العدد 405 - السنة الخامسة والثلاثون – شوال 1441هـ – حزيران 2020م

صُلح الحديبية… ثبات مبدأ وحِنكة قيادَة

 الأستاذ :رمزي راجح- اليمن

«صلح الحديبية» موقفٌ لطالما أثار في لحظته الأولى حفيظة تساؤلات الصحابة الكرام عن شأن رضى النبي  بهذه المصالحة! فقد كانت مجريات الأحداث بعد هذا الموقف قد كشفت للمسلمين عن درسٍ عظيمٍ تَعلَّموه من نبيهم، كشف لهم فيه عن أهمية «ثبات المبدأ وحنكة القيادة في مسيرة حمل الدعوة الإسلامية، بل وأكسبهم، على المدى البعيد، مناعةً دفعت عنهم شر فتنة أهل الزيغ والتأويل الفاسد المتواطئين مع قوى الكفر!

نعم، لقد أبدى بعض الصحابة، رضوان الله عليهم، تساؤلاتهم أمام قائدهم رسول الله بعد لحظة إبرام صلح الحديبية؛ فكان الرد من رسول الله : «إنِّي عبد الله ولن يُضيعني» فاستجابوا مع هذا الرد  لأمر الحبيب محمد  عن نفوس راضية، رافقت مشاعرها بشرى نزول سورة الفتح! ثم بدا لهم من بعدُ أن صلح الحديبية لم يكن دنيَّة في دينهم، بقدر ما هو ثبات موقف وهيمنة مبدأ فرض كيانًا رايته تُسمَّى العُقاب، وما أدراك ما طائر العُقاب!! لقد اكتشف ذوو الفطنة من المسلمين عندها حالة الضعف وقلة الحيلة التي كانت عليها قريش بعد حروب طحنتها وأنهكتها غزوات بدر وأحد والأحزاب وغيرها من السرايا!، وهذا ما كان القائد العظيم  رسول الله قد فَطِنه بحدة نظرته الواسعة العميقة من قبل أن يكون هناك صُلح أو مُفاوضات، وقد جسَّدت هذه الفطنة التنازلات التي قدَّمتها قريش في الصلح عن يدٍ وهم صاغرون؛ ولقد تجلَّت حكمته وحنكته القيادية صلى الله عليه وسلم في استغلال حالة قريش المترهِّلة؛ حيث أظهر للقبائل العربية عزمه على الحج والعمرة حتى يقطع عن قريش مكر التحريض ضد المسلمين، فتبقى قريش مسلوبة الرأي العام عند العرب في أي عمل تقوم به في وجه المسلمين، وبهذا لم يكن أمام قريش إلا ثلاثة آراء محتمَلة!!

الاحتمال الأول: أن تسمح قريش للرسول والمسلمين بدخول مكة للحج والعمرة، وهذا أمرٌ تعلم قريش أنه يؤدي حتمًا إلى زعزعة سياستها الداخلية لصالح المسلمين!! أما الأحتمال  الثاني: أن تعلن قريش حربها في وجه رسول الله، وهذا أمر تعلم قريش خسارة الرهان فيه  من ناحيتين: الأُولى: بسبب ضُعف حُجتها أمام القبائل العربية التي ستحجم عن مساندتها بسبب إيمانها بقداسة الكعبة المشرفة في نظر كل القبائل العربية، خاصة أن رسول الله  قد لبس ثياب الإحرام وساق الهدي وأعلم القبائل العربية بمقصد الحج والعمرة!. والثانية: إن قريش قد أنهكتها الحرب مع رسول الله  في بدر وأحد والأحزاب وقُتل صناديدُها!! أما الاحتمال الثالث: وعليه، فلم يكن أمام قريش إلا أن تخضع لاحتمال  ثالث، وهو: «عقد صلح مع رسول الله» ولكنه صُلح يفرضه عليها ضغط الحنكة القيادية لرسول الله الذي لم تخفَ على فراسته حالة الضعف في قريش!! وهكذا يكون رسول الله r  بحنكته قد استغلَّ ظرف قريش، وجعل كل الاحتمالات تسير في صالح السياسة الخارجية للدولة الإسلامية. وأبرز هذه المصالح

– التفرُّغ لمراسلات قادة القبائل والدول داخل وخارج الجزيرة العربية، والتهيئة لأجواء الدعوة الإسلامية…

-التفرُّغ لكسر شوكة باقي القبائل القوية الأخرى التي لازالت تشكل خطراً على كيان الدعوة الإسلامية مثل خيبر والطائف داخل الجزيرة العربية، والروم خارج الجزيرة العربية…

-توصُّل الرسول الكريم بالصلح مع قريش إلى قطع أي تحالفات أخرى مع قريش، بل أن هذا الصلح أرعب بقية القبائل القوية الأخرى، فأصبحت بمثابة ذيل الثعبان الذي دُسَّ رأسه تحت قوة صخرة قوية لا يستطيع إزاحتها عن رأسه، ورأس الثعبان هي قريش، ومادونه هي القبائل الأخرى، والصخرة هي دولة المسلمين… هكذا، وبهذه الحنكة التي لم تتنازل عن مبدأ، ولم تعطِ الدنيَّة في دينها، استطاع الرسول الكريم توجيه الضربات لقوى الكفر، واحدةً تلو الأخرى، وتحققت الانتصارات بفضل الله وثبات المؤمنين مع قائدهم رسول الله ليأتي بعد هذا الحدث العظيم من صلح الحديبية والذي سماه الله فتحًا مبينًا. ولكن، ومع الأسف، هناك من يصوِّر اليوم هذا الصلح في أذهان المسلمين على أنه تبريرٌ للتواطؤ مع قوى الكفر، وتنازلٌ عن مبدأ الإسلام؛ فيستدلون به لعقد التحالفات والتنازلات التي يقدمونها يوماً بعد يوم لقوى الكفر المتمثلة بأميركا وكيان يهود الغاصب لأرض فلسطين المباركة، ثم يقولون إن هذا من حنكة القيادة وثبات الموقف! ثم إذا بهم يتنازلون كذلك عن قيم مبدأ الإسلام وأحكامه ثم يقولون: هذا من عند الله!! والعياذ بالله أن يكون رسولنا قد تنازل عن حكم شرعي واحد؛ فكيف بمن قد تنازلوا عن نظام الإسلام وحكموا بأنظمة علمانية ديمقراطية أباحت الحكم بالكفر في كل مناحي الحياة، وفصلت الدين عن الدولة؟!!.إنهم قادة الإجرام العملاء في هذا الزمان، من الحُكام الخونة والسفهاء من الناس، أفرادًا أو أحزابًا، ممن يمدُّونهم بالغي طاعة عمياء مثلهم كما قال تعالى: ]وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١[ ولسان حالهم يوم المعاد كما قال تعالى: ]وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧[ وهيهات أن ينفع الندم يوم الحساب، أو ينفع الناس فيه حاكمٌ خائن أطاعوه.

 أيها المسلمون، هلَّا عملتم مع العاملين المخلصين المتسنِّمين طريقة المبدأ الإسلامي في إقامة دولة الإسلام (الخلافة) وأخذتم مع أهل القوة والمنعة من جيوشكم بيعة الحكم لخليفة يحكم المسلمين بنظام الإسلام العظيم، والذي يتجسَّد فيه ثبات المبدأ وحنكة القيادة، والتي يوجه فيها الضربات فوق رؤوس الكفر واليهود الأنجاس المغتصبين لأرض فلسطين؛ حيث مسرى رسول الله. هكذا يجب أن يتجلى المبدأ وحنكة القيادة، وأن تتحرك جيوشكم إلى حيث يجب أن تتوجَّه ابتغاء مرضاة الله، لا حيث يسير بها أقزام القادة العملاء، يضربون بها رقاب بعضكم بعضًا في سبيل تنفيذ مخططات دول الاستعمار الأجنبي اللعين!!

يا معشر المسلمين، إن قرار عزتكم وسعادتكم بإيديكم، بدولتكم دولة الخلافة، فلا تطغَ على تفكيركم مبادئ الكفر التي لا تقود إلا إلى حيث مصالحهم الآنية الدنيئة، فأنتم تملكون أعظم عقيدة انكسرت أمامها كل المبادئ، وتحطَّمت أمام عقيدتها كل المساومات والتحديات… إنها دولة المبدأ الإسلامي العظيم الذي لن يبقى مع قيامها بيتًا للدعارة، أو حانوتًا للسكارى، أو ساحًلا للعرايا، أو تِمثاًلا يُعبد من دون الله… إنها دولة الإسلام التي حملت الإسلام العظيم إلى أصقاع الأرض!! لقد طال أمد هؤلاء الحكام الخونة، وينتظرهم عند الله سوء العذاب، وتنتظرهم بإذن الله وعلى أيدي العاملين المخلصين لإقامة الخلافة الإسلامية الثانية التي بشَّر بها الحبيب محمد  سوء العاقبة!! رُفعت الأقلامُ وجُفَّت الصحفُ… وليس لبشرٍ في الأرض بعد وعد رسول الله: «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة» بيان أو كلام! قالها رسول الله ونحن على تصديق بها وعمل وانتظار لها: فاستبشروا بوعد نبيكم، واعملوا لها… والحمد لله رب العالمين.

شاهد أيضاً

w_a

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (399)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (399) ربيع الآخر 1441هـ – كانون الأول/ديسمبر 2019م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *