العدد 419 - السنة السادسة والثلاثون – ذو الحجة 1442هـ – تموز 2021م

الأزمة الكيانية في لبنان… والحقيقة الضائعة فيه

يعيش أهل لبنان اليوم أزمة لم تمرَّ عليهم مثلها في تاريخهم الحديث (ما بعد الاستقلال المزعوم)، فمن هو مسبِّب هذه الأزمة؟ هل هم هؤلاء الحكام الذين يبلعون كل مقدراته على حساب شعبه، أم هو النظام الديمقراطي التوافقي الطوائفي الذي يُحكم به؟ أم هو التدخل الخارجي الغربي الرأسمالي الاستعماري المستتر الذي يتحكَّم بمفاصل الحياة السياسية الداخلية والخارجية فيه؟ أم هم هؤلاء الثلاثة مجتمعين؟ وإذا كانوا كذلك، فأيهم هو العامل المؤثر الأكبر المتحكِّم في صنع أزمته؟

 ولمعرفة المسبِّب الحقيقي لأزمته، وبالتالي معرفة معالجتها، لا بدَّ من معرفة كيف تُحكم دول المنطقة، وممن تُحكم، فلبنان جزء منها، ولا يختلف عنها، فالمنطقة منطقة واحدة من مختلف الزوايا: العقدية والسياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية.

لقد أنشئ لبنان، هو وغيره (سوريا والعراق والأردن وفلسطين…) بعدما سُلخ من جسم دولة الخلافة العثمانية بعد انهزامها في الحرب العالمية الأولى على يد الفرنسيين والإنكليز، أعداء الدولة الإسلامية والأمة الإسلامية على الدوام، فبعد أن كان لبنان جزءًا من دولة فيها كل مقوِّمات الدول ومقدِّرات الحياة، قامت فيه، كغيره من الدول المستحدثة، دولةٌ منزوعة السيادة منقوصة المقدِّرات، وجعلت له فرنسا، راعية استعماره واستثماره واستحماره،دستورًا علمانيًا، ونظامًا طوائفيًا،ونصبت عليه حكامًا ليكونوا أذنابًا ينفذون لها سياساتها، ونواطير يؤمنون لها مصالحها المختلفة، وأدوات صراع داخلي وخارجي بينها وبين منافسيها من دول الاستعمار الأخرى. مثلهم مثل حكام دول المنطقة المستحدثة التي عايشتهم الأمة على مدى القرن الفائت، وأصابها منهم الويلات، ولايختلف أحد من الناس على عمالتهم وسوئهم، وإنما يختلفون على الجهة التي هم عملاء لها: هل هم تابعون لأمريكا، أم لفرنسا، أم لبريطانيا…

وهذا الواقع يضعنا أمام حقيقتين ثابتتين تواكبان استعمار الغرب للمنطقة: أولاها أن بلاد المسلمين، ومنها لبنان، مستعمَرة وواقعة تحت نفوذ الدول الغربية الرأسمالية المتصارعة فيما بينها دائمًا على المصالح، وثانيها أن سفارات الدول الاستعمارية، هي التي تدير البلاد من وراء ستار، وتضبط تصرفات وقرارات حكامها بسياسة دولها المرسومة لها؛ فهي المتحكِّمة، وهي التي تأمر وتنهى فيه، وهي التي تتابع تنفيذ سياسة دولتها في هذا البلد، وهي التي تدير سياساته كما تدير أزماته…

وإذا عدنا إلى الأزمة الكيانية التي تُلمُّ بدولة لبنان فإننا سنجد حكامًا بلغ السوء فيهم مبلغه، وأصبحوا أقبح من عاهرة تدَّعي الشرف. وهم لم يرعَووا عن السير وراء مصالحهم الشخصية ولو عارضت حتى قواعدهم الشعبية. وهم الذين يسرقون ثروات البلد ويثرَوْن على حساب شعوبهم، ففي الوقت التي يقع فيه البلد بأزمة مديونية خانقة نرى أرصدتهم متخمة في البنوك الأجنبية وبحسابات مشفَّرة. ونراهم ما زالوا يخططون للبقاء في الحكم والفوز بالمناصب على حساب منافسيهم الذي هم على شاكلتهم بالرغم من تبرُّم الناس الشديد منهم… والقول الكثير في مدى سوئهم يبقى قليلًا أمام ما هم عليه…

 ولكن هؤلاء الحكام، فإن دول الغرب تسيطر على تصرفاتهم وتمنعهم منها إذا ما تعارضت مع مصالحها، وتلزمهم باتخاذ المواقف المناسبة لمصلحتها تحديدًا، عن طريق سفاراتها كما قلنا. وفي لبنان فإن السفارة الأمريكية هي المسيطرة، والسياسة الأمريكية هي المهيمنة، وكل ما يجري في لبنان تحت سيطرتها وبإشرافها، وتسير بحسب خطة لها وضعتها للمنطقة ككل، ولبنان جزء منها، وله نصيبه منها؛ لذلك نقول بأن ما يجري اليوم في لبنان هو جزء من مخطط أمريكي متعلق بالمنطقة ككل وليس بلبنان خاصة، يعمل على تقسيم المنطقة من جديد وفق معايير تمنع وحدتها وتبعد الإسلام بقوة عن الحكم عن طريق فرض دساتير علمانية، وتسليم الحكم إلى عملاء جدد لها من منظمات المجتمع المدني ومن غيرهم، وإبعاد المسلمين عن المطالبة باستئناف الحياة الإسلامية، ومحاربة الحركات والأحزاب السياسية الإسلامية التي تعمل لإقامة دولة الخلافة من جديد.  بالإضافة إلى وضع يدها على ثرواته ومقدراته؛ من هنا فإن ما يجري في لبنان يجري مثله في سوريا، وكذلك في العراق، وفي ليبيا، وفي اليمن… والطبخة الأمريكية لمستقبل لبنان لن تستوي حتى يتأمن لها تنفيذ خطتها في المنطقة ككل.

هذه هي الحقيقة الضائعة في الأزمة اللبنانية التي يغفل عنها المتحدثون بالشأن اللبناني أو يتحاشونه خوفًا… وبسبب ضياعها يقف الناس والإعلاميون والسياسيون المضلِّلون مواقف أقل ما يقال فيها إنها تمكن لأمريكا بدل أن تستأصل نفوذها. ومن ذلك:

 – هذه الحقيقة الضائعة في الأزمة اللبنانية تجعل من مسؤولي لبنان وإعلامييه وأصحاب الرأي السياسي فيه يرجون من أمريكا التدخل لحل الأزمة ويقصدون بذلك أن يضغطوا على عون أو الحريري أو غيرهم… ويطلبون منهم مد يد المساعدة لهم ظنًا منهم أنها بعيدة عن صنع أزمته بينما هي العكس… ويطلبون منها الخلاص حين يطلبون برجاء مذل من أمريكا أن تسمح للبنك الدولي أن يقرض لبنان. ومعلوم أن في هذا الطلب قمة الخيانة وأسر لبنان في سجن القروض التي لا خروج منها إلا مخنوقًا منتوفًا. فمن منا لا يعرف البنك الدولي والسياسة الاستعمارية التي تقف خلفه، وأنه من أهم أدوات الاستعمار الأمريكي؟!.

– يظن الناس والمحلِّلون السياسيون أن زعماء البلد هم وراء أزمته، ووراء تعقيدها. والحقيقة أنه لا الحريري، ولا عون، ولا بري، ولا القوات اللبنانية، ولا جنبلاط، ولا أي طرف سياسي محلي آخر أو إقليمي من مثل إيران أو السعودية أوتركيا أو قطر أو العراق… يستطيع أن يقرر شيئًا مما يجري في لبنان بعيدًا عن التوجهات الأمريكية لسياستها في لبنان… فما هؤلاء إلا مجرد أدوات وبيادق في لعبة شطرنج السياسة الدولية في المنطقة، وخاصة الأمريكية. فإذا لم يستطع الحريري تأليف وزارة فلأن أمريكا لم ترد ذلك، وإذا سمحت لعون بأن يقف وراء دفع الحريري إلى الاعتذار عن تأليف الحكومة فلأن ذلك يناسب سياستها ومصلحتها، وإذا تشكَّلت حكومة برئاسة نجيب الميقاتي أو غيره أو لم تتشكل… فكل ذلك تديره أمريكا بحسب أجندتها. وإذا كان حزب إيران يمسك بخيوط اللعبة السياسية فيه ويتحكم في مفاصلها تحت تهديد سلاحه فلأنه تابع في سياسته لإيران التي هي من دول المنطقة التي تخضع للسياسة والنفوذ الأمريكي… فالسياسة الأمريكية هي الفاعلة في لبنان ولا يوجد فيه صراع دولي ذو أهمية تذكر.

– وبسبب ضياع هذه الحقيقة، يقف الناس والإعلاميون والمحللون السياسيون وأصحاب الرأي فيه مواقف مضلِّلة، ومنها موقفهم من منظمات المجتمع المدني واعتبارها أنها ستكون الأدوات الجديدة الصالحة للحكم، وأن الخلاص سيأتي عن طريقهم؛ بينما باتت منظمات المجتمع المدني العلمانية تدخل في صلب سياسة الغرب الاستعمارية الجديدة للمنطقة ككل، ومنها لبنان، وستكون هي الأدوات الجديدة لحكم المنطقة وإبعاد الإسلام عن الحكم. حتى إن السفارة الفرنسية تنافس السفارة الأمريكية في هذا الموضوع، وإننا لنرى كيف يجتمع السفراء والموفدون الدوليون برموز وشخصيات هذه المنظمات باعتبار أنهم سيكونون من الحكام الجدد، وأنهم روَّاد التغيير، وأصبحت التهمة الموجّهة إليهم من قبل السياسيين التقليديين أنهم (صبيان السفارات)

– ومن مظاهر أن أمريكا هي التي صنعت الأزمة اللبنانية وتتحكم بها أن أزمته المالية يقف وراءها السياسة المالية التي اتبعها البنك المركزي اللبناني، ويعتبر حاكمه رياض سلامة خطًا أحمر لدى أمريكا لا يسمح لأحد من المسؤولين السياسيين أن يمسَّ موقعه؛ ومعلوم أن سياسته المالية التي اتبعها  هي التي أوصلت لبنان إلى القعر وبالتالي خدمت أمريكا.

 – ومن مظاهر أن أمريكا تمسك بالوضع اللبناني وأزمته أنها تتبنى قائد الجيش، ويظهر أنه مرشحها الرئاسي بعد ميشال عون وتدعمه وتدعم الجيش بالسلاح وقد تمده أو تسمح بمده بالمال لمعالجة أزمة أفراده المعيشية.

– ومن مظاهر أن أمريكا هي التي تدير أزمة لبنان وتمنع حلها أو مساعدته جزئيًا أو مرحليًا هو منع دول الخليج من السعودية إلى الإمارات إلى قطر من مد يد المساعدة المالية إليه ولو في القليل الذي يخفف من وطأة أزمته المالية، وبالتالي تتركه من غير دعم، لا في الدواء ولا الغذاء ولا النفط… بل هي على العكس تسمح لتجار المال أن يلعبوا بأسعار عملته حتى لا يبقى له متنفس.

– ومن مظاهر تحكُّم أمريكا في أزمة لبنان وإدارتها أنها تمنع القيام بأعمال جدية لاستخراج النفط من البلوكات المقابلة لسواحله، والتي تضم كميات ضخمة واعدة من النفط كافية لحل مشاكله المالية في أشهر أو سنوات قليلة…

– ومن مظاهر اتخاذ هذه الصورة المأساوية للأزمة المالية والاقتصادية والمعيشية في لبنان هو العمل على تأخير دوره في المنطقة لمصلحة تقديم دور (إسرائيل) بعد فرض الصلح على المنطقة معها، وهذا يقتضي تدمير المجالات الحيوية المنافسة لـ(إسرائيل) من مثل المرفأ والمصارف والسياحة…

وفي الخلاصة فإن دول المنطقة تخضع اليوم لمخطط أمريكي هو قيد التنفيذ، ومن ضمنها لبنان. وهي تسعى لصياغة كل دولة من دول المنطقة صياغة طائفية عنصرية مذهبية ليبقى في مقدورها اللعب على حبل الأقليات، وتسعير الخلافات بينها، والتدخل لحمايتها… وهي تسعى في الوقت نفسه لحل القضية الفلسطينية والاعتراف بـ(إسرائيل) وإدخالها في نسيج دول المنطقة.

وإنه إذا كنا نرى للسفارة الفرنسية تحركات وللمسؤولين الفرنسيين زيارات فإنما هي محاولة من فرنسا لأن يكون لها موطئ قدم في السياسة اللبنانية، ويبدو أنها تبحث عن عز مفقود لها فيه، وظاهر أن مثل  هذه التحركات الفرنسية تقوم أمريكا بمرافقتها وبإجهاضها في مهدها، فلا زيارات رئيس الدولة الفرنسية ولا وزير خارجيتها ولا مبعوثيها أفادت بشيء… فأمريكا تسير بهدوء نحو تحقيق أجندتها في المنطقة غير سائلة عن غير مصلحتها…

هذه هي قصة الاستعمار المأساوية التي لا تنتهي فصولها ليس في لبنان فحسب بل في كل بلاد المسلمين، بل في كل دول العالم المستعمَرة. والذي نريد أن نقوله: إن أمريكا لن تستطيع الحل مهما فعلت لأن مئة سنة مضت من الاستعمار وغسل الأدمغة وتضليل الشعوب وإفساد أذواقهم وإفقارهم وتجهيلهم واللعب على قضاياهم وتقسيم بلادهم وتفريق شعوبهم… لم تستطع أن تنال منهم بنائلة… ومن ينظر إلى أمريكا اليوم، والتي تفكر باستعمار جديد للمنطقة يدوم مئة سنة أخرى، هي مليئة بالمشاكل التي تقرِّبها من أجلها، وبالتالي فهي لن تدوم… ومن ينظر إلى الحضارة الغربية يرَ أنها أفلست، وهي بانتظار إعلان وفاتها مع نعي سيئ لها… ومن ينظر إلى الشعوب الغربية يرَ أن مجتمعاتها قد شاخت، وليست مستعدة للدفاع عن حضارتها، فضلًا عن الموت في سبيل بقائها، فضلًا عن نشرها… ومن ينظر في المقابل لأحقية هذا الدين وحيويته وإيمان أهله به، وعودتهم إليه بقوة… ليستبشر بخير ما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه في آخر هذا الزمان ستقوم قائمة الإسلام: خلافة راشدة على منهاج النبوة، فلا تُبقي الأرض من خيرها إلا أخرجته، ولا السماء من خيرها إلا أنزلته، يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض… فلمثل هذا فليعمل العاملون.    

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *