العدد 426-427-428 - السنة السادسة والثلاثون، رجب-شعبان-رمضان 1443هـ ، الموافق شباط-آذار-نيسان 2022م

انهزام الحضارة الغربية الرأسمالية والعلمانية

بقلم الدكتور  ريان

(مراقب سياسي إسلامي)

«أمريكا هي الرجل المريض الجديد» (hizb.org.uk, 2021). هكذا كانت افتتاحية أحد مواقع الدعوة الإسلامية في بريطانيا، علَّقت فيها على «الاحتلال الوحشي» لمبنى كابيتول هيل من قبل أنصار الجمهوريين في أمريكا، عندما لم يقبلوا بهزيمة مرشحهم الرئاسي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020م الماضية. إن مصطلح «الرجل المريض» راجع إلى الوقت الذي لقب فيه الغرب (أوروبا) الخلافة الإسلامية العثمانية به عندما بدأت تفقد نفوذها بسبب نقاط ضعفها.(1)

أمريكا التي تمثل الغرب، وكذلك أوروبا التي تعتبر حاليًا المتحكِّم في العالم بمبدئها الرأسمالية العلمانية، تبيَّن أنها غير ملائمة أخلاقيًا لتمثيل الادِّعاء المبدئي بتفوق القيم الديمقراطية الغربية. الموقف الخاسر الذي أظهره «ترامب وعصاباته» يجعل العالم بشكل عام والغرب نفسه مشبعًا بأنه لم يعد مستعدًا لاستخدام أمريكا كمرجع لممارسة الحكم الديمقراطي.(2) هذه الحقيقة هي قمة جبل الجليد من مختلف أنواع الفساد الأخرى الناتجة عن تطبيق الرأسمالية الغربية، بالإضافة إلى الرذائل الأخرى في مختلف مجالات الحياة.

حقائق فشل الحضارة الغربية الرأسمالية العلمانية

لوصف الحضارة، يتم استخدام مصطلح الحضارة بأنها مجموعة المفاهيم عن الحياة، وفي اللغة الإنجليزية بمصطلح «Civilization» وتتميز الحضارة عن المدنية(3)، فالمدنية تعرف بأنها الأشكال المادية للأشياء المحسوسة التى تستعمل في شؤون الحياة، وتكون خاصة حسب وجهة النظر في الحياة، عندما تنتج عن الحضارة، كما أن هناك مدنية عامة عالمية وهي التي تنتج من جميع البشر كالصناعة والعلم.

لا شك أن الحضارة الإسلامية تختلف عن الحضارة الغربية. فبينما تقوم الحضارة الإسلامية على أساس العقيدة الإسلامية في تصوراتها، وعلى معايير الحلال والحرام في تصرفاتها، والسعادة فيها هو نيل رضوان الله سبحانه وتعالى، فإن الحضارة الغربية تقوم على أساس العلمانية، وهي فصل الدين عن الحياة. ومقياس الأعمال عندهم هو المنفعة، وكانت السعادة هي تحصيل المتع الجسدية (الجسادية).

بالنسبة ليومنا الحاضر، فإن السبب الرئيسي لفشل الرأسمالية العلمانية هو في الواقع لأنها تتعارض مع الطبيعة البشرية والفطرة السليمة، فهي تقوم على عبادة البشر كمركز كل شيء (مركزية الإنسان = antroposentrisme). وفيما يلي بعض الحقائق من أسفل جبل جليد الفشل.

ففي المجال الاقتصادي، الحقيقة تظهر أن « Capitalism isn’t working, another world is possible الرأسمالية لا تعمل، وفي عالم آخر ممكن»، وأن الرأسمالية قد انهزمت في تحقيق الرخاء للشعب، ولقد انهار مصطلح «TINA» (There Is No Alternative) يعني لا يوجد بديل ولا مندوحة، وهو الشعار الذي يتردد منذ رئاسة ريغان (1981-1989)م، بأن المندوحة الوحيدة للعالم هي الرأسمالية والليبرالية والعولمة.

ما أعمق الظلم الذي يحدث بسبب الفجوة الاقتصادية بين «من يملكون» و «الذين لا يملكون». فنسبة 1% فقط يستفيدون من تطبيق الرأسمالية، بينما يعاني 99% من البؤس. فبناء على تقرير صادر عن المنظمة الخيرية البريطانية المسماة بـ«أوكسفام»(4)، وتحت عنوان «حان وقت الرعاية» ، فإن 1٪ من أغنى الناس في العالم يمتلكون أكثر من ضعفي ثروة البشرية جمعاء.  وقال التقرير: «لقد أصبح التفاوت الاقتصادي خارجًا عن نطاق السيطرة؛ حيث يمتلك 2153 مليارديرًا أكثر من 4.6 مليار شخص في عام 2019». بحسب Bloomberg) اثنين 20/1/2020(. وذهبت Bloomberg، إلى أن ثلاثة أشخاص هم من أكثر الناس ثروة في العالم، لقد جمعوا ثروة إجمالية قدرها 231 مليار دولار أمريكي خلال العقد الماضي. ثروة أكبر 20 مليارديرًا تضاعف إجماليًا من 672 مليار دولار أمريكي إلى 1،397 مليار دولار أمريكي منذ عام 2012م.

وفي المجال الاجتماعي، في الإحصاءات الرسمية الأمريكية عام 2017م، لكل 100.000 شخص بلغ معدل الجرائم في شكل قتل 5.3 نسمة، والاغتصاب 41.7، والسطو 98، والاعتداء المتشدد 248.9، وإجمالي جرائم العنف 382.9، وجرائم الملكية المتمثلة في الابتزاز 430.4، السرقة 1694، وسرقة الدراجات والآليات 237.4.(5)

وفي قطاع الصحة، أظهر الانتشار الهائل لفيروس COVID-19 في جميع أنحاء العالم إخفاقات في الوقاية والعلاج، حتى أدى إلى وفاة أكثر من 5.5 مليون شخص، وعدد المصابين أكثر من 343 مليون شخص (21/01/2022م).  ويا للسخرية، أن الرأسمالية تبدي أن شركات الأدوية العالمية هي التي تهيمن على إنتاج الأدوية (اللقاحات). ناهيك عن انتشار العديد من الأمراض المعدية الأخرى، مثل الإيدز وما إلى ذلك.

وفي المجال التعليمي، خلص استطلاع NBC News Wall Street Journal الذي أجري في الفترة من 10 إلى 14 أغسطس 2019م إلى أن القيم التي تعتبرها الولايات المتحدة مهمة قد تغيرت خلال العقدين الماضيين. فالشباب الأمريكيون الآن أقل اهتمامًا بالوطنية والدين والرغبة في الإنجاب، ويقدرون العمل الجاد، والتسامح، والأمن المالي، والرضا عن النفس. ويعتبر 30% فقط أن الدين مهم جدًا. ومثل ذلك فيما يتعلق بالرغبة في الإنجاب؛ حيث قال 43% فقط إنه مهم للغاية. ويظهر التغيير في وجهات نظر الجيل الجديد أيضًا أن الوطنية لم تعد مهمة؛ حيث إن 51% منهم لا يدعمون الرأسمالية.

وفي ساحة السياسة الخارجية، ومن أجل تطبيق الرأسمالية عالميًا، تطبِّق أمريكا والغرب الطريقة الاستعمارية (الإمبريالية)، سواء كان من النمط القديم (من خلال الجيش) أم من النمط الجديد (الإمبريالية الجديدة، من خلال الهيمنة الاقتصادية والثقافية). نتيجة ذلك، يمكننا أن نرى  منذ الحرب العالمية الأولى قتل أكثر من 31 مليون شخص، و58 مليون شخص فقدت حياتهم في الحرب العالمية الثانية، و1.7 مليون في الحرب الأمريكية ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، و 1.5 مليون في حرب فيتنام. وكذلك هناك الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر. لقد كلَّف ضحايا هذه الرغبة في الاستعمار مئات الملايين من الناس الذين ماتوا وتضرَّروا وأصيبوا بإعاقات بشكل دائم وعانوا من خسائر جسدية ونفسية مختلفة.

أما الضرر البيئي، فليس منفصلًا عن الاقتصاد السياسي للرأسمالية. وقد تم اختيار الطاقات الأحفورية، على الرغم من أن لها أضرارًا بيئية كبيرة جدًا؛ تم اختيارها لأنها يمكن أن تقلِّل من تكاليف إنتاج السلع، فثمن هذا الاختيار الواجب دفعه كبير جدًا، وبالتحديد مع الاحتباس الحراري. قبل الثورة الصناعية  كان معدل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري 1 جيجا طن فقط، إلى 46.6 مليون جيجا طن في عام 2015م؛ أو حوالى 1.4 مليون كيلوجرام كل ثانية. وهذا ما أدى إلى حبس الحرارة التي يجب أن تعود إلى الفضاء ومن ثم تسببت هذه الحرارة في ذوبان القمم الجليدية القطبية مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات سطح البحر بين عامي (1992 و 2011)م حيث فقدت القارة القطبية الجنوبية 76 مليار طن من الجليد سنويًا، ومنذ عام 2012م وصل ذوبان هذا الغطاء الجليدي إلى 219 مليار طن سنويًا. وفي الوقت نفسه ارتفع مستوى سطح البحر بمقدار 0.08 ملليمتر سنويًا، وهو ما يحدث كل عام منذ عام 1993.

الاعتراف الفكري الغربي بفشل حضارة الرأسمالية العلمانية

لقد تحقَّق الواقع السيئ لتطبيق الرأسمالية العلمانية لدى العديد من المثقَّفين الغربيين أنفسهم. «لقد أصبح موضوعًا عامًا مشتركًا» أن الولايات المتحدة التي «تم الترحيب بها في العالم منذ بضع سنوات فقط باعتبارها عملاقًا يتمتَّع بقوة لا شبيه لها وجاذبية منقطعة النظير… هي في حالة الانحطاط، وفي خطر الدمار المميت». وتم تقديم هذه العبارة بواسطة شيوزا في أمريكا الميزة العالمية: الهيمنة الأمريكية والتعاون الدولي (سي نورلوف، العلوم السياسية الفصلية، فصل الصيفي 2011، ص 336-337). (6).

قال نعوم تشومسكي أستاذ اللسانيات والفلسفة: إن سبب كل ذلك (تدهور هيبة أمريكا)، كان دائمًا «القومية الراديكالية» أي جهود بلد ما للسعي إلى الحرية التي تنتهك مبادئ المناطق الرئيسية (المناطق التي تسيطر عليها أمريكا). ولقد توقع غاريسون Garrison (2004م) على أن أمريكا ستسقط يومًا ما: «بصفتها جمهورية، ستستمر أمريكا في التحليق، لكن باعتبارها إمبراطورية أمريكية، ستسقط بالتأكيد (بصفتها جمهورية، لم يكن هناك مكان تذهب إليه سوى الصعود. كإمبراطورية هناك ليس هناك مكان يذهبون إليه وسوف تسقط)».

ومن ناحية أخرى، عند التعليق على التوسع الاقتصادي للرأسمالية في شكل العولمة، حذر تشومسكي (2006م) من أن «العولمة التي لا تعطي الأولوية لحقوق الناس (المجتمع) من المرجح أن تقع في قبضة الاستبداد، والتي يمكن أن تكون حكم القلة واحتكار القلة. ويستند هذا النوع من العولمة على تركيز الثروة المشتركة للدولة والقطاع الخاص الذي لا يخضع عمومًا للمسؤولية أمام الجمهور»(7).

كتب هنري فيلتماير Henry Veltmeyer (2005) مقالًا مطوَّلًا يثبت بحدة أن العولمة (الرأسمالية) التي ترعاها الولايات المتحدة هي في الأساس تجسيد للإمبريالية الاقتصادية. وذهب جيمس ك.غالبريث (2002) إلى أن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في عصر العولمة جريمة كاملة. استمر هذا الأمر منذ عام 1948م عندما عقد الرئيس ترومان برنامج المساعدة الإنمائية الخارجية (ODA)، والذي كان يهدف في الأصل إلى حماية البلدان المحرَّرة حديثًا من الاستعمار من الدخول في الشبكة الشيوعية. ثم بين الستينات والسبعينات من القرن الماضي شنَّت الولايات المتحدة حملة من أجل الحاجة إلى بناء الدولة لخدمة الإنجاز الاقتصادي والسياسي للإمبريالية الأمريكية المتزايدة، ومنذ الثمانينات والتسعينات كانت العولمة الاقتصادية القائمة على الرأسمالية الجديدة والليبرالية الجديدة (والإمبريالية الجديدة) سلسة للغاية لتلبية مصالح الدول الكبرى(8).

بل لقد أظهر ويليام ج. ليدرير في كتابه «أمة الأغنام/ A Nation of Sheep» (1961) مدى سهولة خداع الشعب الأمريكي من قبل ممثليه في المؤتمر. وخلص إلى أن على أعضاء المؤتمر أن يعملوا لصالح ناخبيهم، وليس فقط العمل من أجل أنفسهم والدفاع عن رؤسائهم (الشركات الكبرى).

وقد ذكر دومينيك ماجليو: إن صمت المثقَّفين عندما وقعت في قبضة حفنة من بعض رجال الأعمال، العسكريين، الحكَّام في الولايات المتحدة، ثم ما حدث هو أن الأمة الأمريكية أصبحت الآن أمة من الماعز الذين يتظاهرون بأنهم مثقفون زائفون. يقول: «نحن أمة ضعيفة، نتكيف مع أجندة النخبة الحاكمة. ولكنه لأمرٌ مخزٍ أن تتحول أمريكا بسرعة إلى أمة من الأغنام المزيفة. وكثير منهم من الأمريكيين الذين يشعرون أنهم مثقفون لأنهم تلقَّوا تعليمًا عاليًا. لكنهم كسالى في التفكير والبحث في حقيقة مسألة مهمة للغاية، ويعتمدون فقط على ردود الفعل العاطفية مرارًا وتكرارًا. ففي الحقيقة هم ليسوا أكثر من مجرد مثقفين زائفين، أو حتى قطيع من الأغنام، قطيع من الماعز».

وأكد صمويل هنتنغتون وروبرت جارفيس (1999م) بكل غطرسة، وكأنهما شرطة للعالم، أن أمريكا «تحولت إلى قوة عظمى احتيالية» في معظم أنحاء العالم، «أكبر تهديد خارجي منفرد لمجتمعهم»، وأن «دولة محتالة» زعيم اليوم هو «الولايات المتحدة الأمريكية»(9).

كتاب «كيف تموت الديمقراطيات» يشرح كيف تموت الديمقراطية في الولايات المتحدة وأيضًا في بلدان مختلفة في العالم على أيدي المسؤولين المنتخبين أو الرؤساء. وبالنسبة إلى المؤلفين وهما أساتذة علوم الإدارة العامة في جامعة هارفارد ليفيتسكي وزيبلات (2018م) ،«يبدأ تراجع الديمقراطية اليوم من صناديق الاقتراع». هناك أربعة مؤشرات رئيسية يجب مراعاتها وهي: (1) الرفض (ضعف الالتزام) بقواعد اللعبة الديمقراطية، (2) رفض شرعية المعارضين السياسيين، (3) التسامح أو تشجيع العنف، (4) الاستعداد للحد من الحريات المدنية للخصم بما في ذلك وسائل الإعلام(10).

مساعي  الغرب لمنع ظهور الإسلام

الصحوة هي رفع مستوى التفكير المبنيِّ على المبادئ الروحية. إن الإحياء الحقيقي للحضارة الإسلامية هو عندما يشجع الإيمان على رفع مستوى عالٍ من التفكير، حتى يدرك الناس أن الله سبحانه وتعالى يحكم في جميع جوانب الحياة.

فعندما أُسقطت الحضارة الإسلامية ممثلة بالحكومة الإسلامية في إسطنبول تركيا في 3 مارس 1924م، الموافق 28 رجب 1342هـ في كتاب «حتمية الخلافة؟» يتبين أن جهود إحياء المسلمين قد تمَّت من قبل مختلف الحركات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم التي تريد استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الإسلام تحت رعاية الخلافة. وهذا التيار لا يمكن وقفه، وهو يتصاعد بشكل متزايد (Pankrust ، 2015)(11).

وقد تنبَّأ صموئيل هنتنغتون بإمكانية الإحياء الإسلامي عندما كتب عن صدام الحضارات (CoC)(12). المفهوم الرئيسي هو أن الهوية الثقافية (الكونفوشيوسية) والدين (في هذا الموضوع الإسلام)، سيكونان المصادر الرئيسية للصراع في العالم ما بعد الحرب الباردة.

وقدم هنتنغتون هذه النظرية في خطاب ألقاه عام 1992م أمام جامعة أمريكان إنتربرايز (American Enterprise Institute)، ثم تم تطويره في مقال نشر في مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs) عام 1993م بعنوان «صراع الحضارات؟/ The Clash of Civilizations»، ردًا على كتاب لطالبه فرانسيس فوكوياما بعنوان «نهاية التاريخ والرجل الأخير (1992م)». ثم طور هنتنغتون أطروحته في كتاب «صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي» (1996م).

وتم استخدام عبارة «صراع الحضارات» من قبل ألبير كاموس في عام 1946م، وبرنارد لويس في مجلة أتلانتيك الشهرية، الإصدار سبتمبر 1990م، بعنوان: «جذور الغضب الإسلامي/The Roots of Muslim Rage». وهذه العبارة أيضًا ظهرت في كتاب عام 1926م عن الشرق بقلم باسل ماثيوز: الإسلام الشبابي في الرحلة: دراسة في صراع الحضارات (ص 196). هذا المصطلح مأخوذ من مفهوم الصدام الثقافي الذي تم استخدامه خلال الفترة الاستعمارية و Belle poque.

بعد هجمات 11 سبتمبر 2001م في أمريكا، عندما أعلن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش (الحرب على الإرهاب). هناك هدفان للحرب ضد الإرهاب، وهما: «هدف قصير المدى لهذه الحرب يجب أن يكون تدمير الإسلام المتشدِّد؛ لكن الهدف طويل المدى لهذه الحرب هو تحديث الإسلام». إن الحرب على الإرهاب في جوهرها هي حرب ضد الإسلام، لأنها تحاول إعاقة تأسيس الإسلام ككيان مثالي في الحياة، لتحلَّ محل هيمنة وسيطرة الغرب على العالم (بايب، 2001م).

وأصدر مجلس الاستخبارات القومي (NIC) (2004م) ، وهو مؤسسة تتكوَّن من منظَّمات استخبارات عالمية مختلفة مقرها في الولايات المتحدة، نتائج دراستهم حول أربعة سيناريوهات عالمية محتملة يمكن أن تحدث في عام 2020م. أولًا، عالم دافوس حيث تزداد قوة الصين والهند. ثانيًا، السلام الأمريكي عندما تستمرُّ هيمنة الولايات المتحدة. ثالثًا، خلافة جديدة عندما يصعد العالم الإسلامي ليصبح قيادة واحدة وهي الخلافة. رابعًا، دورة الخوف في عالم مليء بالفوضى والخوف(13).

بعد ذلك جاء المفهوم الذي قدمته زينو باران Zeyno Baran (2004 ؛ 2005) من معهد نيكسون Nixon Center، وهو مؤسسة فكرية أمريكية، لمواجهة الجماعات الإسلامية «الراديكالية» في مقال بعنوان «Fighting Mind and Ideas»(14). ترى باران صعود الإسلام لإعادة بناء الحضارة الإسلامية مدفوعًا من قبل الجماعات الإسلامية مثل حزب التحرير في آسيا الوسطى، والذي يقلق الغرب بشكل متزايد، وأنه يجب أن يوقف سدًّا في وجهه، وأن يُحمل ذلك على محمل الجد.

في عام 2004م، كتب دانيال بايبس مؤسس منتدى الشرق الأوسط المعروف أيضًا بأنه العقل المدبر وراء حركة الإسلاموفوبيا، مقالًا بعنوان «مؤسسة راند وإصلاح الإسلام». وترجمت لاحقًا آمال بايبس في تعديل الإسلام إلى استراتيجية بواسطة الباحثة في مؤسسة راند شيريل بينارد في كتاب: الإسلام المدني الديموقراطي: شركاء، موارد، استراتيجيات(15). وصف بينارد هذه المهمة بالبناء الديني، وهي محاولة لبناء دين إسلامي بديل، مخيفة أكثر بكثير من مهمة بناء الأمة.

وفي عام 2007م، وصف بينارد في كتابه «بناء شبكة إسلامية معتدلة / Building Moderate Muslim Network»، استراتيجية لبناء شبكة إسلامية معتدلة مؤيدة للغرب حول العالم. وقد تم تطوير هذه الاستراتيجية بتمويل من مؤسسة سميث ومؤسسة راند التابعة للصهيونية العالمية.

ما هي جداول الأعمال والاستراتيجيات الرئيسية في الكتابين من راند كورب Rand Corp؟ باختصار هناك ثلاث نقاط رئيسية:

 أولًا: جهود المسلمين للعودة إلى نقاء التعاليم بعد فترة طويلة من التخلُّف والعجز في العالم الإسلامي على أنها تهديد للغرب وحضارة العالم الحديث، ويمكن أن تؤدي إلى تصادم الحضارات (clash of civilization).

ثانيًا: لكي لا يصبح العالم الإسلامي تهديدًا، يجب أن يكون العالم الإسلامي قابلًا للديمقراطية والحداثة وأن يمتثل للقوانين الدولية لإحلال السلام العالمي.

ثالثًا: لذلك من الضروري تحديد نقاط القوة وتمييز الجماعات الإسلامية لمعرفة من كان منهم صديقًا أو عدوًّا للغرب، وأيهما سيدعم قوته، ومن سيدرب تحت الحماية، ومن سيضرب، وتنظيم الاستراتيجي بمعالجة الموارد الموجودة في العالم الإسلامي.

خلاصة الكلام، إنهم يريدون تأسيس الإسلام «على مراد راند كورب» الذي يخضع للغرب وتحت السيطرة الغربية.(17) يريدون شلَّ المفاهيم الأساسية في الإسلام كالجهاد والخلافة، وتشجيع الوسطية الدينية التي هي في الحقيقة العلمانية في الدين، وتقوية العلمانية الغربية. وفي أنظارهم، أن الدين ليس هو إلا إلهامًا وليس طموحًا؛ لأن الدين لا علاقة له بتنظيم الحياة. فهذه كلها مفاهيم هشَّة كهشاشة خيوط العنكبوت.

الغرب برُهاب الإسلاموفوبيا، يواصل محاولة إجهاض إقامة الخلافة؛ عن طريق توحيش صورة الخلافة من خلال استغلال وجود إرهابيي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وسوريا أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). والشام = صعود(ISIS-Islamic State of Iraq and Syria atau ISIL-Islamic State of Iraq and Levant=rising)، سوريا الكبرى (الجماعة المسلحة الفعلية أنشأتها الولايات المتحدة). بناء على اعتراف أوباما رئيس الولايات المتحدة: نحن نسرع في تدريب قوات داعش». (CNNI ، 9/7/2015م) وتصريح هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (في Hard Choice ، 6/8/2015م: الذين يدّعون أنهم أقاموا «خلافة»، من خلال نشر الإرهاب والعنف.

حتى إن الغرب من خلال حكام الدُّمى  في المنطقة استخدم كل الوسائل، سواء كانت بقوة ناعمة (soft power) أم بقوة صلبة (hard power) اضطهادًا واعتقالًا وإجرامًا وإزهاقًا لأرواح المطالبين بالشريعة والخلافة في شتى أنحاء العالم بحجة التطرُّف، والتشدُّد، والإرهاب. هذه بعض مظاهر الهزيمة الفكرية والسياسية للغرب وحكَّامه الدُّمى في مواجهة العاملين لإقامة الإسلام والخلافة.

خاتمة

على كل حال، بعد أكثر من 100 عام على تدمير الخلافة، منذ عام 1924/1342هـ ، فإن الجهود التي يبذلها الغرب لدفع موجة النضال لإعادة تأسيس الحضارة الإسلامية التي تنشر الرحمة للعالمين، ستذهب هباءً، وستنتهي بالفشل إجمالًا؛ لأن الأمة قد استقام توجهها في طريق نهضتها الحقيقية، يعني الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، واستمرار الحياة الإسلامية بإقامة الإسلام كافة عن طريق إقامة الخلافة الراشدة الثانية. إن شاء الله تعالى.

هامش

(1)         فيما يتعلق بمصطلح “رجل مريض” المشار إليه في العبارة: “رجل الدولة البريطاني جون راسل عام 1853، في الفترة التي سبقت  حرب القرم، ادعى نيكولاس الأول من روسيا أن الإمبراطورية العثمانية “رجل مريض – رجل مريض جدًا” و”رجل سقط في حالة من التدهور” و” رجل مريض… بمرض خطير” المصادر:

[1] كريستوفر دي بيليج. “ماضي تركيا الخفي”. مجلة نيويورك للكتب ، 48: 4 ، 2001-03-08.

[2] كريستوفر دي بيليج. “رجل أوروبا المريض”. نيويورك ريفيو أوف بوكس ، 48:11 ، 2001-07-05. [3] “الإمبراطورية العثمانية.” موسوعة بريتانيكا للطلاب ، 2007م.

(2)         بي بي سي إندونيسيا (2021).

https://www.bbc.com/indonesia/media-55575270

(3)         النبهاني ، تقي الدين (1953) نظام الإسلام. القصص ، أحمد (2009) ، نشأ حضارة الإسلامية.

(4)         أوكسفام (2021).

https://ekonomi.bisnis.com/read/20200120/9/1192088/oxfam-ketimangan-ekonomi-dunia-diluar-kendali

(5)         المكتب الأمريكي للإحصاء (2017). الجريمة في الولايات المتحدة حسب الحجم والمعدل لكل 100.000 نسمة  1998-2017.

(6)         رئيس، أمين (2008). جدول الأعمال العاجلة للأمة. أنقذوا إندونيسيا !، PPSK Press: Yogyakarta

(7)         التجارة الحرة والعادلة ، الأجندة العالمية 2006 ، ص 111.

(8)         رئيس ، أمين (2008). المرجع السابق.

(9)         رئيس ، أمين (2008). المرجع السابق.

(10)       ليفيتسكي وزيبلات (2018). كيف تموت الديمقراطيات

(11)       بانكروست ، رضا (2013). خلافة لا مفر منها؟ مطبعة أكسفورد.

(12)       ويكيبيديا (2021) الدخول: صموئيل هنتنغتون.

(13)       مجلس المخابرات الوطني (2004). رسم خرائط العقود الآجلة العالمية.

(14)       باران ، زينو (2005). خوض حرب الأفكار. الشؤون الخارجية ، نوفمبر / ديسمبر 2005 ، المجلد 84 العدد 6.

(15)       بينارد ، شيريل (2007). بناء شبكة إسلامية معتدلة. شركة راند.

(16)       المرجع نفسه.

(17)       المرجع نفسه.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *