العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م

الإسلاموية: نموذج الغرب الكافر للمسلمين الذي يتبناه ويدعو إليه أردوغان

الإسلاموية:

نموذج الغرب الكافر للمسلمين الذي يتبناه ويدعو إليه أردوغان

عبد الستار أبو تقي – الأرض المباركة فلسطين

 يحرص دهاقنة السياسة في دول الغرب الكافر، أثناء حربهم اللئيمة على الإسلام، على تشويه صورته الحقيقية في أذهان الناس حول العالم، من خلال تصويرهم، تزويرًا وتدليسًا، أن من يعمل على نصرة دين الله اليوم، بتطبيق الإسلام في خلافته، إرهابيًا راديكاليًا أصوليًا متطرفًا… مستخدمين أدوات مختلفة في ذلك، كالملاحقة المادية لكل من يدعو إلى الإسلام السياسي، وكالتضليل الفكري الذي يشوه المفاهيم الصحيحة عن الإسلام، وكالتخويف وبث الكراهية ضد الإسلام في أرجاء العالم، أو ما يسمى بـ(الإسلاموفوبيا-Islamophobia)، تساعدهم في ذلك الأنظمة العميلة في بلاد المسلمين، حتى يظل المسلمون حائرين تائهين خائفين، لا يعرفون طريقًا لخلاصهم. 

ومن جملة تلك المفاهيم التي يروج لها الغرب في ضرب الإسلام وأمة الإسلام، مصطلح «الإسلاموية» أو ما يطلقون عليه عندهم Islamism. وهذه المقالة تهدف إلى بيان هذا المفهوم لديهم، وكيف أن الأنظمة المأجورة في بلادنا تتبناه وتدعو إليه، خدمة للغرب الديمقراطي المجرم، وضربًا للإسلام، وإقصاء له عن الحياة والسياسة والحكم. مثال ذلك أردوغان تركيا، الذي يظن بسطاء من أبناء المسلمين أنه قائد إسلامي مِغوار، يخدم الدين ويدافع عنه!!

ماذا يعني مصطلح الإسلاموية (Islamism) في الفكر السياسي الغربي؟.

إن الناظر في تعريفات وتصريحات سياسيي ومفكري الغرب لمصطلح الإسلاموية (Islamism) والذي أنتجوه وصدَّروه إلينا ليحاربوا به الأمة، يخلص إلى أنهم يقصدون به الأمور التالية: فبحسب الموسوعة العالمية ويكيبيديا، فإن الإسلاموية تمثل «حركة سياسية تدعو إلى تطبيق مبادىء الشريعة الكاملة في الحياة والسياسة، وإن الإسلاموية هي عين مصطلح (الإسلام السياسي) أو (الأصولية الإسلامية)، وإنها الجماعات السياسية التي تعمل على إقامة دولة الشريعة الإسلامية (الخلافة) المتطرفة، والتي تسعى لإقامة دولة واحدة للمسلمين عابرة للحدود، والتي ستعمل على إزالة تأثير الغرب السياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري من بلاد المسلمين» أما الكاتب أوليفر روي (2007م) فيعتبر «أنها تمثل كل من يريد أن يؤسلم بيئته في كل مفاصل الحياة» أما  مجلس العلاقات السياسية الأميركي الإسلامي (2015م) فيعتبرها «نوع من الحركة السياسية التي تهدف إلى تطبيق قوانين الشريعة في الدولة والمجتمع» أما توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا السابق (2018م) فيعتبر أن الإسلاموية «تتجسد في الحركات الإسلامية العنيفة المتطرفة، سبب مشكلة العالم والإرهاب فيه» وهو ما يؤكده بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا الحالي، الذي يصف الإسلاموية «بالفيروس الذي يجب أن يقفوا متحدين من أجل عزله والقضاء عليه» (2013م). أما الكاتب بسام طيبي (2012م) فيصفها بأنها «نوع من أنواع تسييس الدين، وأنها حالة من الأصولية الدينية» ويوافقه ماجد نواز (2015م) الذي ينعتها «بالأيدولوجية الدينية التي تهدف إلى فرض الإسلام وشريعته على المجتمع»؟!. أما مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، في افتتاحيته لمؤتمر (ما بعد الإسلام السياسي: الشروط، السياقات والآفاق، 2018م) فيقول: «إن حركات الإسلام السياسي، التي تنادي منذ عقود بالدولة الإسلامية، وبأن الإسلام هو الحل، دخلت في أزمة مع الشعوب العربية؛ لأن الأخيرة تطالب بالحرية والعدالة والديمقراطية وتداول السلطة، وهذه الأزمة من أسبابها الحركات الإسلامية، وبالتالي فإن السياسي قد فشل لصالح ما بعده»؟!!.    

وهكذا يظهر أن هذا التوصيف، المقصود والمضلِّل والماكر، لمصطلح الإسلاموية (Islamism) في العقلية الغربية، يهدف إلى شيء واحد: تشويه الإسلام السياسي، والزعم أنه فشل، ووصم العاملين لعودة نظام الإسلام في الحكم كما كان بالإرهاب والتطرف والأصولية، كما يهدف إلى تدجين المسلمين وتخويفهم من العمل للخلافة، التي تنقذهم وتعيد مجدهم وهيبتهم، خصوصًا بعد أن أصبحت الخلافة مطلبًا للأمة التي ارتفع وعيها على وجوبها شرعًا في حياتها. فتصريحات ترامب تكاد لا تنتهي عن «الإرهاب الإسلامي الراديكالي» وأنه في حرب على الخلافة، وهذا بوتين روسيا (2017م) يؤكد أن «موسكو لن تسمح بأن تصبح روسيا دولة الخلافة»، أما الرئيس الفرنسي ماكرون (2019م) فيحذر من خطر «إعادة إقامة دولة خلافة في سوريا» بل ويعتبره «خطرًا إنسانيًا يجب منعه، ومن مسؤولية تركيا أمام المجتمع الدولي». أما توني بلير (2018م) فيدعو صانعي القرار في الغرب «لأن يصارعوا حركات الإسلام السياسي وفكرها الديني الاستبدادي»… كل هذا يشير إلى مدى القلق والهاجس الذي يسيطر على فكر سياسيي الغرب أعداء الإسلام، من حركة الاسلام السياسي القوية، باتجاه استئناف خلافتها.   

أما ما يدعو له سياسيو ومفكرو الغرب، كبديل عن الإسلام السياسي الذي يرعبهم، فهو ببساطة إسلام عبادات وطقوس، إسلام فردي لا علاقة له بالتشريع والسياسة والحكم والخلافة، فهم يريدون الإسلام هوية فردية للمسلمين، في بيوتهم وأخلاقهم وصلاتهم وصومهم، أما الدولة والمجتمع والعلاقات والقوانين والأحزاب والسياسة، في بلاد المسلمين، فيريدون أن تكون هويتها علمانية بحتة، تحكمها القوانين الغربية الليبرالية التي تديم الاستعمار والهيمنة الغربية في بلادنا، وتمنع الأمة من النهوض والوحدة في كيانها السياسي الإسلامي الجامع – الخلافة. قال بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا (2013م) «يجب أن نفرق بحزم بين الإسلام كدين وبين فيروس الإسلاموية الذي يقود الإرهاب» فالإسلاموية عنده تعني أربعة أشياء يجب محاربتها: «الخلافة، وحدة الأمة الإسلامية، تطبيق الشريعة، والجهاد»، فالرجل يرى أن «الإسلام هو المشكلة لأنه لا يتوافق مع الليبرالية العلمانية الغربية»!! 

وقبل الكشف عن أردوغان تركيا، الذي يتبنى الإسلاموية، مثل زعماء الغرب، ويدعو لها، ويضلل الأمة، نرد على من يزعم أن لا سياسة في الإسلام، وأن الإسلام السياسي فشل، فنقول:                            

أولًا: في غياب الإسلام السياسي (الخلافة) عن الساحة الدولية منذ مائة عام، والغرب الحاقد هو من يرسم ويصيغ أفكار ومفاهيم الأمة تحت حراسة وبطش الأنظمة المأجورة في بلاد المسلمين وإعلامهم   المضلِّل المأجور وتواطؤ علماء السلاطين. وما (الإسلاموية) إلا إحدى تلك المفاهيم الغربية المعلَّبة والمفروضة على الأمة؛ لترسيخ فكرة أن الإسلام ليس فيه سياسة ولا دولة، وأنه دين فردي مثل البوذية والسيخية والزرداشتية…!!                                                                

ثانيًا: إن فكرة فشل الإسلام السياسي (الإسلاموية Islamism) التي يروج لها الغرب، ليست فكرة حقيقية، تشهد عليها البيِّنات، بل هي كذبة وخرافة كبيرة، ومشروع وهدف عند أعداء الدين يراد فرضه بالتضليل والترويض، والعصا والجزرة، وبإثارة الفتن بين المسلمين حتى ينفضُّوا عن مشروع الخلافة.                             ثالثًا: ولأن الغرب المجرم هو من يفرض الفكر الذي يريده اليوم على أمة الإسلام، فالمروِّجون لفشل الإسلام السياسي، من أبناء المسلمين، من المشوَّهين فكريًا والمضبوعين بثقافة الغرب، خوفًا وطمعًا، يقفون في صف أعداء الدين، ويتحدثون عن الإسلام بمنطق الكفار ولسانهم، فيزعمون أن الفكر السياسي في الإسلام هو صنيعة بعض علماء المسلمين عبر التاريخ، إرضاء لبعض حكام المسلمين، ولكنه ليس من جنس الإسلام!!. هؤلاء يقلدون الغرب، ويتطاولون على الإسلام والعاملين له، ويتحدثون عن الإسلام قياسًا على المسيحية، وعلى ما حصل في أوروبا من تجبر وتسلط رجال الدين والملوك هناك؛ ما قاد إلى فكرة فصل الدين عن الحياة عندهم، كحل وسط، كما يزعمون!! …نقول لهؤلاء المفتونين بثقافة الغرب: كفاكم انبطاحًا ونفاقًا. المسيحية ليست نظام سياسة شامل كالإسلام… أنتم ببغاوات تربيتم في بيت الطاعة الغربي، وتخشون نقمته منكم إن خالفتموه؛ لذلك تنعقون بما يُملي عليكم، من أنه نهض وتقدَّم بعد أن أخذ بالديمقراطية العلمانية الفاسدة، والتي أشقته في الحياة وأحطَّت به!! ويلكم كيف تحكمون؟! أنحن أحق بالسياسة أم الغرب الليبرالي، وعقيدتنا الإسلامية أساس الفكر السياسي في حياتنا؟؟ ألا ترون كيف أن العمل السياسي الحزبي عند الغرب رأس سنام حضارته، وبها يزهو ويفتخر؟!.. أنتم لست جهلة بسياسية الإسلام، لكنكم خنتم ربكم ودينكم وأمتكم، خدمة لغرب مهيمن مسيطر!!.                                                                    

رابعًا: يهدف الغرب في تركيز مفهوم الإسلاموية (أن الإسلام السياسي ليس من الإسلام، وأنه مشروع فاشل) إلى شيء واحد: منع المسلمين وتخويفهم من التفكير والعمل لنصرة دينهم التي لا تكون إلا بالعمل السياسي الواجب لتطبيق الإسلام في دولته التي ستحمل الإسلام إلى العالم بالدعوة والجهاد ، وكما كانت، وتُنهي هيمنة الغرب الرأسمالي، ونهبه لبلاد المسلمين، قال تعالى: ( وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا ) فالغرب يخشى أن يعي المسلمون وجوب وحدتهم في خلافتهم؛ لذلك يضللهم ويخوفهم بمصطلحات الإرهاب والتطرف والأصولية، ليجعلهم في موقف ضعيف من الدفاع عن أنفسهم، وليظل عملهم للإسلام فرديًا، لا يهدد وجوده في الساحة الدولية.

خامسًا: الإسلام ليس دينًا فرديًا، بل نظام متكامل للحياة، لا يطبَّق إلا في دولته، التي ساست العالم قرونًا طويلة، في كل مفاصل الحياة، وعلى رأسها الحكم والإدارة، والعلاقات الدولية والاقتصاد، فسادَ المسلمون بها، وعَزُّوا وسَعِدوا، لا ينكر هذا إلا الغرب الكافر، وأذنابه من الحكام، وعلماء السوء. وهذه حقيقة شرعية تاريخية ثابتة، لا يجحدها إلا كل عميل، خائن لربه ودينه وأمته.

سادسًا: عندما تيقَّن الغرب الكافر وأذنابه الحكام أن الأمة بدأت بالتململ بقوة، تقودها الحركات السياسية المبدئية فيها، كحزب التحرير، وأنها الآن أقرب من أي وقت مضى، من إنجاز بناء مشروع خلافتها المسلوبة منها، أصبح يحاول، بقضِّه وقضيضه، وصمَ تلك الحركات بالرجعية، والاستبداد الديني، والتشدد، والتطرف، والإرهاب؛ ليصرف الناس عنها، ويخوفهم من العمل معها. وعندما لمس فشله في ذلك، عمد إلى استخدام فريق من الحركات الإسلامية، التي يقبل بها ويسميها «معتدلة»،  فورَّطها بالعمل السياسي والمشاركة السياسية، مع الأنظمة العميلة له في المنطقة (خصوصًا في بلاد الثورات)، حتى يُدجِّنها ويُفشِّلها ويُظهر، تضليلًا من خلالها، أن الإسلام السياسي فاشل، وأن البديل الوحيد المتاح للمسلمين هو القبول بالواقع المزري الذي يعيشونه في دول الضرار، لسان حالهم يقول: لا طاقة لنا بالغرب، ولا نريد أن نغضبه علينا!!.                    

  سابعًا: ولعل أبرز فرية عند من ينادون بفشل الإسلام السياسي ادِّعاؤهم أن من يدْعون إلى إعادة الحكم بالإسلام في خلافته، ليس لديهم نموذج إسلامي سياسي عصري، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الدولية… يكون بديلًا عن الأنظمة الليبرالية الغربية المطبقة في بلاد المسلمين. ويستشهدون على زعمهم هذا بالحركات الإسلامية، كالإخوان المسلمين، عندما صاروا في حكم مصر، بعيد الثورة في (2011م) وقبل أن يكونوا فيه، ثم يخلص هؤلاء إلى أن كل الحركات الإسلامية فاشلة، بل وينسبون هذا الفشل إلى الإسلام السياسي، وحتى الإسلام نفسه!!، ثم ينادي هؤلاء باستمرار أنظمة الغرب الليبرالية في بلادنا، والتي صنعها لنا على عين بصيرة، لدوام استعماره من خلال وكلائه، بعد إقصاء الخلافة من المشهد الدولي. نقول لهؤلاء المضلِّلين المفترين: لقد وضع حزب التحرير دستورًا للأمة، منذ عشرات السنين، بأدلته الشرعية، وبصياغة قانونية سهلة واضحة مفهومة، أثناء سعيها للخلافة وإعادة الحكم بما أنزل الله؛ لتتصور واقع الدولة الإسلامية وشكلها وأنظمتها، وما ستقوم بتطبيقه من أنظمة الإسلام وأحكامه، ويقع في (191) مادة بعنوان «مشروع دستور دولة الخلافة» تغطي كل جوانب الحياة السياسية في الخلافة، كنظام الحكم (الخليفة، المعاونون، الولاة، الجيش، الأمن الداخلي، الخارجية، الصناعة، القضاء، الجهاز الإداري، بيت المال، الإعلام، مجلس الأمة)، والنظام الاجتماعي، والنظام الاقتصادي، وسياسة التعليم، والسياسة الخارجية. وهذا الدستور موجود بين يدي الأمة وعلمائها ومفكريها وسياسييها، لا ينكره إلا مكابر عدو للإسلام، وهذا الدستور ينفي فراغًا سياسيًا مُدَّعًى ممن لا يريدون أن يعود الإسلام سياسة في الحياة والدولة والمجتمع، وينفي غياب النموذج الإسلامي الذي يدَّعيه الجاحدون المدلسون، تلامذة العلمانية الغربية.                                                                       ثامنًا: إن الغرب المجرم الذي ترعبه الخلافة القادمة، بإذن الله، يأمر أذنابه الحكام في بلاد المسلمين لأن يطمسوا عمل الإسلام السياسي الذي يقوده حزب التحرير في كل أرجاء العالم، في ظل ضجيج يصم، وتخويف يزلزل، وإعلام صاخب، وتغافل مكشوف؛ ليصرف الأنظار والعقول عنه، وعن مشروعه الواجب الذي يرفع المسلمين ويوحدهم كما كانوا، ويقطع يد الغرب عن بلادهم ومقدراتهم، بل ويحمل خير الإسلام إلى العالم كما كان. لكن حزب التحرير يسير بالأمة إلى موعود ربها، رغم كل تلك العقبات، وهو صاحب الإسلام السياسي وأبوه، ولقد جهز للأمر عدته، فدعا أبناء الأمة، وفصل لهم مشروعه العظيم، ووضع لهم دستورًا شاملًا لتطبيق الإسلام في الخلافة، منذ أول يوم تقوم فيه.

وإذا كانت بعض الحركات الإسلامية الملتوية وغير المبدئية، قد فشلت وأُفشلت، لكن الإسلام السياسي لم يفشل، بل فشل المنحرفون عنه المتنكرون له. وكلما تخاذل وسقط هؤلاء، التفَّت الأمة أكثر وأكثر حول حزب التحرير، الذي بات متفردًا صلبًا جاهرًا بالحق، لا تلين له قناة، يَشهد ويُصدِّق على ذلك عمله السياسي المبدئي والمتجذر والمتنامي، الذي يرعب الغرب، فبات يتحدث عنه ويحذر منه. إن عمل حزب التحرير في الأمة، أكبر وأعظم من أن يطمس، والحزب يحمد الله أن الأمة باتت تلمس وتعي حقائق التغيير بشكل أوضح، وكيف يكون خلاصها، وأن أباطيل الغرب وحكام المسلمين إلى خسران، وأن استخدام بعض أبناء المسلمين في ترويض وتحريف وإفشال الإسلام السياسي إلى زوال.

كيف يحارب أردوغان الإسلام بتبنيه الإسلاموية الغربية؟

لقد استقر اليوم، والحمد لله، في وجدان الأمة ووعيها، أن الأنظمة في بلاد المسلمين عميلة للكافر المستعمر، وهذا عامل مهم في سعيها للوصول إلى دولة المسلمين الجامعة التي ستقوم، قريبًا بإذن الله، على أنقاضها، وهو أيضًا خسارة كبيرة للغرب الذي وقف خلفها ردحًا طويلًا من الزمن. وعلى الرغم من أن أميركا لم تتخلَّ بالكامل عن الأنظمة المكشوفة، في تمرير سياساتها الاستعمارية في بلادنا، كما يحصل في مصر والسعودية وغيرها، إلا أنها باتت تستخدم، بشكل أكبر، أنظمة وقيادات، لم تحترق ورقتها بالكامل عند الأمة، مثل تركيا وإيران، بل وتعطيهم دورًا محوريًا، في تنفيذ سياساتها، كون هذه تستطيع -إلى الآن- تضليل كثير من أبناء الأمة، من أنها أنظمة (شريفة)، وأنها (مقاوِمة)، وتقف ضد سياسة أميركا في المنطقة، وتتخذ سياسات سيادية، تخدم الأمة!!.

والمدقق في الحالة التركية يجد أنها لا تختلف عن أخواتها في المنطقة في الارتماء في أحضان أميركا، وتنفيذ أجندتها الاستعمارية، لكنها تتستَّر حتى يسهل عليها خداع المسلمين بشكل أكبر وأسهل. وحتى نستطيع أن نقيس ونزن ما تفعله تركيا أردوغان، لا بد لنا أن نكشف أن أردوغان يقود سياسات لا تختلف عن باقي الدول الإسلامية (المكشوفة) إلا في شيء واحد، وهو التدليس أنه يناوىء ويناهض أميركا!!.

فكل دول العالم الإسلامي، وعلى رأسها تركيا، قامت على أنقاض الخلافة، تكريسًا لفرقة المسلمين، وهي دول لا تحكم بالإسلام، بل تحاربه وتحارب عودته، وسجونها تعجُّ بكل من يقول ربي الله، وكلها توالي الغرب في فكره الرأسمالي، وتتخذ ما يسمى بالشرعية الدولية (قانون الغاب الرأسمالي) قانونًا يجري عليها، داخليًا وخارجيًا، وكلها تركت الغرب يستعمر بلادنا، نهبًا وسلبًا، تاركة الأمة ترسف في فقر مدقع. وكل هذه الدول تركت أميركا تقرر لنا شؤوننا، فلا يتحرك الحكام إلا بأمرها، فهم ارتبطوا معها باتفاقيات سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية، جعلت لها سبيلًا على كل شيء في حياتنا، ناهيك عن وقوف هذه الأنظمة مع أميركا في حربها على الأمة بذريعة مكافحة الإرهاب. كما أن هذه الأنظمة تدعم كيان يهود، وتتفق مع أميركا على تصفية قضية فلسطين، وتسليم البلاد والعباد فيها بالكامل لهم، وتتآمر مع أميركا على تفتيت بلاد المسلمين (كما حصل في السودان، وتيمور الشرقية في إندونيسيا) وتدعم أميركا في منع التغيير في بلاد الثورات، كمصر، وسوريا، واليمن، وغيرها.

بعد هذه العجالة في بيان إجرام الأنظمة في بلاد المسلمين، نتساءل: هل سياسات ونظام أردوغان تركيا يختلف عن واقع الأنظمة المكشوفة في بلاد المسلمين، أم يحاكيها في عمالتها ورضوخها؟؟ والجواب: لا يختلف، إلا في مواقف أردوغان الكلامية وجعجعاته الإعلامية التي تنطلي على بسطاء أبناء الأمة، فيظنون أنها دليل سيادة وحكم (رشيد) في تركيا؟! ولعل هؤلاء المضلَّلين من أبناء المسلمين، يقيسون أردوغان على استبداد السيسي وابن سلمان الواضح، فيرونه قديسًا!!…ولعلهم يفرحون عندما يخرج عليهم بتصريحاته النارية حول فلسطين وسوريا والسعودية، دون أي فعل حقيقي!!، ولعلهم يرَون فيه رائحة العثمانيين والخلافة التي كانت!! لكننا نسألهم مرة أخرى: هل ما يقوله أردوغان ويفعله غيَّر شيئًا من حال الأمة المزري؟؟! هل نصر فلسطين، مثلًا، في شيء خلاف التصريحات؟ هل طبَّق الإسلام في بلده تركيا؟ هل دعا إلى وحدة الأمة كما أوجب الشرع؟ هل منع ظلمًا وقع على مسلم في زوايا العالم؟!… لا، لم يفعل شيئًا من ذلك ولا غيره، سوى الاستمرار في عنترياته الإعلامية المفضوحة.   

ولربما قال قائل دفاعًا عن أردوغان: الرجل أفضل من غيره، ونراه، على الأقل، يندد ويشجب، وأن مسحته إسلامية، وهو بذلك يخدم الإسلام قدر استطاعته. نقول لهؤلاء: كفاكم استخفافًا بعقولكم، فأنتم لم تألفوا مواقف حكام المسلمين الحقيقية، وكيف تكون، فأصبحتم ترون أشباه الحكام أبطالًا!! انظروا في سياسة أردوغان التي يقودها داخليًا وخارجيًا، انظروا في أسس نظامه ومبادىء دولته التي تقوم عليها، وانظروا في علاقاته الدولية وعلى أي أسس تقوم… ولا تنظروا إلى معسول كلامه، وظاهر بعض أفعاله. إن أردوغان يمثل بلدًا وسياسة نظام، ويجب أن تحكموا عليه على هذا الأساس، فإن فعلتم، فستجدون الحقائق الصاعقة التالية عن تركيا، وستعلمون حينها أن أردوغان لاعب سياسي ماهر يضلِّل الأمة خدمةً لأميركا:                                                                     

أولًا: إن حزب العدالة والتنمية التركي الذي يرأسه أردوغان حزب علماني بامتياز، يلبس عباءة الإسلام، والناظر في أدبيات حزبه (وعلى صفحته الإلكترونية) يصل إلى هذه الحقيقة بسهولة. فهو يصف نفسه بأنه «يشكل الأرضية لوحدة وتكامل الجمهورية التركية؛ حيث العلمانية، والديمقراطية، ودولة القانون»، وأنه حزب يعتبر «مبادىء وإصلاحات، أتاتورك العظيم (هادم الخلافة) أهم وسيلة للارتقاء بالرأي العام التركي فوق مستوى الحضارة المعاصرة» وأردوغان هذا لا يكاد يضيع فرصة إلا ويؤكد أن حزبه حزب علماني، بل وأنه حامي العلمانية في تركيا، ويقدم رسوم الطاعة والولاء لصنم عدو الله، مصطفى كمال، هادم الخلافة، لعنه الله. بل بلغ به الأمر أنه ألغى زيارة كانت مقررة في 31-5-2010م إلى الأرجنتين، لأن هذه الأخيرة قررت، في آخر لحظة، إلغاء حفل تدشين نصب تذكاري لوثن مصطفى كمال؟!!.                                               

ثانيًا: على يد حزب العدالة والتنمية، فإن تركيا اليوم بلد لا يطبق الإسلام، وكل قوانينه وتشريعاته غربية بامتياز، وهو مرتع لتيارات الإفساد والتخريب، فالخمور مباحة، وأنشطة الدعارة والعهر مقنَّنة وميسَّرة، والربا منتشر، وكل شيء في أجهزة الدولة يماثل دول أوروبا!!. قال بن علي يلدريم (2014م)، رفيق أردوغان ورئيس وزراء تركيا الأسبق مفتخرًا: «كان هناك مصنعان للخمر في مدينة تكيرداغ قبل أن نحصل على السلطة، لكننا رفعنا العدد إلى 18 مصنعًا»!! وأردوغان هذا، والذي وصفه القرضاوي بـ»السلطان»، يعلن بنفسه أنه «من الضروري الاعتراف بالمثليين وحرياتهم بعد اعترافه بهم رسميًا في 2014م، وصدور أول عدد لمجلة لهم هناك!!.

ثالثًا: حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) يعتبر حليفًا لأميركا في المنطقة، وينفذ سياساتها. والإدارة الأميركية تصف تركيا، بقيادة حزب أردوغان، بالدولة الاستراتيجية. فقد صرح أوباما (8-7-2010م) مدافعًا عن حكومة أردوغان «إن تركيا دولة حليفة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)»، وطالب بإدخالها في الاتحاد الأوروبي، وحمَّل أوروبا مسؤولية اقترابها من العالم الإسلامي، إن هي استمرت في المماطلة في عدم انضمامها إليه. أما ترامب (13-11-2019م) فأكد أن تركيا «تمثل حليفًا رائعًا لمنظمة حلف شمال الأطلسي» مضيفًا (3-12-2019م) أن «أميركا تتمتع بعلاقات كبيرة مع تركيا». وكانت صحيفة يني شفق التركية (30-1-2004م) قد ذكرت أن بوش الابن قرر جعل أردوغان العمود الفقري للمشروع الأميركي في المنطقة، بعد أن أصبح رئيسًا لوزراء تركيا في 2003م، وأنه طلب منه إرسال وعاظًا وأئمة أتراك لدول العالم لينشروا الإسلام «العلماني المعتدل» الذي يؤمن به أردوغان!!. أما ما يحصل ظاهريًا أن تركيا تخالف أميركا، كما بدا في قضية الصواريخ الروسية، وموضوع تدخل تركيا في سوريا، فلا يعدو تضليلًا إعلاميًا، وضغوطًا أميركية على التابع التركي، ولا يغيِّر من واقع أن تركيا في المشهد العام تسير في ركابها.                                                                 رابعًا: إن نظرة أميركا الحقيقية لحكومة أردوغان هي أنها تعتبرها نموذجًا يقتدى به من دول المنطقة، فقادة حزب العدالة والتنمية يعتقدون أنهم يستحقون أن يدخلوا في الاتحاد الأوروبي الصليبي، وأنهم ينتمون إليه، وهذا أقصى أمانيهم، على الرغم من أن الأوروبيين يتمنَّعون، ويضعون العراقيل أمامها؛ لأنهم يريدون لتركيا أن تقدم تنازلات أعظم وأكبر في الابتعاد عن هويتها (الإسلامية)، والتي هي في الأصل علمانية، في كل تشريعاتها وقوانينها، فهل من يرى نفسه أوروبيًا يمكن أن يخدم الإسلام، أو ينصره في شيء؟؟!!. ورحم الله زمان دولة الخلافة العثمانية، التي كانت تدك فيه أسوار فيينَّا، وتلاحق فيه القادة الأوروبيين في عقر دارهم. ومرة أخرى، هل يملك المتسول الذليل على أعتاب أوروبا أي سياسة ورؤية يمكن أن تخدم الأمة الإسلامية؟! إن هذا التهافت المخزي لحزب العدالة التركي (الإسلامي) على أوروبا أدّى إلى تشويه ومسخ الهوية الإسلامية لكل الأحزاب التي تسمي نفسها إسلامية، وهو أمر سيؤدي بالضرورة إلى وضع الأحزاب العلمانية والأحزاب الإسلامية، في نفس البوتقة من وجهة نظر الغرب، ما يؤدي إلى تمييع دور هكذا حركات، وسيقود فيما بعد إلى تفتيتها وتدميرها.

خامسًا: ومن جهة أخرى، فإن حكومة أردغان تولي شطرها نحو البلدان العربية والإسلامية، في محاولة للقيام بدور الزعامة لتلك البلدان. ومن أجل هذه الغاية، يحاول أردوغان الظهور بمظهر القائد القوي والبراغماتي أمام الغرب، فهو من جانب يحاول استقطاب إيران، في محور إقليمي  تركي إيراني يخدم أميركا كما يحصل في سوريا مثلًا، من أجل منع سقوط نظام بشار، وبتعاون وثيق مع الروس الذين يدكُّون سوريا ليل نهار. ومن جانب آخر، يبعث برسالة لأميركا أنه يمكن الاعتماد عليه للقيام بأعمال سياسية عسكرية في المنطقة، كتدخله في ليبيا في مساعدة واضحة لأميركا ضد الوجود الأوروبي هناك. ومن جانب ثالث يقوم أردوغان باستقطاب الجماعات الإسلامية (السنية) (المعتدلة) إلى تركيا،  ليضبطها كما يحصل مع حماس غزة، والإخوان المسلمين في مصر بعد الثورة، وهو يفعل ذلك بإذن من أميركا، من أجل التأثير على دول المنطقة، ومن أجل رفع شعبيته في تركيا والمنطقة، على حد سواء.                                                                         سادسًا: وأما فيما يتعلق بالنقاشات التي تدور عن هوية حزب العدالة والتنمية العثمانية!! و(أجداده) العثمانيين، فأردوغان لا يترك مناسبة رسمية إلا وينفي صلته بماضي تركيا المجيد (دولة الخلافة) مؤكدًا على هويته الأتاتوركية العلمانية، فقد أكد أردوغان (كانون الثاني، 2009م) في كلمة له في جامعة جون هوبكينز الأميركية: «إن حزبنا ليس حزبًا إسلاميًا أبدًا، وليس هناك تيار عثماني جديد داخل الجمهورية التركية» أما المظهر الإسلامي الخارجي لأردغان وزوجته المحجبة، وقراءته للقرآن، وحرسه العثماني الشكل، فهو لا يعدو شكلًا دعائيًا للاستهلاك الشعبي، يساعده في كسب الغالبية من الأتراك المتدينين، من أجل ترويج سياسات حزبه التضليلية، والتي باتت في مهب الريح مؤخرًا، بعد أن بدأ رجال حزبه ينفضون عنه، ويشكِّلون أحزابًا أخرى، وبعد أن بدأ أردوغان يفقد زخمه في الشارع التركي، مع خسارته الأخيرة في مدن حزبه الرئيسية، كأنقرة واسطنبول، لصالح العلمانيين الصريحين هناك، ما يشير إلى وعي أكبر في تركيا تجاه (إسلامية) أردوغان!! وهذا أردوغان نفسه يخبرنا عن إمكانية عودة الخلافة في تركيا، في مقابلة متلفزة له مع تركي الدخيل على قناة العربية (17-2-2017م) فيؤكد أن «تركيا لا تريد أن تصبح خلافة إطلاقًا».

 (انظر:  https://www.youtube.com/watch?v=WC6_3AtRv-E) 

وهكذا تكون (الخلافة) التي تلصق بأردوغان الواجهة التي من خلالها يمرِّر أردوغان سياسات أميركا في المنطقة، بعد أن يراه الناس (صوريًا) صلاح دين جديد، وعربي أكثر من العرب!!. إن أردوغان ليس إنه لا يريد فقط الخلافة، بل ويحارب عودتها، فأجهزته الأمنية المجرمة تلاحق من يعمل لإقامة الخلافة في تركيا وتزجُّ بهم في السجون، يساندها الأجهزة الإعلامية والكتَّاب والمثقفون العلمانيون. كما أنه لا يتورع عن ملاحقة وقتل المسلمين الأكراد، بل ويلاحقهم داخل العراق، فهل هذا صنيع من يريد خلافة تجمع وتحمي المسلمين؟!. إن الخلافة العثمانية التي تلصق بأردوغان وينفيها قولًا وفعلًا، بسياساته العلمانية الصريحة في تركيا، يمكن أن يأتي يوم وتستخدم خدمة للغرب الكافر، فقيام خلافة حقيقية للمسلمين على منهاج النبوة، كما بشرصلى الله عليه وسلم يمكن أن تجابَه بإعلان أردوغان عن خلافة مزيفة، تربك المسلمين وتضلِّلهم!!.

سابعًا: على يد أردوغان، فإن أبناء تركيا  يُسخَّرون ويستخدمون لخدمة أعداء المسلمين، وهم بالآلاف اليوم في أفغانستان، إلى جانب القوات الأميركية، وهم كذلك في سوريا لمنع سقوط نظام بشار الوحشي أمام الثوار، بدل نصرتهم، جنبًا إلى جنب مع الروس المجرمين، وهم أيضًا في قطر والسودان وغيرها؟!. وعلى يد أردوغان، فإن تركيا (لمن لا يدري) مهد لإحدى أكبر القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة (قاعدة إنجرليك) والتي تستعمل للتجسس على المسلمين، والفتك بهم في غير مكان، فأميركا تستعملها بحسب تقرير لمنظمة اتحاد علماء الولايات المتحدة الأميركية (2008م) لتخزين نحو ثلث سلاحها النووي المتوزع على مستوى أوروبا، وقدّرت عددها في القاعدة المذكورة بنحو 90 صاروخًا، ناهيك عن سماح أردوغان لأميركا بنصب الدرع الصاروخي لحلف شمال الأطلسي على الأراضي التركية. فكيف تفسَّر مواقف أردوغان هذه؟؟!!. والجواب ببساطة: أردوغان وحزبه جزء من منظومة الغرب في الحرب على الإسلام، أما تهويشاته الإعلامية فلبسطاء المسلمين. 

ثامنًا: ولعل من أكبر الأدلة على أن أردوغان لا يتحرك في مواقفه السياسية على أساس الإسلام، مثله مثل باقي حكام المسلمين العاجزين، موقفه من مسلمي الإيغور في غرب الصين، الذين يبادون حرفيًا على يد النظام الصيني، والعالم كله يرى ويسمع ويشهد بذلك. فقد مدح أردوغان سياسة الصين تجاههم، أثناء زيارته لها في 2019م، بل إنه صرح أن المسلمين الإيغور «يعيشون بسعادة هناك» وأكد (3-7-2019م) عن استعداده «لتعزيز الثقة السياسية المتبادلة والتعاون الأمني مع الصين للتصدي للتطرف» وهو بذلك يسلمهم للصين التي لا ترقب فيهم إلًّا ولا ذمة!!… نعم هذا هو البطل أردوغان يا مسلمين.

تاسعًا: نختم بأبرز الأفلام السياسية لأردوغان، وهو ما تعلق بـ(إسرائيل). ففي الظاهر يحرص أردوغان أن يطلق التصريحات النارية عن يهود وإجرامهم وسياستهم!! طبعًا دون أي فعل مادي ينصر أو يرفع الظلم عن أحد في فلسطين، أما واقع العلاقة بين البلدين فهي قوية جدًا، لا تؤثر فيها الملاسنات الأردوغانية. ومن أمثلة تلك العلاقة:

  1. معدل التجارة البينية بين الدولة التركية والكيان اليهودي قوية جدًا، فقد كانت تقدر (في 2015م) بـ 4 مليار و370 مليون دولار، بحسب معهد الإحصاء التركي، وارتفعت إلى 6 مليار دولار (في 2019م). قال نتنياهو (6-2-2020م) ساخرًا من أردوغان وتصريحاته الساخنة أنه «اعتاد أن ينعته بهتلر كل 3 ساعات. والآن يفعلها كل 6 ساعات، لكن نحمد الله أن التجارة (بين تركيا وإسرائيل) منتعشة»! وأضاف (6-2-2020م) أن السياحة بين البلدين في أعلى مستوياتها، وأنه «الإسرائيلي الوحيد الذي لا يسافر إلى تركيا».

  2. أردوغان ويهود يعقدان باستمرار صفقات تسلح بمئات الملايين من الدولارات. مثال ذلك ما نقلته القناة العاشرة بالتلفزيون (الإسرائيلي) في 16-2-2010م، استنادًا إلى مصادر تركية أنه «من المنتظر أن يتسلم الجيش التركي، في غضون الأسابيع القليلة القادمة، ست طائرات عسكرية بدون طيار، من إنتاج هيئة الصناعات الجوية (الإسرائيلية)، في صفقة تقدَّر قيمتها بنحو 200 مليون دولار». ومن أبرز الصفقات بين البلدين صفقة أبرمها أردوغان بـ 500 مليون دولار قامت بموجبها (إسرائيل) بتطوير 30 طائرة تركية فانتوم تابعة للسلاح الجوي التركي، وتحديث F – 4 فانتوم تركية وطائرات F – 5 بتكلفة 900 مليون دولار، في تعاون عسكري أمني مكشوف.

  3. أردوغان تركيا يجري مع يهود والأميركان مناورات عسكرية مستمرة، تحت مسميات «مناورات نسر الأناضول» و»مناورات عروس البحر الآمنة» تؤكد التحالف الاستراتيجي الدائم بينهما.

  4. أعطت حكومة أردوغان أراضي على الحدود السورية التركية لشركة (إسرائيلية) لتنظيفها من الألغام، ما يدل على شراكة استراتيجية بين البلدين (صحيفة راديكال التركية، 24-5-2009م).

  5. وأخيرًا وعلى الرغم من مجازر يهود التي لا تنتهي في فلسطين، فإن أردوغان لا يفعل شيئًا سوى التنديد، دون أن نسمعه يقطع علاقة أو حتى يسحب سفيرًا، وحتى إنه أكد بعد مجزرة أسطول الحرية التي قتل فيها تسعة أتراك مدنيين على يد يهود (31-5-2010م) أن «مواصلة العلاقات مع اليهود أولى من قطعها» ولم ينسَ في عز موقفه الغاضب أن يذكر بصداقته بيهود حين قال: «لقد كنا دائمًا على صداقة وتعاون تاريخيين مع شعب إسرائيل والموسويين. من هنا أريد أن أخاطب شعب إسرائيل: نحن كنا دائمًا في وجه اللاسامية، لقد رفعنا صوتنا عاليًا في وجه الظلم الذي وقع على الموسويين، ساهمنا في أن يعيش شعب إسرائيل في سلام، وأمن في الشرق الأوسط.» فأين ذهبت كل التصريحات النارية يا أردوغان من أن تركيا «لن تسكت ولن تقف مكتوفة الأيدي»؟ أم أنه التهويش الإعلامي والاستعراضات الكلامية الفارغة؟؟!!… إن أردوغان ليس لديه مشكلة مع (إسرائيل)، وهو مع حل الدولتين الأميركي المزعوم، وقد حرَّض حماس علنًا على الاعتراف بـ (إسرائيل)!!.

الخلاصة: إن الحقائق السياسية والاقتصادية التي ذكرناها آنفًا عن تركيا أردوغان تظهر بجلاء أن سياسته لا تختلف عن سياسات القيادات المكشوفة في المنطقة، اللهم إلا في صوتها العالي وجعجتها الفارغة، وتخفِّيه بشعارات مضلِّلة زائفة تخدم مصالح أميركا المستعمرة في المنطقة. لقد تحمَّس كثير من أبناء الأمة لأردوغان وتأملوا منه الكثير، على أمل أن يعود لأيام العز القديمة، وأن يشكل قيادة للأمة الإسلامية، ظنًا منهم أنه قائد غيور؛ ولكنه، للأسف، طعن الأمة في ظهرها، كما فعل كل حكام المسلمين، ومال نحو ما يسمى الإسلام العلماني المعتدل، مشروع الغرب ونموذجه للمسلمين!!.

إن أردوغان يتبنى الإسلاموية، مشروع الغرب، ويؤمن بها ويطبقها في بلاده… يؤمن أن الإسلام السياسي مشروع انتهى، بل ويحاربه، فلا دولة خلافة في قاموسه تطبق أنظمة الإسلام وتنصر الدين وتحمل الإسلام للعالم كما فعل أجداده؟؟ بل دولة علمانية في كل تشريعاتها وقوانينها ومؤسساتها، تحاكي دول الغرب الرأسمالي الديمقراطي، ودين فردي يحمله الأفراد إن شاؤوا كسائر الأديان، في عباداتهم وطقوسهم، دين يرضي الغرب بالتأكيد، ويديم سياساته الاستعمارية في بلاد المسلمين، دين ينكر وينفي سياسية الإسلام في المجتمع والدولة، ويقصيه عن الحكم… إن عودة الخلافة الجامعة الواجبة، أعظم أمر يرعب الغرب الكافر، وهو التهديد الوحيد لوجوده اليوم!!

لكننا نقول ما يقوله الله تعالى: ( ۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢ ) .

نسأل الله تعالى أن يتبصر المسلمون أمرهم، وأن يعوا التضليل الذي يمارَس عليهم في الدول التي يحيَون فيها، وأن يجعلهم هذا ينفضون أيديهم من كل الأنظمة المكشوف حالها، والمتنكرة إلى الآن، وأن يعملوا للخلاص الكبير بتغييرها، والعيش في دوحة دولتهم الجامعة، دولة الخلافة، التي تحميهم، وترفعهم، وتعيدهم سادة للدنيا من جديد، إنه سميع مجيب. 

شاهد أيضاً

f6a6b1eee91b881438cb51a2894fbda1_l

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (398)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (398) للمزيد اضغط هنا ربيع الأول 1441هـ – تشرين الثاني/نوفمبر 2019م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *