العدد 413 - السنة الخامسة والثلاثون – جمادى الثانية 1442هـ – كانون الثاني 2021م

قضية الأمة المصيرية وحزب التحرير

نبيل عبد الكريم أبو مصعب

إن ما يعيشه المسلمون اليوم، كما يعلم الجميع، لا ينتمي لمبدئهم مطلقًا، بل هم محكومون بأنظمة الكفر منذ سقوط دولتهم. وأصبحت الدولة الواحدة أكثر من خمسين دولة، والحاكم الواحد أكثر من خمسين حاكمًا. ومنذ ذلك الوقت أصبح عيشهم بدار كفر أمرًا قطعيًا لا جدال فيه. وبدل أن يحكموا بشرع الله أصبحوا يحكمون بدساتير من صنع الغرب، وأصبح عيشهم بحسب النظام الرأسمالي. وإنه وإن كانت نفسياتهم إسلامية ويقومون بممارسة التدين كشعائر روحية؛ إلا أنهم بقوا بعيدين عن تطبيق الأحكام الشرعية في جميع مفاصل حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

إن ما لا يختلف عليه اثنان من المسلمين اليوم أننا نعيش في مرحلة الحكم الجبري التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه حذيفة رضي الله عنه، والتي تسبق مرحلة الخلافة التي تكون على منهاج النبوة حيث قال عليه الصلاة والسلام: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت)» وكما نرى، فإن من صفات الحاكم في الحكم الجبري، أيًّا كان شكل الحكم الذي يحكم فيه: ملكيًّا أو رئاسيًّا أو جمهوريًا… أنه طاغوت يحكم بدساتير وضعية، خائن للإسلام ومحارب له، مرتبط مع حكم غربي أيًّا كان، يعمل بحسب أوامره، مهمته أن تبقى الأمة بعيدة عن الحكم بموجب دينها، وأن يضمن نهب خيرات بلاده لنفسه ولمصلحة أسياده الغربيين.

لقد استطاع الغرب تدمير الإسلام كدستور دولة وتشريع أمة ونظام حياة، واستبدله بدستور وضعي غيَّر نظام حياتنا. والسؤال كيف استطاع الغرب إسقاط دولتنا؟ وكيف سكت المسلمون عن ذلك؟ وكيف يستمر هذا السكوت طيلة قرن من الزمن بعد سقوط الدولة، وكأن الأمر لا يعنيهم إلا قليلًا ممن رحم ربي؟ في الحقيقة، ويعود الأمر  إلى أن القضايا المصيرية التي تحتم إجراء الحياة أو الموت لم تكن مدركة من الأمة حين حصل إسقاط دولتهم، ولا هي مدركة اليوم؛ لذلك نرى تقاعس الأمة عن حمل مسؤوليتها في إيجاد كيان سياسي للمسلمين ليمثلهم ويحمل مبدأهم ويعيد لهم العيش في ظل الشريعة.

إن كل أمة في الدنيا وكل شعب لا بد أن له قضاياه المصيرية التي يبذل لها دمه وماله عن رضا وفي منتهى الحماس ودون أي تردد ولا نقاش… وتختلف هذه القضايا بين الأمم والشعوب حسب وجهات نظرهم في الحياة. هذا وقد بيَّن الإسلام للمسلمين ماهي قضاياهم المصيرية، وجعل اتخاذ إجراء الحياة أو الموت تجاهها فرضًا لازمًا؛ لذلك كان لابد من إدراكها، ولا بد من إدراك الإجراءات الواجبة تجاهها كما جاء بها القرآن الكريم وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم والوعي عليها؛ وحينئذٍ يكون من المحتم أن لا يحصل القعود والتخلف عنها.

فمن هذه القضايا المصيرية أن الإسلام جعل الارتداد عن الإسلام من فرد أو جماعة من القضايا المصيرية، وجعل الإجراء الذي يتخذ تجاهها هو: إما التوبة أو القتل، فحدد القضية وحدد الإجراء، قال صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه». وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ‏»‏ متفق عليه. هكذا كان المسلمون من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين يقتلون المرتد من غير أدنى تساهل. وأيضًا جعل الإسلام وحدة الأمة ووحدة الدولة من القضايا المصيرية، ففي مسألة وحدة الأمة عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» فقد منع التعدد وأخذ إجراء الحياة أو الموت تجاهه وهو قتل الثاني منهما… ومسألة تعدد الدولة ومنع الخروج عليها، ومنع شق عصا الطاعة وصفِّ الأمة، كانت من القضايا المصيرية، قال تعالى: (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِ) ونلاحظ أن السابقين كانوا يعتبرونه أمرًا من أعظم الأمور وأخطرها، وكانوا لا يتساهلون فيه مع أي كان فردًا أو جماعة. وأيضًا جعل الإسلام ظهور الكفر البواح من القضايا المصيرية، عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا». وإقامة الصلاة ظاهر في إقامة الدين، وأيضًا هو كناية عن الحكم بالإسلام وإظهار شعائره. وقد جعل له الإسلام في حال فقده إجراء الحياة أو الموت. فمن لا يحكم بالإسلام ويحكم بنظام كفر يجب على المسلمين أن لا يسكتوا عنه لأنه قضية مصيرية؛ ولكن مع ضعف فهم المسلمين للإسلام فهمًا صحيحًا وتأثير الغزو الثقافي والفكري الغربي بالمسلمين، أضف إلى ذلك الخوف الشديد من بطش الحكام الطغاة الظلمة المجرمين نواطير الغرب المستعمر… هان عليهم أن يسكتوا عن الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله؛ وهذا لأن هذه القضية نزلت عند المسلمين عن مرتبة القضية المصيرية؛ فكان ما كان، وأصبح المسلمون يرَون من حكامهم الكفر البواح ولا يتحركون لتغييرهم. وكذلك جميع القضايا المصيرية التي بيَّنها الشارع، فلم تعد لدى الأمة قضايا مصيرية، ولم يعد يُرى أي إجراء تجاه انتهاكها، ولا تحرك الأمة لأجلها ساكنًا.

إن الغرب عمل ويعمل بكل ما أوتي من قوة لمنع المسلمين من تبني قضاياهم المصيرية وجعلها موضع التنفيذ، وخاصة قضية الحكم بغير ما أنزل الله، بل وجعل الغرب عدم عودة الإسلام إلى سدة الحكم قضية مصيرية له، ومسألة حياة أو موت بالنسبة إليه، واعتبر أن كل من يتكلم بها يرتكب جرمًا عظيمًا؛ لذلك نرى دول الغرب اليوم يبذلون الغالي والنفيس لمنع قيام مارد الإسلام ويختلفون في كل شيء إلا في هذه القضية، ومستعدون للموت وقتل شعوبهم وحرق جميع أوراقهم الغالية والتخلي عن عملائهم المخلصين وحرق رموز إسلامية زرعوها وحرفوا الدين بها من أجل ذلك، وهذا ما تم ملاحظته في ثورات ما سمي بالربيع العربي وخاصة ثورة الشام التي أسقطت وحرقت أوراقًا كثيرة وهامة جدًا.

لقد عملت دول الغرب على حرف المسلمين عن قضاياهم المصيرية، ووضعوا قضايا فرعية لهم وجعلوها مصيرية. ومن أجل أن تبقى القضايا المصيرية بعيدة عن أذهان الأمة، وأن تكون القضايا الفرعية هي القضايا المصيرية لها، ومن أجل الحفاظ على إبعاد المسلمين عن فهم دينهم بشكل صحيح… شكلوا جيشًا من العلماء العملاء الفكريين، ومكَّنوهم في جميع الأمصار ودعموهم بالمال والسلطة والقوة، وجعلوهم مقرَّبين من الحكام ليحاربوا بهم كل صادق ومخلص، ويعملوا معهم على تجهيل الأمة عبر مناهج لا شرعية تجعل طالب العلم يتكلم بكلامهم ويهدي بهديهم، وهو يظن أنه يقول الحق ويهدي السبيل؛ ولقد خرَّجت هذه المناهج علماء وشرعيين فاسدين يُفتون مثلًا بواجب الجهاد في مصر من الأمصار لخدمة أجندة غربية كافرة، وبعد فترة قصيرة يُفتون بحرمة هذا الجهاد في المصر نفسه، وأقرب مثال على ذلك الفتوى بحرمة الصلح مع يهود، ومن ثم الفتوى بجوازه… وعلى هذا المنوال نجد الفتاوى تنتقل بين التحريم والتحليل حسب أجندات الغرب ومخططاتهم، وينتقون الأدلة من الكتاب والسنة ويحرفونها عن مواضعها ويمنحونها معانيَ لم نسمع بها من قبل، ويجعلونها دليلًا على ما يريدون… وهذا ما أدى ويؤدي إلى تمييع القضايا المصيرية لدى المسلمين.

إن المسلمين اليوم بأمسِّ الحاجة لتحديد القضية المصيرية الكبرى المفتاح لغيرها من القضايا، والتي بإيجادها يسهل وضع غيرها من القضايا المصيرية موضع التنفيذ، ألا وهي إقامة الخلافة التي تحول دار الكفر كما هي عليه اليوم إلى دار إسلام، كالدولة التي أقامها رسول صلى الله عليه وسلم، وأن يتخذوا تجاه إقامتها إجراء الحياة أو الموت. فإذا بقيت الأمة فاقدة لهذا الإدراك سوف تبقى عاجزة بوصفها أمة، وسوف تفشل في كل مسعى لها إن لم يكن الحكم بما أنزل الله هو القضية المصيرية الأم عندها، وإن لم تعتبر إقامة الخلافة بتحكيم شرع الله قضيتها المصيرية الأساس، وتتخذ تجاهها إجراء الحياة أو الموت.

إن مبدأ الإسلام موجود في تراث هذه الأمة وثقافتها وتاريخها ولكنها في غفلة عنه، وإن وجود المبدأ في الأمة غير كاف لبعث الحياة فيها إذا لم تهتدِ إليه وتضعه موضع التنفيذ في حياتها… فهو الوحيد الذي يعيد إليها الحياة؛ لذلك وجب وجود جماعة أو حزب يعمل على تبصير الأمة وإحياء المبدأ فيها، وجعل تحكيم الشريعة هي القضية المصيرية التي يتوجب تجاهها اتخاذ إجراء الحياة أو الموت، وبذلك تهتدي هذه الأمة إلى المبدأ بفكرته وطريقته، ويجب على هذا الحزب أو التكتل أن يقوم على العقيدة الإسلامية ويتبنى الأفكار والأحكام والمعالجات الإسلامية، وأن تكون طريقته من جنس فكرته، وهي كطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وللأسف لم يوجد في هذه الأمة سوى حزب التحرير الذي فهم وعرف وبدأ بالعمل على ذلك منذ عام 1953م، فهو حزب سياسي أنشأه مجتهد مطلق، مبدؤه الإسلام وعمله السياسة، وهو يعمل بين الأمة ومعها لتدرك ما هي قضيتها المصيرية الرئيسية، وليقودها لإعادة الخلافة الراشدة والحكم بما أنزل الله، فقد أخذ على عاتقه إنهاض الأمة الإسلامية مما وصلت إليه من انحدار وبعد عن الدين، وفضح جميع مخططات الغرب ومكره، وتوجيه الأمة إلى طريقها الصحيح إلى إعادة المسلمين للعيش عيشًا إسلاميًا في دار إسلام وفي مجتمع إسلامي يطبق شرع الله، وتكون نظرته للحياة هي الحلال والحرام، ومبتغاه مرضاة الله عز وجل وأخذ البشرية جمعاء إلى النور، ومحاربة الكفر وأنظمته حتى يعمَّ الإسلام جميع بقاع الأرض.

من هنا، نجد اليوم أن الهجمة الشرسة توجَّه ضد حزب التحرير بكل أشكال الحرب المخفية من تعتيم واعتقال وتشويه وافتراء وتعذيب دون مواجهة معلنة؛ لعلمهم أن الأمة سوف تحتضنه لو هوجم بشكل مباشر؛ لذلك هي تسلط عليه عملاءها ومؤسسات الرصد والتحليل لوضع خطط لشل حركته عن طريق عملائها المحليين، مع أنه حزب عالمي يحمل مبدأ عالميًا، وإذا ما أوجد كيانًا لدولته التي يتطلع إليها فإن النظام العالمي سيكون في خطر كبير؛ لذلك هم يحاولون شل حركته وتشويه صورته، وقد تم تصنيفه حركة أصولية راديكالية جعلت الحزب في موقع الاتهام في العالم الغربي وحظر شبه كلي في العالم العربي.

ولقد عمل مركز نيكسون على دراسة وافية عن حزب التحرير وأصدر توصيات في تقريره بتاريخ 23/9/2007م، أذكر منه:

«حزب التحرير في طريقه ليصبح ظاهرة دولية، وبالتالي يتطلب من الولايات المتحدة وأوروبا أن تعدَّ استراتيجية شاملة للتعامل مع خطره، وليس فقط في دولهم ولكن في العالم؛ ولهذا اقترحوا هذه التوصيات.

عدم التعامل مع حزب التحرير من وجهة نظر الحرية الدينية.

إدراك أنه يعمل على نشر العداء للسامية، فيجب إيجاد وسائل جديدة لكبحه مثل تشريع قوانين جديدة مثل (جرائم الكره/الدعاية إلى الكراهية).

التعلم من المثال الألماني حيث إنهم حظروا الحزب عام ٢٠٠٣م

محاربة حزب التحرير والحركات الإسلامية الأخرى على المستوى الأيديولوجي في «الحرب على الإرهاب».

ولكن تقرير مؤسسة راند أعطى حلولًا خطيرة بتقريره عام ٢٠٠٧م بتكوين شبكات إسلامية معتدلة، وقد امتاز هذا التقرير عن غيره بأنه موجَّه بطريقة واضحة إلى الحرب العقدية أو الفكرية، ولم يكن من باب التنظير فقط، بل تعدَّى ذلك إلى وضع خطط واقعية. وينصح هذا التقرير حكومة الولايات المتحدة بالعمل على تسوية ساحة اللعب ومعادلتها لكي يتم الترويج لبدائل عن الراديكالية ضمن الجاليات وأيضًا المجتمعات الإسلامية، ومهما يحدث بعد ذلك فسيكون هناك مجال لنشر الأفكار البديلة. ويوصي أن يستخدم التيار الصوفي في مواجهة الإسلام السلفي، ويؤكد التقرير على أهمية الاعتناء الأمريكي بالتعاون مع المعتدلين (المفكرين والأكاديميين العلمانيين والمتحررين والدعاة الجدد المعتدلين والقيادات الشعبية الفاعلة وحركات النسائية والمطالبة بالمساواة والصحفيين والكتاب)وإنشاء مؤسسات تدعم التيار المعتدل حسب المفهوم الأمريكي. ويوصي التقرير بأهمية التركيز على الأطراف في الصراع مع التيار الإسلامي دون المساس أو الاقتراب من المركز لصعوبة تحقيق نصر حقيقي في هذه المرحلة؛ على أن يترجم هذا التقرير ويوزع على صانعي القرار في العالم العربي والإسلامي من علماء ومفكرين وسياسيين، والتعاون معهم حسب التوصيات الأمريكية حيث إن التقرير يقدم خريطة واضحة المعالم بأسماء الشخصيات وأسماء المؤسسات التي توصف من قبل مُعدِّي هذا التقرير بأنهم معتدلون.

وكما ذكر أيضًا في كتاب (الإسلام الديمقراطي المدني) للكاتبة شيريل بينارد عام 2013م. فقد طرح الكتاب تعريف الأصوليين أنهم الذين يرفضون القيم الديمقراطية والثقافة الغربية المعاصرة، ويريدون دولة سلطوية متزمتة تطبق رؤيتهم المتطرفة للشريعة والأخلاق الإسلامية، وهم يستخدمون التقنيات الحديثة من أجل بلوغ هدفهم، وهم يعادون الغرب وخاصة الولايات المتحدة ويصرُّون على تقويض الحداثة الديمقراطية وتدميرها. وقد ذكر الكتاب بعض التوصيات نذكر منها:

دعم الحداثيين: بنشر أعمالهم وتوزيعها بأسعار مدعومة، وتشجيعهم على الكتابة للجماهير العريضة، ومحاولة دمج هذه الآراء في مناهج التعليم الإسلامي ومنحهم منابر عامة ونشر أرائهم وتفسيراتهم وفتاواهم على مستوى جماهيري، وطرح العلمانية والحداثة باعتبارهما الخيار الثقافي البديل، والمساعدة في تطوير منظمات المجتمع المدني المستقلة وإتاحة المجال للتعبير عن أرائهم بشأن العملية السياسية.

دعم التقليديين ضد الأصوليين: بنشر انتقادات التقليديين للعنف والتطرف الأصولي على نطاق واسع وتوسيع الخلاف بينهما ومنع أي تقارب، وتدريب التقليديين وإعدادهم للمناظرة مع الأصوليين مع العلم أن الأصوليين أكثر فصاحة منهم، وتشجيع انتشار الصوفية وتقبُّل المجتمعات لها.

مواجهة الأصوليين ومخالفتهم: الاعتراض على تفسيرهم للإسلام، وإبراز أخطائهم والكشف عن صلاتهم بالجماعات والأنشطة غير القانونية، وفضح ما يرتكبون من أعمال عنف على الملأ، وإثبات عجزهم عن مباشرة الحكم أو تحقيق أي تطور إيجابي لبلادهم ونشر هذه الآراء على نطاق واسع، ومنع إظهار أي احترام أو اعجاب بأعمالهم وتصويرهم باعتبارهم مضطربين جبناء وليس أبطالًا شرفاء، وتشجيع الصحافيين على التحري عن حالات الفساد والأعمال اللاأخلاقية في أوساطهم وتعميق الانقسام بينهم.

وطبعًا، نحن اليوم في عام ٢٠٢٠م، ويشهد واقعنا الكثير من الوقائع التي تدل على تفعيل نص هذه التقارير داخل البلدان الإسلامية، فقد بدأ الهدم من الداخل بيد مسلمي الداخل المرضي عنهم؛ لأن تأثيرهم أكبر وأنجع، ومما حققوه نذكر ما يلي:

قطع الطريق أمام الإسلاميين (الراديكاليين) لحيازة أي منصب أو سلطة.

دعم التيارات الصوفية والتحالف معها، فقد قام السفير الأمريكي السابق (فرانسيس ريتشارد دوني) بتدعيم العلاقات مع الجماعات الصوفية ودعمهم للاستبدال الخادم لمصالح الغرب.

الهجوم المتكرر على الأزهر من خلال الأذرع الإعلامية العلمانية واتهامه دائمًا بالرجعية والتخلف وأنه مصدر تخريج (الإرهابيين)

فتح المجال للدعاة الجدد لضرب (الإسلام الأصولي) والدعاة الجدد، وهو مصطلح جديد للدعاة المهتمين بالنواحي الأخلاقية والتعبدية وإبعاد الدين عن السياسة وقبول الديمقراطية وغيرها.

وأخيرًا، التبشير بالإسلام المعتدل الذي يشوِّه المعتقد بدلًا من استبداله، وهو وسيلة بالرغم من طول مدتها واحتياجها لمجهود فكري ضخم إلا أنها ناجحة المفعول وقوية الأثر.

إن معيار الإسلام المعتدل هو القبول بفكرة الديمقراطية، والقبول بالمصادر غير المذهبية في تشريع القوانين، بالإضافة إلى رفض تطبيق الشريعة، ونبذ الإرهاب والعنف، والدعوة لاستخراج النصوص الشرعية من التراث الإسلامي لدعم هذا الفكر واحترام حقوق النساء والأقليات الدينية.

فإذا لم ننتبه لذلك الأمر ونعِ تلك الغارات الفكرية الخفية ستنقض ثوابت الدين عروة عروه تحت مسمى نشر الاعتدال. وللأسف، فالغرب يقدم الدعم المفتوح للمفكرين الفاسدين لنشر فكرهم والذين يخدمون الغرب من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

إن وحدة الأمة الإسلامية لا تتحقق إلا بالعودة إلى الإسلام كنظام حكم ومنهج حياة. فالتقيد بأحكامه يلزم المسلمين أن يكونوا دولة واحدة كما هم أمة واحدة، والأصل في الأمة أنها واحدة: فربهم واحد أحد، ونبيهم واحد، ودينهم واحد، وقرآنهم واحد، وقبلتهم واحدة، وينبغي أن يكون لهم خليفة أو إمام واحد، يحكمهم بالإسلام ويحمله إلى العالم بالدعوة والجهاد.

إن وحدة الأمة لا تتم ونحن متقاعسون عن أعمالنا وعن تبني قضيتنا المصيرية ونرى الغرب يمكر بديننا ونحن لا نحرك ساكنًا، ويوجهنا لخوض حروب دامية في مسائل وطنية طائفية بغيضة لا تسمن ولا تغني من جوع… إننا إذا لم نضع القضية المصيرية (إعادة الحكم بما أنزل الله) موضع التطبيق، ونتخذ تجاهها موقف الحياة أو الموت لن نستطيع العودة إلى عز السلف، وسوف نبقى عبيدًا للغرب.

إن المسلمين اليوم مسؤولون عن حمل رسالة الإسلام وتبليغها للناس كافة وسيكونون شهداء عليهم يوم القيامة مصداقًا لقوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) والأمة الوسط هي أعلى الأمم وأرقاها وأعدلها وأكملها، ولن نصل إلى هذه الحالة إلا إذا طبقنا الإسلام كاملًا، ولا يتأتَّى ذلك إلا بدولة.

اللهم أقرَّ أعيننا بقيام دولة الخلافة، واجعلنا من جنودها المخلصين، واجعلها قريبة بإذنك.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *