذريعًا في حلِّ مشاكل هذا العالم، وأن العالم قد أصبح بحاجة إلى نظام عالمي جديد يُعيد للبشرية إنسانيتها.

إن أي نظرة تاريخية متفحصة توصل المسلم وكل إنسان موضوعي مخلص إلى أنه تاريخ الدولة الإسلامية كان  مشرقًا يفخر به المسلمون ويمتدحه المنصفون من غير المسلمين… وإن أي نظرة مستقبلية متفحصة لما يجب أن يكون عليه النظام العالمي المنتظر يرى أنه نظام الإسلام نفسه، والسبب واحد، وهو أنه نظام من عند الله، ولا يمكن إلا أن يكون هو الذي يطبق العدل وينشر الخير ويحل الأمن والأمان كما كان. فهو مبدأ وحضارة إنسانية، ومازال بعقيدته وأحكامه صالحًا لأن يحكم العالم ويعيد سيرته الأولى، وينقل الناس من جور الرأسمالية إلى عدل الإسلام. ولأن الإنسان الذي يراد إشباع حاجاته وغرائزه هو نفسه كإنسان لم يتغير، فكذلك النظام الصالح الأول له، هو نفسه الذي يصلح له في كل وقت وحين. أما الذي تغير على مرِّ السنين فإنما هي الأشكال المادية التي يحتاجها الإنسان لتيسير حياته من سيارة وطيارة وبراد وغسالة، وحتى السلاح الذي تطور، ووسائل المواصلات التي تقدمت، وأجهزة الاتصالات التي استحدثت كل هذا ليس له تعلق بالنظام، وإنما الذي له علاقة فهي العلاقات بين البشر، والتي قد تشهد توسعًا ويحتاج توسُّعها إلى تشريع، فهذا يسار به على نفس طريقة الاستنباط الشرعية، والاعتماد على النصوص الشرعية إياها وما فيها من العموم الذي يجعلها تجتمع مع سابقاتها من الأحكام بعلَّة جامعة ويجعلها تأخذ الحكم ذاته.

إن أحوج ما يحتاج إليه المسلمون اليوم، ولا نغالي إذا قلنا العالم كله، هو أن تبعث قضية الخلافة قضية عقائدية، يظهر دين الله فيها على سائر الأديان، بها يوحد الله أمة الإسلام ويجعلها أمة واحدة. وما على المسلمين اليوم إلا العمل مع العاملين من شباب حزب التحرير لإقامة هذا الفرض العظيم وأن يكونوا معهم وعونًا لهم، وهو العمل الذي مهمته هي كما36 قال الله تعالى فيه: (ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ٤١) [الحج: 41].

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *