العدد 409 - السنة الخامسة والثلاثون، صفر الخير 1442هـ الموافق تشرين الأول 2020م

لجوء لبنان إلى صندوق النقد الدولي مزيد من الانتحار، ومعالجة للداء بالتي كانت هي الداء

1- أزمة لبنان المالية والاقتصادية ولجوئه الخاطئ إلى صندوق النقد الدولي

يعاني لبنان من أزمة مالية واقتصادية جعلته على شفير الإفلاس، ومن عجز عن إيفاء فوائد ديونه التي قاربت المئة مليار دولار، ويسعى أهل الحكم فيه متذلِّلين للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، هذا ولا تكاد تجد معترضًا على ذلك من الاقتصاديين والخبراء المتخصصين اللبنانيين من خارج الحكم، وهذا ما جعل فكرة قبول الاقتراض من صندوق النقد الدولي ، ومن قبل عقد الآمال على «مؤتمر سيدر» الدولي الذي انعقد في 6 نيسان/ أبريل العام الماضي في العاصمة الفرنسية باريس، كمحاولة استنهاض اقتصادية جديدة للبنان بعد مؤتمرات دولية متعددة أبرزها مؤتمري باريس 1 و 2 و3، رأيًا عامًا في لبنان، هو أنه سيكون فيه إنقاذ له. ومن المعلوم أنه لا يلجأ إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي وأمثاله من الصناديق المتَّهمة بأنها صناديق استعمارية إلا الدول ذات الوضع الاقتصادي والمالي الحرج جدًا، وهي تلجأ إليه للإنقاذ القريب الملحّ الذي لا يتحمل التأخير، وهو بلا شك لجوء خاطئ أثيم؛ إذ إنه متى يتم الاتفاق مع هذا الصندوق على الاقتراض فمعناه أن هناك اتفاقًا محكمًا وشروطًا ملزمة جائرة قد قامت بين هذا البلد وهذا الصندوق، وتأخذ صفة وجوب الالتزام بها بموجب القانون الدولي، وستبدأ بعدها رحلة عذاب البلد الـمَدين الـمُضنية إلى أن يسدد المال الذي عليه وبشروطهم التي تزداد قسوة كلما عجز عن الإيفاء بها، وهو أي لبنان سيعجز، وهذه الشروط ستزداد قسوة، وستصبح الفوائد مركبة، بل ومضاعفة التركيب… وإنه إذا كان على لبنان قبل أن يلجأ مؤخرًا إلى هذا الصندوق ديونًا تقارب المئة مليار دولار، فمن أين له القدرة على إيفاء الديون الجديدة بينما اقتصاده اقتصاد ريعي استهلاكي طفيلي؟!. وبدل أن يلجأ حكامه إلى معالجة وضعه بتحويل اقتصاده إلى اقتصاد حقيقي يعتمد على الإنتاج الزراعي والصناعي والتصدير، نرى أنهم قد لجؤوا إلى هذا الصندوق، فحكامه بهذا اللجوء سيجعلونه رهينَ حتفٍ له، وسيكون حاله كحال دول العالم الأخرى التي عانت من أزمات اقتصادية ولجأت إلى مثل هذه الصناديق الدولية، والتي صار حالها بعد اللجوء أسوأ بكثير مما كان قبله، ودول أوروبا الشرقية ودول أمريكا اللاتينية ودول أخرى أفريقية وآسيوية هي شواهد حية على ذلك، واللبيب من يتعظ بغيره؛ ولكن يظهر أنه لا يوجد في لبنان من حكامه لبيب.

2- صندوق النقد الدولي ذراع من أذرع دول الغرب الاستعمارية

إن صندوق النقد الدولي هو مؤسسة دولية مقرضة، ولديه موظفون متخصصون بالاقتصاد وخبراء دوليون، وهؤلاء يقومون بدراسة وضع البلد الذي يريد الاستدانة فيفهمونه ويعرفون مواطن الضعف والقوة فيه أكثر من أهل البلد نفسه. وهو يُظهر نفسه أنه في عملية الإقراض إنما يريد مصلحة الدول التي تنوي الاقتراض منه، وأنه يريد تصحيح وضعه المالي والاقتصادي، وهو من أجل تأمين رد القرض إليه يتبع تقنية معينة لا رحمة فيها لإيفاء الديون، وهذا التقنية بما تتضمنه من شروط مدروسة تساهم بإغراق البلد الـمَدين ببحر ديونه والعجز عن دفعها ما يؤدي إلى تضاعف المبلغ المستدان؛ ما يجعل الدول الـمَدينة تدفع له أضعاف دينها… إن اعتماد الصندوق على وصفة ثابتة موحّدة لا تتغير يقوم بفرضها على جميع الدول، رغم ما بينها من تفاوت وتباين شاسع في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، جعل بروفسور الاقتصاد في جامعة كولومبيا جوزيف ستيغليتز يؤكد أنّ وصفات الصندوق ليس هدفها مصالح البلدان الـمـَدينة، وإلا ما كانت وصفة الصندوق ثابتة بهذا الشكل، لا تراعي خصوصيات كل دولة على حدة، ولتنوعت الوصفات وتعددت بتنوع وتعدد أوضاع تلك البلدان… نعم، إنه لو كانت مثل هذه الصناديق حريصة على استعادة أموالها، فلماذا لا تنصح البلد الـمَدين بإنشاء اقتصاد حقيقي قائم على الإنتاج وتساعده في ذلك لتضمن بذلك استعادة أموالها كما تدعي.

وعن ظروف إنشاء هذا الصندوق تحديدًا، والتي تبين خلفيته الاستعمارية وتبعيته للدول الغنية وعلى رأسها أمريكا، فقبل نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت دول الغرب الكبرى إلى تأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد تحقق من خلاله مصالحها الاستعمارية، وإيجاد أشكال ووسائل تحقق لها ذلك. فكان مؤتمر»بريتون وودز» عام 1944م، والذي خُصِّصَ لمناقشة قضايا النقد والمال في عالم ما بعد الحرب؛ وقد تم  فيه تثبيت نظام صرف العملات وربطها بعملة الدولار بدل الذهب. ولتحقيق غايات المؤتمر انبثقت عنه مؤسستان دوليتان، وهما: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وقد هيمنت عليه الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية منذ تأسيسه، وكانت الولايات المتحدة يومها تسيطر على ثلثي الاحتياطيات الذهبية في العالم، فحافظت هذه الدول على النسبة الكبرى من مدَّخرات الصندوق، ويرتبط نظام الصندوق والحقوق التصويتية للدول فيه بحسب حصتها في رأسمال الصندوق، وتسهم الولايات المتحدة بالنصيب الأكبر ما يمنحها القدرة الحاسمة على توجيه قرارات الصندوق وسياساته بما يجعل منه معبِّرًا عن مصالحها، ومكرِّسًا لهيمنتها وبسط نفوذها في العالم، وهذا ما دفع بدول أخرى إلى محاولة إيجاد بنوك وصناديق إقراض أخرى بديلة؛ حيث تم تأسيس صناديق وبنوك على مستوى القارات، كبنك التنمية الآسيوي والأفريقي بحثًا عن الفكاك من الهيمنة الأمريكية؛ لكن مثل هكذا بنوك وصناديق تبقى أدوات في أيدي من أنشأها لبسط الهيمنة والنفوذ ونهب خيرات الدول الأخرى؛ ومن هنا اتهمت مثل هذه الصناديق بأنها ذراع من أذرع الدول الاستعمارية.

3- شروط وتوصيات صندوق النقد الدولي في منح القروض هي واحدة وقاسية ومُهينة

 تقوم توصيات الصندوق بشكل أساسي على فرض خطط التقشف، وتدفع الدول الـمَدينة على التخلي عن مسؤولياتها الاجتماعية تجاه مواطنيها بما في ذلك رفع الدعم عن السلع الأساسية، كالخبز أو المواد الغذائية أو المحروقات أو الدواء التي أول ما تصيب الطبقة الفقيرة والمتوسطة، والتي تشكل غالبية المواطنين عادة… وكذلك تقوم هذه التوصيات على فرض الضرائب والرسوم، إضافة إلى خفض إنفاق الدولة الـمَدينة على خدمات الصحة والتعليم، والرعاية بشكل عام، وكل ذلك بحجة دعم ميزانية الدولة، وبالتالي امتلاكها القدرة على إيفاء الدين. وهذا يؤثر بالدرجة الأولى على الفقراء بشكل لا يستطيعون تحمل عواقبه ما يؤدي إلى قيام احتجاجات شعبية تطالب بتغيير النظام لتقوم الدول المسيطرة على مثل هذه المؤسسات الربوية باستغلال هذه الاحتجاجات إن كان لها مصلحة في ذلك. وهذا ما حدث مثله في لبنان، فقد وقع لبنان في عجز عن إيفاء ديونه مع فوائدها، ووصل إلى حافة الإفلاس، وتفاقم الوضع المعيشي والخدماتي للناس على مختلف الصعد ما أدى إلى انفجار الوضع المعيشي وقيام ثورة شعبية تريد تغيير الطبقة السياسية الفاسدة كلها، تحت شعار (كلهم يعني كلهم). وهنا لا بد من ذكر أن هذا حدث ويحدث الآن في لبنان ولمــَّا يُتفق بعدُ مع صندوق النقد الدولي. وهذا الوضع الصعب غير المحتمل سيزداد صعوبة مع إبرام أي اتفاق مع هذا الصندوق. واللافت في الأمر أن الثورات عادة ما توجه اللوم إلى الحكام ولا توجهه أبدًا إلى من وراء الحكام من دول الغرب، ولا تنتبه إلى الدور الدولي الخطير لصندوق النقد الدولي الذي يقف وراءه دول الغرب، بل على العكس هناك من يرى أنه الجهة المخلِّصة…

4- الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخطيرة المترتبة على تنفيذ شروط وتوصيات الصندوق

أما الآثار الاقتصادية والاجتماعية، فإن وصفات الصندوق التي يفرضها على البلدان الـمَدينة لا يأخذ فيها أدنى اعتبار لتأثيرها السلبي على الجوانب الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية قبل الانطلاق في تنفيذها، بل إنه يتعمد اتباع سياسة تهدد اقتصاد هذه البلدان بالانهيار؛ إذ يؤدي عجز الميزانية واختلال الصادرات والواردات إلى ارتفاع مستويات التضخم، وتراجع العملة المحلية، وازدياد معدلات البطالة، وانخفاض معدلات الأجور، وتراجع حجم الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات النمو الاقتصادي، وينتهي كل ذلك إلى تدهور الأوضاع الاجتماعية، من انكماش الطبقة الوسطى مع نزول أفرادها إلى الطبقة الفقيرة، وتزداد نسب الفقر والفقر المدقع، وتصبح غالبية الناس تحت خط الفقر. وكل هذا نراه في لبنان بوضوح، وما نراه الآن هو مرشح للمزيد مع إبرام أي اتفاق مع الصندوق؛ حيث سيزيد الغلاء وتنقص قدرة الناس على تأمين حاجياتهم الأساسية المعيشية، هذا ولا يخفى ما لهذه الأوضاع من تداعيات اجتماعية خطيرة… ثم بعد أن تقع الدول الـمَدينة في حالة العجز عن دفع الديون وفوائدها، يفرض صندوق النقد على الحكومات برامج تحت مسمى «إعادة الهيكلة» والإصلاح الاقتصادي، ويفرض خصخصة مؤسسات القطاع العام، ويرفقها بتوجيهات برفع الحواجز الجمركية والتعريفات عن السلع القادمة من الدول الكبرى المهيمنة على الصندوق، ويهدف الصندوق من ذلك إلى فتح السوق المحلية أمام الشركات المسجّلة في الدول الكبرى بحيث يتحول السوق المحلي إلى سوق مستهلك لمنتجاتها، ومُسيطَر عليه من قبل هذه الشركات؛ وهذا ما يحولها إلى زبون دائم لها.

وأما الآثار السياسية لسياسات هذا الصندوق، فإن الاحتجاجات الشعبية التي تقوم ضد الحكام نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية ونتيجة شروط وتوصيات مثل هذه الصناديق، ونتيجة فساد الطبقة الحاكمة، يجري العمل على تأطيرها من قبل الدول الكبرى المتنافسة دوليًا على المصالح فيما بينها ضمن ما يعرف بمنظمات المجتمع المدني، ومحاولة إدخالها في النسيج السياسي الجديد، وهذه المنظمات يقوم الغرب بدعمها وتأييدها بشكل علني صريح. وهذا مثل واضح وصريح عن الاستغلال السياسي للدول الكبرى لمثل هذه الأوضاع. وكذلك، فإنّ العجز الذي تقع فيه البلدان الـمَدينة يحمل انعكاسات سياسية تتمثل أحيانًا في طلب الدول الكبرى منها اتخاذ مواقف متفقة مع مواقفها، كما في حالات التصويت على قرارات الأمم المتحدة المختلف عليها، أو إقامة قواعد عسكرية على أراضيها، وبالتالي تصير تابعًا وحديقة خلفية للمستعمر الناهب. ولقد رأينا في الأزمة الاقتصادية التي يمر فيها لبنان تدخلًا أمريكيًا وفرنسيًا على رؤوس الأشهاد، ورأينا في هذا التدخل ترابطًا بين الوضع السياسي والوضع الاقتصادي. فمثلًا سمعنا كل من ماكرون ومساعد وزير الخارجية الأمريكية يصرح كل منهما أن البنك الدولي والمؤسسات الدولية لن تقدم إلى لبنان أية مساعدات ما لم يقم بإصلاحات سياسية. ورأينا كيف أن ماكرون يفرض على السياسيين شكل الحكومة التي يراد تشكيلها لإنقاذ البلد، ويهدد بالعقوبات عليهم إن هم خالفوا توصياته، كذلك نرى بأن هناك تعمدًا مقصودًا من أمريكا يتعلق بتأخير عملية استخراج النفط؛ حيث يربط استخراجه بالتوافق مع (إسرائيل) على أحواض بحرية معينة، وبالتالي ربطه بالصلح مع يهود عن طريق ما يسمى بـ»صفقة القرن»… التي تعتبرها أمريكا من ضمن صياغة الشرق الأوسط الجديد. فأمريكا تتعامل مع الملف اللبناني كحزمة واحدة يتعلق بمخططها العام المتعلق بصياغة المنطقة من جديد. والذي منه تحويل وجهة الصراع في المنطقة من (إسرائيل) إلى الصراع مع إيران.

5- سياسة إغراق الدول بالديون الخارجية الربوية سياسة غربية استعمارية بوجه جديد

أما لماذا يلجأ صندوق النقد الدولي هذا إلى مثل هذه السياسة في الإقراض والتي نراها واحدة في تعاقده مع كل دول العالم، ونرى أن نتائجها المدمرة واحدة؟ فكما قلنا سابقًا، إن هذه الصناديق تملكها وتتحكم في سياستها الدول الثرية الاستعمارية، وتتخذ منها وسيلة للهيمنة على اقتصادات الدول الـمَدينة والتحكم بأنظمتها السياسية والاجتماعية من دون حروب ولا احتلالات؛ لذلك هي متهمة عالميًا بتخريب اقتصادات دول العالم. فالديون الخارجية الربوية، والتي يعتبر صندوق النقد الدولي هو من أهم أذرعها الدائنة فيها، تعتبر من أساليب استعمار الغرب للدول والشعوب، وقدرت هذه الديون لدول العالم في العام 2018م بـ (7،8) تريليون دولار، وارتفعت ديون 20 دولة عربية في نهاية العام 2019م لتصل إلى أكثر من تريليون دولار، وللبنان بـ (79،3) مليار في 2018م. وهذه الديون تضع لبنان في مقدمة الدول الـمَدينة في العالم بالنسبة إلى عدد سكانه وإلى حجم الناتج المحلي.

6- سرقة الحكام لشعوبهم هي من أهم مسببات وجود مشكلة المديونية الخارجية

يعتبر الحكام العملاء والفاسدون من أهم مسببات وجود مشكلة المديونية الخارجية، فهم كونهم عملاء فإنهم يسيرون في كل سياساتهم بحسب إملاءات الدولة الكبرى التي تتحكم بهم، وبالتالي يسيرون في سياستها بإغراق دولهم بالديون الخارجية لمصلحتها، وكونهم فاسدون فإنهم يعمدون إلى النهب والاختلاس من المال العام وجمع ثروات تعادل ميزانيات دول، وصار الرأي العام أن الحكام لصوص، وأنهم تجار سياسة وتجار مال، لا يقرون من السياسات الاقتصادية إلا ما يوافق مصالحهم المالية، وأنهم يسيرون بحسب معادلة ثابتة وهي: ملء الخزينة من الناس، ومن ثم إفراغها في جيوب السياسيين…

ثم أن هؤلاء الحكام الناهبين يقومون عادة بإيداع أموالهم المنهوبة خارج البلاد في بنوك الغرب الكافر، مستفيدين مما يعرف بالسرية المصرفية والحسابات المشفَّرة، معتبرين إياها ملاذات آمنة لهم متى ما أحسوا بتعكر الأجواء وثورة الناس عليهم. وتحتل البنوك السويسرية والأمريكية والبريطانية والفرنسية النصيب الأكبر من إيداع الأموال المهرَّبة من الدول العربية. ففي تقرير مطول لـ «دويتشه فيله» تناول ملف الأموال العربية المهربة للخارج، نقل عن الغرفة العربية السويسرية للتجارة والصناعة في جنيف تقديرها لحجم الأموال العربية المنهوبة والمخفيَّة في البنوك السويسرية بنحو 200 مليار دولار، فيما قُّدرت إجمالي المبالغ العربية المودعة في الخارج بصفة عامة بحوالى عدة تريليونات من الدولارات. التقرير استعرض أبرز الوجهات التي تحتضن الأموال العربية إلى جانب سويسرا، منها على سبيل المثال جزر البحر الكاريبي البريطانية وليشتنشتاين وولايات نيفادا وجنوب داكوتا ووايومنغ وديلاوير، لافتًا إلى أن قسمًا كبيرًا من هذه الأموال يعود إلى حكام ورجال أعمال فاسدين حصلوا على ثرواتهم بطرق غير مشروعة على مدار عقود طويلة مضت.

وهذا الوضع يجعل الناس يعيشون تحت مطرقة سرقة الحكام وسندان إيفاء الديون، ويجعل الغرب يتمتع بأمرين: أولها: الهيمنة على البلاد الأخرى ونهب خيراتها عبر النفاذ غير المشروط لشركاته وصناديقه الاستعمارية فيها، وثانيها: إيداع المال المنهوب من قبل الحكام في المصارف الأجنبية واستعمالها في الدورة الاقتصادية لبلدانهم، فهل بقي لأهل البلد شيء بعد تكالب الغرب والعملاء على نهب كل ثروة له، سواء أكانت فوق الأرض أم في باطنها؟.

هذا ما يجب أن يعيه الذين يثورون على حكامهم، فنظرتهم قاصرة إن هم لم ينتبهوا إلى أن النظام الربوي هو بحد ذاته نظام جائر يحاربه الله، ويجب أن تحاربه البشرية جميعها نظرًا لما يجلبه من زيادة إفقار للفقراء ووزيادة غنى وتسلط للأغنياء. ونظرتهم من يريد الإصلاح تكون قاصرة عندما لا ينتبهون ليد الغرب الوسخة الخفية التي تقف وراء هذا الظلم، ومن القصور أن يتهم الحكام فقط. وهنا نرى أن هناك أربعة جهات تستحق الإدانة في هذا المضمار، وهي: النظام الرأسمالي الاستعماري الذي يشرع الربا، وتابعه النظام الدستوري الذي يحكم البلاد الأخرى التي تشرع الربا، وحكام الغرب، ومن ثم توابعهم من الحكام العملاء من أهل المنطقة.

7- غياب المعالجات الحقيقية لمشكلة لبنان المالية والاقتصادية

بما أن مشكلة لبنان المالية والاقتصادية هي من ضمن المشكلة العالمية التي تقع فيها الدول الضعيفة فريسة للدول الغنية؛ فإن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، والاستعانة بالمؤسسات المالية الدولية كمؤسسة «ماكينزي» لإجراء الدراسات المالية لحل أزمة مديونيته ستزيدها غرقًا… ثم إن هذا الاقتراض لن يحقق شيئًا على سبيل التنمية في البلاد، بل سيقلِّل من أهمية الاعتماد على الذات كاستراتيجية تتبناها الدولة للوقوف على أقدامها. وعلى المسؤولين على مختلف انتماءاتهم السياسية أن يلجؤوا إلى معالجة وضعه بتحويله إلى اقتصاد حقيقي يعتمد على الإنتاج الزراعي والصناعي والتصدير؛ وذلك عن طريق إقامة خطط واستراتيجيات تضعها الدولة لدعم الإنتاج المحلي، وخاصة المواد الغذائية، وبدعم الفلاحين والمزارعين من أجل تيسير إنتاجهم، واستغلال مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، وتأمين الحاجة الداخلية للناس منها، والمساعدة في تأمين أسواق خارجية لها، ومنع استيراد مثلها من الخارج ومنافستها في الداخل، وتشجيع إنشاء صناعات منها يستفيد منها لبنان داخليًا وخارجيًا، ولا بد أن يعقب ذلك قيام حالة من الاستيراد والتصدير؛ وهذا ما من شأنه ان يوجد اقتصادًا حقيقيًا يغني عن مد اليد مذلولة إلى الخارج للاستقراض. ومما يذكر أن في لبنان أصحاب رؤوس أموال يملكون ثروات هائلة يمكن أن تسهم في إنشاء مثل هكذا اقتصاد.

وهناك أمر لا بد من لفت النظر إليه، وهو أن لبنان سيكون في المستقبل القريب دولة نفطية واعدة. وهو لاعتبارات سياسية لدى أمريكا تتعلق بفرض مخططها للمنطقة وإعادة صياغتها من جديد، تؤخر استخراج نفطه مع أن أزمته المالية مشتعلة في لبنان ومتفاقمة، وهي تسعى الآن عبر سياسة إغراقه بمزيد من المديونية أن تستنزف هذه الثروة النفطية متى تم استخراجها لمصلحتها لسنوات وسنوات عن طريق مفاقمة الديون وفوائدها، هذا بالإضافة إلى أنها تريد أن تحصل على الحصة الأكبر من حق امتياز استخراج النفط لشركاتها. وفي هذا المجال على أهل لبنان أن لا يطمئنوا أنهم في حال تحوُّل بلدهم إلى بلد نفطي أنهم سيغنَون وسينتهون من الديون، فها هي السعودية تتحول إلى دولة مدينة نتيجة إدخال الغرب لها في حروب المنطقة، ومنها الحرب في اليمن… 

العلاج الحقيقي لمشاكل لبنان المالية والاقتصادية:

في ظل النظام العالمي الحالي الذي تتحكم به أمريكا، فإنه يمكن إدراك الحلول الآنية والدائمة ولكن لا يمكن السير بها؛ لأن الغرب الذي أوجد هذه المشاكل يمنع حلها إلا على طريقته في الحل، فهو أوجد مشكلة الديون الخارجية الربوية، وأوجد المؤسسات الدولية المالية كصندوق النقد الدولي هذا ليمكنه من خلالها نهب خيرات الشعوب… وأوجد النزاعات السياسية في العالم، وأوجد المنظمات السياسية الدولية، كمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لحل المنازعات لمصلحته عن طريقها… ومشكلة لبنان المالية والاقتصادية هي من ضمن هذا المخطط الجهنمي؛ وعليه لا يمكن أن تحل أوضاع لبنان المالية والاقتصادية إلا بوعي حكامه على ضرورة إقامة اقتصاد حقيقي فيه، ولكن هذا لا يرى وجود أي بصيص أمل فيه لسببين: أولهما أن حكامه فاسدون ومصرون على البقاء في الحكم، وثانيهما أن الجهة التي تعتبر نفسها بديلًا لهؤلاء الحكام لا تخرج في رؤيتها للحل عن رؤية أهل الحكم فيه، والإشكالية عندهم تقتصر فقط على تغيير طبقة الحكم الفاسدة، وليس على تغيير نظام الحكم الدستوري الفاسد، والانفكاك عن الغرب وسياساته الجائرة.

وعليه، لا حل حقيقيًا لمشكلة لبنان، ولغيره من الدول إلا بنظام دولي يعنى بالإنسان كإنسان، ولا يجعل المادة فوقه وقاهرته، نظام لا ربا فيه، نظام يوزع الثروة ولا يجعلها تتجمع بأيدي حفنة من البشر تتحكم بمصائر الشعوب وتذلها، نظام رباني من لدن إله عليم لطيف خبير لا نظام وضعيٍّ يستغل الناس ويستعبدهم، إنه بكل صراحة هو نظام دولة الخلافة الذي يقوم اقتصاده على اقتصاد حقيقي قائم على توزيع الثروات على الناس بحيث لا تتجمع في أيدي حفنة من الرأسماليين الجشعين الذين لا حد لطمعهم. وإن الغرب إذا كان قد قسم دول المسلمين وجعلها دولًا لا يقوم في كل منها على الغالب اقتصاد حقيقي؛ فإن دولة الخلافة ستعيد المسلمين إلى وحدتهم على كل صعيد، أراضي وشعوب وخيرات… وفي ظل هذه الوحدة سينعم المسلمون جميعهم بها. سينعمون بنعمة المياه والسدود فلا مشكلة ستنشأ بينهم نتيجة تقسيم بلاد المسلمين، وسينعم المسلمون وغير المسلمين التابعين لدولة الخلافة بالثروات الضخمة التابعة للملكيات العامة كأموال النفط والمناجم، وسينعمون بالاستقرار النقدي نتيجة قيام العملة على قاعدة الذهب، وسيمنع الربا والاحتكار وغيرها من الأمور التي تجعل المال يتجمع في أيدي القلة من الناس على حساب الآخرين… هذا النظام هو نظام الإسلام الذي لا يمكن أن يطبق إلا حين تحمله دولة مبدئية هي دولة الخلافة الراشدة الثانية الآتية قريبًا بإذن الله، والتي ستقلب جميع الموازين، وتؤسس لفترة مشرقة من تاريخ البشرية تعمُّها السعادة والرفاهية والطمأنينة،كما عاشتها سابقًا لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا، كانت فيه الدولة الأولى في العالم، قال صلى الله عليه وسلم: «… ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *