العدد 419 - السنة السادسة والثلاثون – ذو الحجة 1442هـ – تموز 2021م

التخفيف على المسلمين فيما شرع لهم (1)

شرع الله الخالق المدبِّر، العليم الخبير، للإنسان ما يصلحه، وكان ما شرعه له رحمة منه، وفيه تخفيف عليه، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ ) وهذا يعني مما يعنيه أن الشرع هو حصرًا من الله، وأن على المسلم ألا يشقَّ على نفسه فيما شرعه الله له، فيحملها فوق طاقتها، ما يؤدي به إلى هجرها بالكليَّة، وقد جاءت كثير من الأحاديث التي توجه المسلم بهذا الاتجاه حتى تكون عبادته عن رغبة وخشوع وخضوع فتزيده إيمانًا وتسليمًا. ومن هذه الأحاديث:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن مَرَّ في شيءٍ مِن مَسَاجِدِنَا أوْ أسْوَاقِنَا بنَبْلٍ، فَلْيَأْخُذْ علَى نِصَالِهَا، لا يَعْقِرْ بكَفِّهِ مُسْلِمًا» رواه البخاري.

والنَبلُ: السِّهامُ التي لها رُؤوسٌ حادَّةٌ ومُدبَّبةٌ. والواجب على المسلم أنْ يُمسِكَ ويَحفَظَ أطرافَها الحادَّةَ بيَدِه أو بأيِّ وَسيلةٍ تَحفَظُها، وليَكُنْ حَذِرًا أثناءَ مُرورِه بها؛ لِئلَّا يَجْرَحَ بها أحدًا. وفي هذا الحديث بَيانُ كَريمِ خُلُقِه ورَأْفَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالمؤمنينَ. وفيه التَّعظيمُ لحُرمةِ دَمِ المسلمِ قَليلِه وكَثيرِه. وفيه بَيانُ آدابِ حمْلِ السِّلاحِ، وأنَّ حاملَ السِّلاحِ عليه أنْ يَتحرَّزَ ويُحاذِرَ أنْ يُؤذِيَ به أحدًا.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ؛ فإنَّ منهمُ الضَّعِيفَ والسَّقِيمَ والكَبِيرَ، وإذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شَاءَ» رواه البخاري.

 كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم نِعْمَ الـمـُعلِّمُ والـمُرَبِّي لِأصحابِه وأُمَّتِه مِن بَعدِه، وكان يَختارُ لِلناسِ ما يُصلِحُهم في أنفُسِهم، وما يُصلِحُ غَيرَهم مِن أُمورِ الدِّينِ والدُّنيا. فقوله: صلى الله عليه وسلم «فلْيُخَفِّفْ» يَعني في القِراءةِ والرُّكوعِ والسُّجودِ، مع المحافظة على صحة الصلاة. وعِلَّةُ الأمْرِ بالتَّخفيفِ أنَّ منهمُ الضَّعيفَ في بَدَنِه، والسَّقيمَ، والكَبيرَ في السِّنِّ، وصاحبَ الحاجةِ وغَيرَهم مِن أهلِ الأعذارِ، وهؤلاء لا يَتحَمَّلونَ التَّطويلَ… أما قوله صلى الله عليه وسلم «وإذا صَلَّى أحَدُكم مُنفَرِدًا فلْيُطَوِّلْ ما شاءَ» فليفتح أمامه باب الاجتهاد في العبادة، أو في أي أمر من أمور الطاعة؛ لِأنَّه يَعرِفُ طاقةَ نَفْسِه…

– عن عائشةرضي الله عنها  إنْ كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيَدَعُ العَمَلَ وهو يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ به؛ خَشْيَةَ أنْ يَعْمَلَ به النَّاسُ، فيُفْرَضَ عليهم، وما سَبَّحَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قطُّ، وإنِّي لَأُسَبِّحُهَا». رواه البخاري.

 إن قولها رضي الله عنها إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يدَعُ العمَلَ ويَترُكُه؛ خَشيةَ أنْ يَعمَلَ به النَّاسُ، يعني أنه صلى الله عليه وسلم يَترُكُ إظهارَ العملِ حتَّى لا يُتابِعَه الـمُسلِمون فيُفرَضَ عليهم، فيَشُقَّ عليهم، ولا يَقدِروا عليه، وقد جاء في الحديثِ الـمُتَّفَقِ عليه مِن حَديثِ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها قالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ تعالَى، أدْوَمُها وإنْ قَلَّ». ويَحتمِلُ أنْ يكونَ معْنى قَولِها: «فيُفْرَضَ عليهم»، فيَعمَلَه الناسُ مُعتقدين أنَّه مَفروضٌ عليهم. ومعنى قولها رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم «لم يُسبِّحْ سُبْحةَ الضُّحى قطُّ»، والسُّبحةُ هي صَلاةُ النافلةِ، والمعنى: أنَّه لم يُصَلِّ صَلاةَ الضُّحى قطُّ. ثُمَّ أخبرتْ رَضيَ اللهُ عنها: أنَّها مع ذلِك تُسَبِّحُها، أي: تفْعَلُها، فكانتْ تُصلِّيها وتُحافِظُ عليها، ولعلَّها سمِعتْ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الحثَّ عليها، وأنَّه إنَّما ترَكَ المداومةَ عليها خَشيةَ أنْ تُظَنَّ أنَّها واجِبةٌ. أما نَفْيُها لصَلاتِه صلى الله عليه وسلم الضُّحى بمعْنى: ما كان يُداوِمُ عليها، فيكونُ نَفْيًا للمُداوَمةِ عليها لا لأصْلِ فِعلِها، وقد روَى مُسلمٌ عنها أنَّها قالت: «كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصلِّي الضُّحى أرْبعًا، ويَزيدُ ما شاء اللهُ». كذلك فقد أَوصَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبا هُريرةَ رضي الله عنه بصَلاتِها كما في الصَّحيحَينِ، وأَوصَى أبا الدَّرداءِ بصَلاتِها أيضًا كما في صَحيحِ مُسلمٍ… وفي الحديثِ كَمالُ شَفَقتِه ورَحمتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأُمَّتِه.

– عن عائشة رضي الله عنها قالت: نهاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تُواصِلُ؟ قال: «إني لستُ كهيئتكم؛ إني أَبِيتُ يطعمني ربي ويسقينى» متفق عليه. معناه يجعل فيَّ قوةَ مَن أكل وشرب.

والوصال يعني أن يصل الإنسانُ يومين فأكثرَ في الصيام من غير فِطرٍ، يعني يصوم الليل والنهار يومين أو ثلاثة أو أكثر، فنهاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وبيَّن لهم أنه صلى الله عليه وسلم ليس كأفراد الأُمَّة، بل هو يَبيتُ عند ربِّه يُطعمه ويَسقيه، ومعنى ذلك أنه عليه الصلاة والسلام يتهجَّد بالليل، ويخلو بالله عزَّ وجلَّ بذكره، وقراءة كلامه، وغير ذلك مما يُغنيهِ عن الأكل والشرب؛ لأن الإنسان إذا اشتغل بالشيء نَسِيَ الأكل والشرب، خصوصًا إذا كان الشيء مما يُحِبُّه ويرضاه؛ وذلك مثل طالب العلم الذي يكون منهومًا بالعلم شغوفًا به، ربما يبقى في مكتبته يطالع من الصباح إلى المساء، فينسى الأكل والشرب، ينسى الغداء والعَشاء، وربما ينسى النوم، وكذلك طالب الدنيا منهومٌ لا يشبع، ربما يبقى في دفاتره وحساباته فينشغل عن الأكل والشرب. فالإنسان إذا انشغل بالشيء المحبوب إليه، أنساه كلَّ شيء؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أَبيتُ عند ربي يطعمني ويسقيني».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *