العدد 400-401 - السنة الرابعة والثلاثون، جمادى الأولى وجمادى الآخرة 1441هـ ، كانون الثاني وشباط 2020م

التعارض بين نظام الحكم الديمقراطي ونظام الحكم في الإسلام

التعارض بين نظام الحكم الديمقراطي ونظام الحكم في الإسلام

 

النظام الديمقراطي يتناقض مع النظام الإسلامي في الأساس والأصول والفروع. وإذا كان هناك تشابه في بعض الفروع فهذا ليس مبررًا للخلط بينهما؛ لأن الديمقراطية كفر والإسلام إيمان. هذا وقد استمرت الدولة الإسلامية تطبق نظام الإسلام ما يزيد على ثلاثة عشر قرنًا ولم تستعمل كلمة الديمقراطية، ولم تستعمل معانيها.

ومع غياب نظام الإسلام، صار الناس يرون نظامًا ديمقراطيًا تقابله أنظمة استبدادية بوليسية مخابراتية، ومن الطبيعي أن يفضل الناس الديمقراطية على الاستبدادية البوليسية. وهذه كلها أنظمة كفر. ونحن حين نرفض الديمقراطية لا يعني أننا نختار الاستبدادية البوليسية الظالمة، بل نختار الإسلام الذي هو رحمة للعالمين من الرحمن الرحيم.

ومن الفروع التي اشتبهت على الناس كون الإسلام يقول باختيار الخليفة عن طريق الانتخاب والبيعة، والديمقراطية تقول باختيار الحاكم عن طريق الانتخاب، كذلك ممثلو الشعب يجري اختيارهم عن طريق صناديق الاقتراع في الإسلام والديمقراطية. وفي الإسلام يوجد شورى وفي الديمقراطية يوجد شورى. وفي الإسلام الأمة تحاسب الحاكم وفي الديمقراطية كذلك. مما جعل قصيري النظر يتوهّمون أن الديمقراطية من الإسلام، أو أن الإسلام ديمقراطي.

وفيما يلي إيجاز لكل من النظامين يوضح التعارض بينهما:

1-  أساس النظام الديمقراطي من وضع البشر؛ فيعطي البشر صلاحية التشريع من دون الله. بينما أساس نظام الحكم في الإسلام من الوحي الإلهي. فهو يجعل التشريع من حق الخالق وحده.

2- نظام الحكم الديمقراطي جمهوري أو ملكي. ويجوز التحول فيه من الملكي إلى الجمهوري أو العكس. بينما نظام الحكم الإسلامي خلافة. وهو نظام ليس فيه وراثة. ولا يجوز التحول من الخلافة إلى النظام الجمهوري أو الملكي.

3- الحكم الديمقراطي يقوم على:

أ- السيادة للشعب. ب- والشعب مصدر السلطات.

وجهاز الحكم في الديمقراطية يتكون من سلطات ثلاث هي التي تسن القوانين وتنفذها، وهي: أ- السلطة التنفيذية (الوزارة). ب- السلطة التشريعية (البرلمان ). ج- السلطة القضائية (القضاء) ويساند هذه السلطات مؤسسات أخرى كالجيش والأمن العام والأمن الداخلي، وأجهزة أخرى.
بينما يقوم الحكم في الإسلام على:

أ- السيادة للشرع وليست للشعب. ب- السلطان للأمة، وهي تُنيب عنها من يطبق الشرع وينفذه.
أما جهاز الحكم في الإسلام فهو:

أ- الخليفة. ب- معاون التفويض. ج- معاون التنفيذ. د- أمارة الجهاد ( وتشرف على شؤون: الجيش، والداخلية والخارجية والصناعة). هـ- الولاة. و- القضاء. ز- مصالح الدولة. ح- مجلس الأمة.

4- بما أن السيادة للشعب، فالشعب هو الذي يسن القوانين، بينما في الإسلام فإن الوحي هو المصدر الوحيد للقوانين، والشعب ينتخب من يطبق عليه الشرع.
5- في النظام الديمقراطي القضاء يكون مدنيًا. بينما في الإسلام يكون القضاء شرعيًا.

6- في النظام الديمقراطي السياسة الخارجية تقوم على احترام الحدود الدولية والمياه الإقليمية؛ لأنها تكريس لاحترام حرية الشعوب في اختيار أنظمتها وقوانينها وحكامها. بينما في ظل نظام الحكم الإسلامي، تكون السياسة الخارجية مرتبطة بالجهاد لنشر الإسلام، فهي تحطم الحدود والحواجز المادية لتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
7- النظام الديمقراطي يكرس التقسيم وتعدد الدويلات أو ما يسمى احترام الاستقلال لتلك الدويلات. بينما نظام الخلافة لايعترف بالحدود المادية، ولا بالاستقلال لبلد إسلامي عن بلد أخر، فالأمة واحدة والجيش واحد، والراية واحدة، والمالية واحدة… إلخ.
8- الأنظمة الديمقراطية تحترم القوميات، والعرقيات، والنعرات الجاهلية وتحييها وتحافظ عليها. بينما نظام الحكم في الإسلام يذيب جميع القوميات والقبليات والأعراق ويصهرها بالإسلام.
9- يتم اختيار الحاكم في الأنظمة الديمقراطية لمدة حكم مؤقتة من 4 إلى 6 سنوات. بينما يتم اختيار الخليفة مدى الحياة مادام قادرًا مستقيمًا.
10- في الديمقراطية يجوز التمرد على الحاكم والتظاهر ورفض طاعته وإعلان العصيان عليه. أما في الإسلام؛ فلا يجوز التمرد والعصيان إلا في حالة واحدة هي حين يأمر الخليفة بكفر بَواح.

11- ينقسم المجتمع في ظل الديمقراطية إلى موالاة ومعارضة. بينما في الإسلام لا ينقسم المجتمع إلى قسمين، بل يقوم الشعب أو مجلس الأمة بمحاسبة الحاكم، وإن استحق العزل شرعًا تتولى محكمة المظالم عزله. فإما الطاعة لولي الأمر مع محاسبته، وإما العزل.
12-  الديمقراطية تجيز لجميع أفراد الشعب التسابق والتنافس للوصول لمنصب الحاكم، بغض النظر عن مؤهلاته أو صفاته الشخصية أو التزامه الديني. حتى لو كان ممثلًا. بينما يشترط الإسلام فيمن يتقدم لهذا المنصب أن يكون رجلا ًوليس امرأة، مسلمًا وليس كافرًا، بالغًا وليس صبيًا، عاقلًا وليس مجنونًا، حرًا وليس عبدًا أو مسيطرًا عليه بما يشبه العبودية، عدلًا وليس فاسقًا، وهناك شروط أفضلية كأن يكون مجتهدًا وغير ذلك.
13- الديمقراطية ليست الشورى، فالديمقراطية طريقة حكم لها كليات وجزئيات، وهي تسيِّر شؤون الحياة كلها حسب وجهة نظر معينة، وهي ليست نابعة من الشرع، فهي ليست حكمًا شرعيًا كالشورى. بينما الشورى في الإسلام ليست طريقة حكم لها كليات وجزئيات، وهي ليست أصلًا من أصول الحكم، بل هي مجرد أخذ الرأي، وأخذ الرأي لايكون ملزمًا في حالات، ويكون ملزمًا في حالات أخرى. والشورى حكم شرعي وليست من وضع البشر كالديمقراطية.
14- الديمقراطية لا تهتم بالمصدر الذي يجب أن تؤخذ منه الأفكار المتعلقة بالعقيدة، ولا الأفكار المتعلقة بالحضارة ولا الأحكام الشرعية. بينما يُلزم الإسلام معتنقيه بأن يأخذوا كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كمصدر للعقيدة وللحضارة وللأحكام الشرعية، قال تعالى: ( وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْ) وقال سبحانه: ( يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ) وقال: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ»؛ لذلك يحرم أخذ أفكار الغرب أو عقيدته الرأسمالية أو حضارته ووجهة نظره.

15- الديمقراطية نابعة من العقيدة الرأسمالية التي تفصل الدين عن الدولة، بل تفصل الدين عن شؤون الحياة كلها، لذا هم يقولون: «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله «. بينما تقوم الدولة الإسلامية على العقيدة الإسلامية التي لا تفصل بين الدين والدولة، ولا بين الدين والحياة، بل هي توجب تسيير الحياة والدولة بأوامر الله ونواهيه، أي بالأحكام الشرعية.
16- في النظام الديمقراطي تسود العلمانية. بينما في نظام الحكم الإسلامي يسود الشرع.
17- الحياة الديمقراطية هي ابنة حضارة تقوم على النفعية البحتة، ولا تقيم وزنًا لغير القيم المادية النفعية. بينما الحضارة الإسلامية تقوم على أساس روحي هو الإيمان بالله تعالى، وجعل الحلال والحرام مقياسًا لجميع الأعمال في الحياة.
18- عند أهل الديمقراطية السعادة هي الحصول على أكبر قدر ممكن من المـِتع الجسدية الزائلة. بينما  عند المسلمين وفي الحضارة الإسلامية ينظر إلى السعادة بأنها الفوز برضوان الله تعالى.
19- في الديمقراطية الحكم للأكثرية، حتى ولو كانت الأكثرية على باطل. والأكثرية قد تكون:

أ- أكثرية الشعب باستفتاء عام.

ب- أكثرية النواب في التصويت على مشروع قانون.

ج- أكثرية الوزراء في وضع مشروع قانون أو تنفيذ سياسة معينة.

د- أكثرية نقابية أو جمعية.

هـ- أكثرية لمنح الثقة للوزارة أو حجبها عنها.

و- جميع قرارات المجالس النيابية والوزارية يلزمها أكثرية لتنفذ.

بينما في الإسلام الحكم للشرع، حتى ولو وقف معه الأقلية مهما صغر حجم الأقلية. وعلى الشكل الآتي:

أ- تنفيذ وتطبيق الحكم الشرعي لا يرجع فيه لرأي الأكثرية.

ب- الرأي الفني، أو رأي أهل الاختصاص والخبرة لا يلزمه أكثرية.

ج- هناك حالة واحدة يؤخذ فيها برأي الأكثرية وهي معرفة الرأي في الإقدام على عمل مباح أو عدم الإقدام عليه، مثل نزول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عند رأي الأكثرية للخروج من المدينة لملاقاة الكفار في معركة أُحُد.

20- الديمقراطية تقدس الحريات.الحريات في المفهوم الغربي ليست تحرير الإنسان من الرق. فالرقيق لم يعد لهم وجود. وهي ليست التحرر من الاستعمار، بل هي التي تستعمر الشعوب، فلا يظن أحد أن الحريات الغربية هي معارضة الاستعمار، بل الحريات عندهم أربع:
أوّلًا: حرية المعتقد أو العقيدة: فيحق للإنسان عندهم أن يعتقد العقيدة التي يريدها دون ضغط أو إكراه ،كما يحق له أن يترك عقيدته ودينه للتحول إلى عقيدة جديدة أو دين جديد، وفي نظرهم يحق للمسلم التحول إلى النصرانية أو اليهودية أو البوذية أو الشيوعية بمنتهى الحرية.
ثانيًا: حرية الرأي: ويجوز في ظل الديمقراطية للفرد أن يحمل أي رأي أو فكر، وأن يقول أي رأي أو فكر، وأن يدعو لأي رأي أو فكر. وأن يعبر عن ذلك بأي أسلوب. وليس للدولة أو للإفراد حق منع أي إنسان من ذلك، بل إن القوانين تسن عندهم لحماية حرية الرأي، وتحمي الآراء التي تخالف الدين أو تتهجم عليه وعلى الأنبياء والرسل كما حصل مع سلمان رشدي (السيئ الذكر) وغيره ممن تناولوا الإسلام والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الغرب.
ثالثًا: حرية التملك: وهي الحرية التي أفرزت النظام الرأسمالي في الاقتصاد، فأوجدت فكرة استعمار الشعوب ونهب خيراتها، وهي تبيح للإنسان أن يمتلك المال بواسطة السرقة المقنّعة، وبواسطة الربا، والاحتكار، والغش، والقمار، والغبن الفاحش، والزنا، واللواط، واستخدام جمال المرأة وأنوثتها للكسب المادي، وبواسطة صناعة الخمر وبيعها.
رابعًا: الحرية الشخصية: وهي في النظام الديمقراطي حرية الانفلات من كل قيد، وحرية التحلل من كل القيم الروحية والخلقية والإنسانية. وهذه الحرية تبيح للشاب والفتاة ممارسة أي سلوك لا أخلاقي على مرأى من الجميع، سرًا وعلانية، وحرية ممارسة الشذوذ الجنسي، وشرب الخمر، وتمرد الشاب أو الفتاة على أولياء أمورهم بحجة الحرية الشخصية. تلك الحرية التي أثمرت مرض الإيدز وغيره من الأمراض التي شاعت عندهم نتيجة هذا الانفلات.
بينما يعتبر الإسلام الحريات بالمفهوم الغربي حرامًا ومخالفًا للشرع. فالحرية في المفهوم الإسلامي لا وجود لها إلا في الانعتاق من العبودية للبشر والتي هي الرِّق الذي لم يعد موجودًا؛ لذلك فحيثما ذكرت الآن فإنها لاتعني سوى الحريات الغربية. والمسلم يفخر بعبوديته لله تعالى، وهي أكرم صفة يتصف بها المسلم، ومن كمال العبودية أن يطيع العبد أوامر المعبود. وموقف الإسلام من حرياتهم هو:
أوّلًا: حرية المعتقد: لايجوز للمسلم أن يتحول إلى دين أخر قال صلى الله عليه وسلم: «من بدّل دينه فاقتلوه» سواء أكان المرتد فردًا أم جماعة.

ثانيًا: حرية الرأي: فالرأي في الإسلام مقيّد بالأحكام الشرعية وليس حرًا فهو إما:
أ- رأيٌ حرام قوله: كالغيبة، والنميمة، وقذف المحصنات، ومهاجمة الإسلام والطعن فيه.
ب- أو رأيٌ فرض قوله: مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام.
ج- أو رأيٌ مباح لك فيه أن تقول خيرًا أو أن تصمت.

ثالثًا: حرية التملك: فالتملك في الإسلام مقيد بالشرع فلا يجوز للإنسان أن يتملك كما يشاء، بطريق الحلال أو بطريق الحرام. وله أن يتملك بأسباب التملك الشرعية كالعمل (بكل فروعه كالتجارة والصناعة والزراعة والخدمات)، والإرث، والهبة، والوصية.
رابعًا: الحرية الشخصية: فالإسلام حرّم الانفلات من العقال الذي يسمى الحرية الشخصية، فالشخص ليس حرًا في أن يؤذي نفسه أو ينهي حياته بالانتحار، أو أن يقترف الزنا واللواط تحت ذريعة الحرية الشخصية، أو أن يتهرب من الإنفاق على والديه العاجزين تحت ذريعة الحرية الشخصية، أو أن يخرج الفتى والفتاة مع عشيقته أو عشيقها بحجة الحرية الشخصية، والإسلام لا يجيز للشاب أن يتحرش بالفتاة في الشارع أو أن يُسمعها كلامًا منافيًا للحشمة والوقار، ولا أن يقبّل زوجته على مرأى من جمهور الناس.

بعد هذا العرض الموجز، فعن أيّ ديمقراطية بعد ذلك كله يتحدّثون؟!. وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ: إن الديمقراطية من الإسلام! بل وصل الحال ببعضهم إلى القول: إن الديمقراطية بضاعتنا التي رُدّت إلينا!. إنها جرأة على دين الله وتلبيس على الحق. وصدق الله تعالى إذ يقول في محكم تنزيله: ( وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ) .

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *