العدد 413 - السنة الخامسة والثلاثون – جمادى الثانية 1442هـ – كانون الثاني 2021م

غربة الإسلام وتجديده وحزب التحرير… على صعيد الاقتصاد، والاجتماع، والتعليم: (2)

حامد عبد العزيز

   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء» [خرجه مسلم، وانفرد به عن البخاري، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن] قال السندي في حاشية ابن ماجة: «غَرِيبًا» أَيْ لِقِلَّةِ أَهْله، وَأَصْل الْغَرِيب الْبَعِيد مِنْ الْوَطَن «وَسَيَعُودُ غَرِيبًا» بِقِلَّةِ مَنْ يَقُوم بِهِ وَيُعِين عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَهْله كَثِيرًا، «فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» الْقَائِمِينَ بِأَمْرِهِ. وطُوبَى تُفَسَّر بِالْجَنَّةِ وَبِشَجَرَةٍ عَظِيمَة فِيهَا، وَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى أَنَّ نُصْرَة الإِسْلام وَالْقِيَام بِأَمْرِهِ يَصِير مُحْتَاجًا إِلَى التَّغَرُّب عَنْ الأَوْطَان وَالصَّبْر عَلَى مَشَاقّ الْغُرْبَة كَمَا كَانَ فِي أَوَّل الأَمْر.

2-الغربة على الصعيد الاقتصادي:

   إنه وإن كانت حصلت غربة للإسلام وللأمة في نظام الحكم عندما تحوَّل الحكم فيها من الشورى إلى نظام الملك العضوض، إلا أن الحكم ظل حكمًا إسلاميًا حتى تم هدم الخلافة سنة 1924م، وإن كانت هناك إساءة لتطبيق نظام البيعة. أما على الصعيد الاقتصادي، فلم تحصل تلك الغربة أبدًا طوال ثلاثة عشر قرنًا قبل هدم الخلافة، فقد كانت الدولة تأخذ المال من المسلمين بأسباب شرعية، وتوزعه على المسلمين حسب النصوص الشرعية. إلا أنه بعد هدم الخلافة كانت غربة الإسلام والأمة في الجانب الاقتصادي كبيرة وكبيرة جدًا، فقد تم إبعاد الإسلام تمامًا في هذا الجانب بعد أن أبعد الإسلام عن الحكم، ومن هنا تفشَّت المعاملات الربوية في واقع الأمة وانتشرت البنوك الربوية في طول البلاد وعرضها، وأصبح أمر الزكاة أمرًا فرديًا، لا تقوم به الدولة ولا تهتم به، ناهيك عن تفشي الاحتكار والكنز وهيمنة النظم الاقتصادية الرأسمالية على الحياة في بلاد المسلمين.

   لقد كانت كتب (النظام الاقتصادي في الإسلام) و(الأموال في دولة الخلافة) و(السياسة الاقتصادية المثلى) التي أصدرها حزب التحرير، بجانب دستور دولة الخلافة الذي وضعه الحزب، وفيه نظم الجوانب الاقتصادية في الدولة وغيرها من الجوانب كالحكم والتعليم والنظام الاجتماعي والسياسة الخارجية وغيرها. كانت تلك الكتب علامة فارقة في إظهار الإسلام مرة أخرى باعتباره نظامًا شاملًا كاملًا لكل شؤون الحياة، فقد قدَّم الحزب النظام الاقتصادي للأمة بطريقة فكرية عملية لم يسبق لها مثيل. ولقد كانت مقدمة كتاب النظام الاقتصادي فتحًا جديدًا أتى على بنيان النظام الاقتصادي الرأسمالي والشيوعي من أساسه، فخرَّ عليهم السقف من فوقهم.

   ولم يكتفِ الحزب بذلك بل بيَّن أصل المشكلة الاقتصادية بأنها ليست الدخل الأهلي ولا الندرة النسبية للسلع والخدمات، بل هي عملية توزيع الثروة على الناس، وقدَّم حلولًا عملية لكل المشاكل الاقتصادية، وبيَّن أحكام الملكية من ملكية عامة وملكية خاصة وملكية دولة، كما وبيَّن أحكام الشركات في الإسلام وقدَّم اجتهادًا جديدًا عندما بيَّن مخالفة شركات المساهمة والجمعيات التعاونية وشركات التأمين، وكيف يمكن تحقيق الاستقرار الاقتصادي للدولة وعملتها عند ربطها بغطاء كامل من الذهب والفضة.

نعم كانت تلك الكتب فتحًا جديدًا واجتهادًا معتبرًا وعلامة فارقة في تاريخ الأمة، وخطوة على طريق التجديد الفقهي والسياسي للأمة، وإن الحزب بفضل الله يغذُّ السير لوضع تلك الأفكار والأحكام موضع التطبيق في دولة الخلافة على منهاج النبوة، وإن غدًا لناظره قريب.

3-الغربة على صعيد النظام الاجتماعي:

إنه وإن ظلَّت الأحكام الشرعية المتعلقة بعلاقة المرأة والرجل، أو ما يسمى اليوم بالأحوال الشخصية، بعيدة عن يد التحريف بعد هدم الخلافة الإسلامية، إلا أنه وفي السنوات الأخيرة بدأت الحملة الغربية على الأحكام الخاصة بالمرأة تلقي شباكها، علَّها تستطيع تفتيت العائلة المسلمة التي هي حصن من حصون الإسلام. وإنه وإن كان كتاب (النظام الاجتماعي في الإسلام) للشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله، قد اهتمَّ بهذا الجانب وبيَّن نظرة الإسلام الصحيحة للمرأة باعتبارها أمًّا وربة بيت وعِرضًا يجب أن يُصان، وبيَّن كذلك دور المرأة السياسي في الدولة الإسلامية، إلا أن الحرب في هذا الجانب لم تتوقف بعد، بل زادت عما قبل بعد أن أدرك الغرب أهمية هذا الجانب في حربه الشعواء على الإسلام، بدايةً مما كتبه قاسم أمين وانتهاءً باتفاقية سيداو ومرورًا بمؤتمر بكين للمرأة.

لقد تعمَّد الغرب الكافر وسعى جاهدًا ماضيًا وحاضرًا لتدمير الأسرة والمجتمع والأمة الإسلامية بأكملها، وقد اتخذ من المرأة قضية واعتمدها في نشر حضارته ومفاهيمه خاصة في البلاد الإسلامية، وقد ركَّز على عناوين مهمة وخطيرة تمهِّد لتحقيق نصره على أحكام الإسلام مثل تجديد الدين، وتطوير الخطاب الديني، وتعديل الأحكام الشرعية لتتوافق حسب زعمهم مع العصرنة والحداثة، مصوِّبين سهامهم السَّامة نحو المرأة المسلمة ودورها الأصلي وعفَّتها لتيقُّنِهم من أهمية دورها في حياة الأسرة والمجتمع. وتبعًا لذلك فقد تبنَّت الأمم المتحدة هذا الأمر كله وعقدت اتفاقيات عدة وإعلانات دولية نأخذ منها على سبيل المثال: الإعلان الخاص بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» عام 1979م، هذه الاتفاقية المشؤومة التي لا تقلُّ شؤمًا عن وعد بلفور، فقد نصَّت المادة الثانية من هذه الاتفاقية على (إبطال القوانين والأعراف دون استثناء لتلك التي تقوم على أساس ديني واستبدال قوانين دولية بها) وكذلك عقدت سلسلة من المؤتمرات الدولية من أجل تكريس الاتفاقيات والعمل على تنفيذها وتحقيقها، فكان المؤتمر الأول عام 1975م، وقد سُمي بعام المرأة الدولي والذي عقد في مكسيكو سيتي داعيًا إلى المساواة والتنمية والسلم… دعوتهم الماكرة هذه إلى المساواة بين المرأة والرجل إنما هي دعوة مغرِضة تريد إخراج المرأة المسلمة من خدرها الحصين ومخدعها الشريف «البيت» بهذه الحجة، لتكون كالمرأة الغربية سلعة تجارية رخيصة ينتفعون بها في العمل والجنس! ولهذا قام الحزب بحملة لتوعية المسلمين عامة والمرأة المسلمة خاصة على الخطر المحدق من هذه الاتفاقيات المسمومة وعلى رأسها (اتفاقية سيداو) ومن خطر الجمعيات النسوية التي تدور في فلك الغرب الكافر المستعمر والتي تروِّج لحضارته الفاسدة.

لقد شنَّ الحزب حملة كبيرة على اتفاقية سيدوا، جعلت الكثير من الدول تتردد في الموافقة عليها، فكان الحزب بحقٍ هو المدافع القوي في حرب الأفكار التي يقودها الغرب على أفكار الإسلام. إن الأمة الإسلامية ومعها حزب التحرير والعلماء المخلصين والدعاة الصالحين باستطاعتهم أن يخرجوا العالم من هذا الوضع المتردِّي الذي آل إليه بفعل المبدأ الرأسمالي وبفعل العملاء الفكريين في أمة الإسلام، إن هي أخذت العقيدة الإسلامية بوصفها فكرة سياسية إسلامية لتقيم حياة الناس والعلاقات على أساسها، وهذا يلزم أن يستمر عمل العاملين في حزب التحرير وغيره من المخلصين لتركيز هذه العقيدة بمفهومها السياسي في الأمة، وستبدأ الأمة قطعًا السير في طريق النهضة والتحرير؛ لتصبح الأمة الإسلامية في مقدمة الأمم كما كانت من قبل حاملة رسالة الهدى والنور إلى العالم أجمع، متقدمة في جميع المجالات؛ لتنقذ العالم من الوادي السحيق الذي أسقطته فيه الرأسمالية، وما ذلك على الله بعزيز.

4-الغربة على صعيد التعليم: (2)

1- تاريخ التعليم في الدولة الإسلامية:

كان التعليم في العالم الإسلامي لا يعرف إلا التعليم القائم على أساس العقيدة الإسلامية، حتى هدم الدولة الإسلامية أو قبل ذلك بقليل عندما قام الغرب الكافر بالتدخل السياسي والاحتلال العسكري المباشر لبعض الأقطار الإسلامية وتغييره مجرى الحياة في تلك الأقطار وخاصة البيئة التعليمية، فقد كان التعليم يعتمد على الكتاتيب القرآنية. وكان المسجد هو المؤسَّسة التعليمية الأولى. وبالتالي لم تعش الأمة طوال هذه المدة غربة في التعليم أبدًا، فقد كان العالم الإسلامي منارة العلم والعلماء ليس في الجانب الديني فقط، بل كان الكثير من العلماء يحيط بعلوم الفلك والكيمياء والحساب والجغرافيا بجانب تبحُّرهم في العلوم الشرعية.

   لقد نجحت الخلافة الإسلامية في جعل الأمة الإسلامية تقتعد ذروة سنام المجد وتقود البشرية جمعاء، فكانت الأولى في كل المجالات، خرَّجت مدارسها العلماء والساسة والقادة في شتى الميادين وأرست قواعد مجتمع إسلامي يشار إليه بالبنان، فكانت تخرِّج رجال دولة وقادة معركة ورجال فقه وعلم، ونقلت العالم من دياجير الظلام إلى نور الإسلام، عمَّ بها العدل والرخاء والتكافل وانتشر الخير في كل مكان وصلوه، نعِم أهلها بسعادة الدارين، عرفوا الله حقَّ المعرفة فعبدوه حقَّ العبادة، لقد أخذوا من علم الدنيا ما يلزمهم ليكونوا في الصدارة فتفوَّقوا وازدهرت مدنيتهم عبر العصور كازدهار حضارتهم.

لقد رعت الدولة الإسلامية المؤسسة التعليمية منذ البداية، فوزن المسلمون مداد العلماء بالذهب، وأخذوا علم الدنيا من كل مكان دون حواجز، كان التعليم حقًّا للجميع بالمجان، لقد ركزت الدولة الإسلامية على أسلمة المعرفة وصبغها بالصِّبغة الإسلامية المميَّزة، فطوَّرت العلوم وترجمت الكتب والمراجع طبقًا للتصور الإسلامي، فكان الإسلام عقيدة ونظام حياة هو المحور الذي يدور الجميع حوله، فهو بوصلتهم لسعادة الدارين.

ومع حالة الانحطاط التي أصابت الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية في أواخر أيامها، والذي ترافق مع نهضة الغرب العلمية، اهتزَّ المسلمون اهتزازًا شديدًا لما رأَوا من قوة السلاح وتفوق الغرب العلمي على المسلمين ممّا جعلهم ينظرون إلى هؤلاء على أنهم أهل القوة والحضارة، فانبهر بهم قوم وأقبلوا على كل ما هو غربي ظنًّا منهم أنَّ هذا هو الحق!!.

وقد حرص الاستعمار على القول بأن احتلاله لبلاد المسلمين هو الخير والبركة؛ لأنها أيقظت المسلمين من سباتهم، وأطلعتهم على العلوم الحديثة والنهضة العلمية الكبيرة، وصار المستعمرون يبثُّون أن المسلمين لا يعرفون من العلوم الدنيوية شيئًا، سواء الرياضة أم الكيمياء، حتى إن الشيخ الإنبابي شيخ الأزهر في ذلك الوقت سُئِلَ: هل يجوز تعليم المسلمين العلوم الرياضية كالحساب والهندسة والهيئة والطبيعيات؟ فأجاب: (يجوز ذلك مع بيان النفع من تعلُّمها) وكأن مثل هذه العلوم لم يكن للمسلمين عهد بها!. منذ هذه اللحظة بدأ العبث بالنظام التعليمي في بلاد المسلمين، وحرص الغرب على وضع المناهج التعليمية، وجعل سير التعليم يأخذ منحًى غربيًا مخالفًا لكل القيم الإسلامية، وليس الأمر كذلك فحسب بل إنه عزل التعليم الديني بالكلية عن الحياة، وجرَّده من كل مقومات الحياة.

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، دعت الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية بصوت مسموع إلى تعديل مناهج التعليم في جميع البلاد الإسلامية؛ لتجنُّب الآيات القرآنية والأحاديث التي تحض على الجهاد، وتجنُّب ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة باليهود؛ اتساقًا مع دعوى إشاعة ثقافة السلام بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر ودولة يهود. وقد آتت الضغوط الأمريكية أكلها منذ سنوات عدة لتنفيذ عدد من التعديلات في المناهج الدراسية بالتعليم قبل الجامعي تصبّ في خانة الهوى الأمريكي.

وفي لحظة ما ظن البعض أن هذا هو أفضل نظام تعليمي، وبالذات من الناحية العلمية، ولم يعتنِ الكثير من المفكرين والتربويين سوى ببعض الإصلاحات المتعلقة ببعض المناهج وببعض الوسائل والأساليب التعلمية، لكن الحزب عمل عملًا تجديديًا يتعلق بإبراز فلسفة التعليم، وكيف يجب أن تكون عندما يكون للمسلمين دولة حقيقية تضع سياسة التعليم في الدولة وتشرف على وضع المناهج.

2-سياسة التعليم التي أصَّل لها حزب التحرير:

إن ما يجب أن تقوم عليه فلسفة التعليم في ظل دولة الخلافة المرتقبة هو إيجاد الشخصية الإسلامية المتكاملة، وبناء مفاهيم الفرد عن خالقه وعن الكون والإنسان والحياة في ضوء القيم الإسلامية العليا التي تجعله مهيَّأً لعبادة الله تعالى وتنفيذ شرعه في ضوء الكتاب والسنة. كما تقوم على التنشئة الإسلامية السليمة التي تؤدي إلى إيجاد جيل من أبناء الأمة يدرك رسالته في الحياة إدراكًا واعيًا مستنيرًا؛ بحيث يدرك علاقته بخالقه وبنفسه وبغيره من الناس حقوقًا وواجباتٍ. هذا ما حرص حزب التحرير على بيانه في ثقافته التي تتَّسم بكونها ثقافة عملية وضعت لتكون نظامًا متكاملًا في دولة عظيمة يسعى حزب التحرير لإقامتها بكل جد وإخلاص.

إن رسالة العملية التعليمية تقوم على بناء الشخصية الإسلامية، وتوفير كل ما يلزم الأمة من معارف ومهارات وعلوم وتكنولوجيا تواكب العصر لتعود بالخير على الأمة والعالم أجمع في كل مناحي الحياة من خلال دولة الإسلام المنشودة، دولة الخلافة التي بشَّر بها خير الأنام. إنها ليست عملًا تلقينيًا للمعلومات بل هي عملية تتضمن نواحيَ كثيرة ومتعددة؛ تشمل كيفية إعداد الموقف التعليمي المناسب للمتعلمين بكل المعايير التربوية، فالتدريس يعني تلك الإجراءات التي يقوم بها المعلم مع تلاميذه لإنجاز مهام معيَّنة وتحقيق أهداف محدَّدة. فالتعليم لا بد أن يُحدث تغييرًا في سلوك المتعلمين نحو الأهداف والفعاليات الموضوعة؛ لذا لا بدَّ من أن تكون عملية تربوية هادفة تأخذ في اعتبارها كل العوامل المكوِّنة للموقف التعليمي؛ بحيث يتعاون من خلالها المعلم والطالب لتحقيق الأهداف التربوية.

فالتربية عملية ملازمة للإنسان، وهي مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وهي محكومة بالهدي الإلهي والسنة المطهرة؛ لذلك لا يقبل الإسلام أن يتلقى المسلم تصوراته وأفكاره من غير مصادرها الأصلية؛ ولهذا فمن الطبيعي أن يكون للتربية والمدرسة المفهوم المتميز الواسع النابع من منظور الإسلام في تربية الإنسان لما خلق له وإعداده للدنيا والآخرة فهو خليفة الله في الأرض.

إن المدرسة ركيزة أساسية في صناعة ودعم تشكيل الشخصية للفرد الذي كونته الأسرة ودفعت به إلى ميدان التعليم في مصنع منتج متميِّز. إنها المؤسسة التربوية الأولى التي تعرُض على الطالب سلوكًا معيَّنًا يناسب وظيفتها ودورها في المجتمع، والمتعلم يذهب إليها من منطلق احترامه لها ولدورها الذي تؤديه في التربية والتعليم والتوجيه، فلا بد من أن يترك الأثر الأكبر على المجتمع والأمة. والمدرسة برسالتها التربوية عملية ملازمة للإنسان.

لقد هدفت المدرسة منذ بداياتها، منطلقة من المسجد إلى البناء المدرسي الخاص بها، إلى أن يكون الفرد المسلم أنموذجًا للدين الذي يدين به ويدعو له، ونمطًا حيًّا متحركًا للفكر الإسلامي الذي يملأ قلبه وعقله ويصدقه سلوكه في الحياة مع نفسه ومع الآخرين. لقد هدفت المدرسة الإسلامية إلى الجمع بين متطلبات الحياة من علم وتكنولوجيا ومعارف متنوعة وتنمية روح الولاء للشريعة الإسلامية والبراءة من كل نظام أو مبدأ يخالف هذه الشريعة، وكذلك استقامة الأعمال والتصرفات بحسبها وتكوين الفكر الإسلامي المنهجي لدى الأفراد ليصدُروا عن تصور إسلامي موحَّد فيما يتعلق بالكون والإنسان والحياة وما يتفرع عنها من تفصيلات. فهي تعمل على تأهيل الإنسان المستخلَف في الأرض للقيام بدوره بكل الأبعاد من خلال منظومة المفاهيم والقيم المؤثرة في السلوك في إطار بناء الشخصية الإسلامية المتكاملة (عقلية ونفسية) عن طريق غرس الثقافة الإسلامية وفي كل المراحل ودون توقف في عقول الطلبة.

لقد سعت المدرسة الإسلامية ومنذ البداية، وعملًا بآيات القرآن الكريم على تشجيع وتنمية روح البحث والتفكير العمليين وتقوية القدرة على المشاهدة والتأمُّل والتبصُّر بآيات الله في الكون وما فيه، وإدراك حكمة الله في خلقه لتمكين الفرد من الاضطلاع بدوره الفعَّال، وكذلك بيان الانسجام التام بين العلم والدين في شريعة الإسلام، فإن الإسلام دين ودنيا، والفكر الإسلامي يفي بمتطلبات الحياة البشرية في أرقى صورها في كل عصر.

إن غاية التعليم في دولة الإسلام هي فهم الإسلام فهمًا صحيحًا متكاملًا، وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها وتزويد الطالب بالقيم والتعاليم الإسلامية وبالمثل العليا وإكسابه المعارف والمهارات المختلفة وتنمية الاتجاهات السلوكية البنَّاءة من أجل بناء وتطوير الدولة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وعسكريًّا وعلميًّا وسياسيًّا … وتهيئة الفرد ليكون عنصرًا نافعًا في بناء مجتمعه، ويأتي ذلك من خلال:

  1. غرس عقيدة الإسلام والمعارف والمهارات المفيدة والاتجاهات والقيم المرغوبة لدى الطلبة ليشبّوا عليها فاهمين لدورهم في الحياة واعين على عقيدتهم مدافعين عنها وعاملين في ضوئها لخير الدارين.

  2. توفير الكوادر البشرية اللازمة لتحقيق تلك الغاية ودفعها من نجاح إلى نجاح.

  3. الحرص على مصلحة الفرد والجماعة معًا؛ فهو يبتغي مصلحة الفرد من خلال تعليمه تعليمًا كافيًا مفيدًا لذاته، كما يبتغي مصلحة الجماعة بالإفادة مما يتعلمه الأفراد.

  4. غرس الثقافة الإسلامية لدى الطلبة، والتي هي عبارة عن المعارف التي كانت العقيدة الإسلامية سببًا في بحثها كعلم التوحيد، أم كانت مبنية على العقيدة الإسلامية كالفقه والتفسير والحديث، أم كان يقتضيها فهم ما ينبثق عن العقيدة من أحكام مثل المعارف التي يوجبها الاجتهاد في الإسلام كعلوم اللغة ومصطلح الحديث وأصول الفقه وتاريخ الأمة الذي هو جزء من ثقافتها لما فيه من أخبار عن حضارتها ورجالها وقادتها وعلمائها، وثقافة الأمة هي الصانع لشخصيات أفرادها، فهي المؤثِّرة في سلوكهم والمحوِّلة له إلى السلوك المرغوب.

من كل ما سبق يمكننا تحديد مجموعة من الأهداف للعملية التعليمية في ظل دولة الإسلام نجملها بالآتي:

  1. إعادة الثقة بأحكام الإسلام وإعادة تثقيف الأمة بالثقافة الإسلامية التي تضمن بقاءها في مقدمة الأمم، فثقافة الأمة هي العمود الفقري لوجودها.

  2. غرس ثقافة الإسلام في أبنائها ومنع أي ثقافة دخيلة من الوصول إليهم.

  3. إن استمرار عملية التعليم في المراحل المختلفة هو الطريق الوحيد لحفظ ثقافة الأمة في صدور أبنائها لأنها تمثل الرسالة الإلهية الخاتم.

  4. وضع علاج ناجع لمحاصرة أبناء الأمة الذين سُمِّمت أفكارهم من حملهم للثقافة الغربية مقتنعين بها أو مقلِّدين لها منبهِرين بزخرفها المادي.

  5. إن من أهم الأهداف للعملية التعليمية هو الحفاظ على عقيدة الأمة في النفوس لكي لا تقع في البدع والخرافات والشرك.

  6. إن وضع المناهج يجب أن يكون من أجل صناعة الشخصيات الإسلامية والتي يجب أن تكون ضمن خطة منهجية منظمة.

  7. إيجاد الكيان السياسي القوي ماديًّا وعقائديًّا بالعلم والإيمان، بالصناعة والتكنولوجيا مواكبة لكل مستجدات العصر التقني.

هذا ما بيَّنه حزب التحرير في ثقافته، وبالذات في الجزء المتعلق بسياسة التعليم في الدستور الذي أعدَّه الحزب، وفي كتاب (أسس التعليم المنهجي) الذي أصدره حزب التحرير. وهو يعمل على وضعه موضع التطبيق، في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وهو قبل ذلك يبيِّن ذلك للأمة لإيجاد رأي عام منبثق عن وعي عام.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *