العدد 399 - السنة الرابعة والثلاثون، ربيع الثاني 1441 الموافق كانون الأول 2019م

إقامة أحزاب سياسية مبدؤها الإسلام فرض من الله تعالى على المسلمين (1)

إقامة أحزاب سياسية مبدؤها الإسلام فرض من الله تعالى على المسلمين (1)

سليمان المهاجري – اليمن

 غياب حكم وجوب وجود أحزاب إسلامية لدى المسلمين:

إنه لو كان الإسلام دينًا فرديًا لما تطلب أن يكون فيه جماعات ولا أحزاب سياسية، ولاكتفى المسلمون بالقيام بأحكامه كل في خاصة نفسه، فيصوم من يصوم بشكل فردي، ويحج من يحج بشكل فردي، وإن كان الحج يتطلب قيام المسلمين به مجتمعين. أو يصلي من يصلي كأفراد، وإن فرضت فيه الصلاة كجماعة ولكن تبقى ضمن نطاق القيام بها كصلاة لا تتعداها إلى غيرها… ولكن الإسلام دين مبدئي، عقيدته سياسية تنبثق عنها كل أنظمة الحياة، والتي بها تتحدد كل علاقات الإنسان: علاقته مع ربه وعلاقته مع نفسه، وعلاقته مع غيره؛ لذلك فرض الإسلام على المسلمين إقامة دولة إسلامية تنتظم من خلالها هذه العلاقات، وأناط الشرع تطبيق كثير من أحكامه بها؛ بحيث إن وجدت هذه الدولة نفذت وإن لم توجد الدولة تعطلت، فيكون على المسلمين وجوب إيجادها حتى تكون هذه الأحكام منفذة ولا تبقى معطلة. فمبدئية الإسلام تستلزم وجود دولة، والله قد أمر بها، والرسول قد حققها، ولا يمكن تصور تطبيق الإسلام ككل من غير وجود دولة، وبالتالي لا يمكن وجود دولة من غير وجود جماعات أو أحزاب سياسية تعمل على إيجاد هذه الدولة. من هنا صار وجود جماعات إسلامية سياسية واجبًا من باب (ما لا يتم الواجب إلا له فهو واجب).

ولكن، بعد أن لعبت المفاهيم المدسوسة دورًا في تغييب أحكام الإسلام، صار لا بد، واضطرارًا، من توضيح الواضح. ومن جملة ذلك، حكم الإسلام في وجوب إقامة أحزاب سياسية تعمل على إيجاد الدولة إن فقدت، وعلى محاسبتها إن وجدت. فوجود الأحزاب السياسية هو من الأحكام الشرعية الواجبة، والتي يجب أن لا تخلو منها الأمة سواء في حال وجود الدولة الإسلامية، أو في حال عدم وجودها، وعليه، فإن الأحكام الشرعية المتعلقة بالدولة الإسلامية وبالأحزاب السياسية هي أحكام متعلقة بالطريقة الشرعية المسؤولة عن إقامة الدين والحفاظ عليه ونشره، وهذا ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم،فهو في مكة تركزت دعوته فيها لإقامة الدولة مع تكتل الصحابة y، وهو في المدينة كان، بالإضافة إلى كونه رسولًا ومبلغًا، كان قائد دولة.

غياب هذا المفهوم لدى العلماء:

هذا المفهوم الشرعي الذي يجب أن يكون عند المسلمين مفهومًا منتشرًا بينهم، ولا يحتاج إلى سرد أدلة له ليدرك وجوده، أصبح مفهومًا غائبًا عندهم، وحتى عند من يسمون أنفسهم علماء، والسبب في ذلك هو خضوع هؤلاء العلماء لبرامج التعليم التي وضعها الغرب لمعاهد التعليم الشرعية، وفرض تعلمها عليهم، فصارت صناعة هؤلاء العلماء بحسب هذه المعاهد الشرعية صناعة غربية تقوم على فصل الدين عن الحياة، وظهرت بأشكال مختلفة، فمنهم من كان تابعًا لجماعات وتوجهات فكرية معينة، ومنهم من كان طابعه فرديًا غير تابع.

أما الصنف الأول: فمنهم السلفيون وما تبنَّوه من فصل بين السياسة والدين، إذ جعلوا الحكم لآل سعود، والدين (أحكام العبادات والطلاق والزواج والمواريث…) لآل الشيخ. ومنهم الإخوان المسلمون وما تبنَّوه من أن هناك أحكامًا عفا الشرع عنها، أي تركها للمسلمين من غير أن يتدخل بها، وهذه الأحكام المعفو عنها، أي المسكوت عنها، تشكل حوالى 90% من الإسلام، وهذه تقع ضمن دائرة المباحات التي يباح لنا أخذها من خارج الإسلام، ونتوخى فيها ما تراه عقولنا من مصلحة. وبحسب هذا الفهم المغلوط، لا يبقى إلا حوالى 10% للعبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج… وأحكام ما يسمى بالأحوال الشخصية، كأحكام المواريث والزواج والطلاق… ومنهم من يدعو إلى فضائل الأعمال  فحسب، وكأن ما عداها ليس من الإسلام. ومنهم آلاف الجمعيات التي اهتمت بجوانب جزئية من الإسلام كالجمعيات الخيرية والأخلاقية. ومنهم من يسمون بالصوفيين الذين يبتعدون عن السياسة ابتعادًا كليًا لدرجة أن مركز راند الأميركي للأبحاث اقترح تبني توجههم ونصح بالعمل على نشر فكرهم بين المسلمين؛ وذلك ليضمن ابتعاد المسلمين عن السياسة.

 أما الصنف الثاني: فهم العلماء الذين تخرجوا من المعاهد الشرعية وكانوا مستقلين فلم يلتحقوا بأي من الجماعات، ولم ينحازوا إلى أي من التوجهات الفكرية الإسلامية، فقد اكتفوا بالفتوى بالأمور الفردية وضمن النطاق المرسوم لهم مما تعلموه في المعاهد الشرعية، وهؤلاء تم ربطهم بدوائر الأوقاف الرسمية التي تمنع عليهم الاشتغال بالسياسة، وأفقرتهم بأن جعلت رواتبهم زهيدة جدًا لا تكفيهم، ما جعل قسمًا لا بأس به منهم، وللأسف تابعين في الأمور السياسية لزعماء سياسيين، وكان تصرفهم هذا وكأنه إقرار ضمني منهم أن السياسة ليست من الدين. وهكذا انتشر هذا المفهوم الخاطئ لدى المسلمين عامة، وعلمائهم خاصة، إلا من رحم ربي، وأصبح الاهتمام اهتمامًا ببعض أمور المسلمين وليس اهتمامًا بكل أمر المسلمين.

غياب مفهوم الدولة الإسلامية يكرس هيمنة الغرب على بلاد المسلمين:   

 ومن دلائل غياب هذا المفهوم الشرعي عن أذهان المسلمين هو ما تردد لدى عمومهم من القول أن: (لا أحزاب في الإسلام) و(قاتل الله الأحزاب) والأنكى من ذلك هو نسبة هذه الأقوال زورًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وانتشار هذا المفهوم المغلوط والمدسوس بين المسلمين كان له أبعد الأثر عليهم في تركيز الأوضاع التي أوجدها الغرب المستعمر لبلادنا ليبقي على استعماره لها؛ إذ بهذا المفهوم يمكنه أن يطمئن إلى أنه لن تقوم قائمة المسلمين مرة أخرى. فكيف يمكن طرده من بلادنا وكف شره عنا بغير العمل الجماعي الحزبي الذي يستطيع بالعمل بين الناس تغيير أنظمة الدول القائمة في بلاد المسلمين، والتي تحكم بغير ما أنزل الله، فضلًا عن عمالتها وولائها لدول الغرب الرأسمالي النصراني الكافر الذي يحرمه الإسلام تحريمًا قاطعًا، لقوله تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ) فضلًا عن وجود العشرات من الآيات الكريمة وأكثر منها من الأحاديث الشريفة التي تجعل الولاء لغير الله تعالى من المحرمات التي قد تخرج عن الدين. فهذه الأحزاب الشرعية أناط بها الشرع إقامة دولة الإسلام، وفرض عليها الالتزام بالسير بحسب طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تستطيع أن تقيم الدولة الإسلامية كما أقامها الرسول الكريم، وتكون دولة خلافة راشدة. ويتساءل المسلم منا: كيف يمكن للمسلمين أن يقوموا بنشر الإسلام والقيام بالجهاد وإدخال الناس في دين الله أفواجًا كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم من غير دولة. والدولة، كيف يمكن إقامتها من غير أحزاب إسلامية سياسية. إن الأمر واضح ولا يحتاج إلى كثير بحث حتى يدرك، فهو مطلوب شرعًا وعقلًا

أثر هذا المفهوم المغلوط على واقع المسلمين:

إنه من المعلوم الملموس أن المسلمين يحبون دينهم كثيرًا، ويصل حبهم له إلى أن يكون قبل حبهم لأنفسهم؛ ولكن للأسف على هذه الطريقة المغلوطة التي ذكرناها آنفًا، مما جعلها محبة غير فاعلة وغير مؤثرة ولا يمكننا التغيير بها، هذه الطريقة المغلوطة تجعل المسلمين يتألمون عند كل حدث من غير أن يمكنهم التغيير، تجعلهم يعبرون عن رفضهم لما يحدث للمسلمين ويتظاهرون ولكن فقط من باب التنفيس. وهذا الأمر في غاية السلبية في الوقوف في وجه ما يحاك للمسلمين، ولكنه يملك إيجابية واحدة وهي أن المسلمين في كل حالة يقهرون بها ولا يستطيعون التغيير بواسطتها تجعل مشاعر السخط والغضب لديهم تتجمع وتتراكم؛ ما يؤدي إلى توحدهم؛ ولكن، وللأسف، على مشاعر الإحباط، فتصبح لديهم الرغبة الجامحة بالتغيير، ولأنهم لا يملكون التصور الشرعي الصحيح له؛ لذلك نراهم يقولون بالمهدي، ونسمع من بعضهم أنهم يحسون بأن النصر قادم وقريب، ولكن ليس عن عمل منهم وإنما عن تدخل من الله سبحانه؛ حتى إن ما نراه اليوم من قيام أعمال تدعو إلى التغيير من مثل ما قام عليه تنظيم الدولة من دعوى تغيير الأنظمة القائمة وتوحيد بلاد المسلمين في دولة واحدة هي دولة الخلافة، أو ما تقوم به جماعات مسلحة من أجل تغيير الأنظمة في بلادها… هذا وغيره إن هو إلا ردات فعل للمسلمين على أوضاع قائمة ظالمة، وتفريغ لطاقاتهم؛ ولكن ليس بالشكل المنضبط شرعًا… وهذا كله يشي بمحبة فائقة للدين عندهم؛ ولكن بغير علم. وبهذا نرى أن شيوع فكرة أن لا أحزاب في الإسلام هي فكرة قاتلة معوقة يعمل الغرب على زرعها بين المسلمين حتى لا ينخرطوا في عملية التغيير بل ومقاومتها.

إن بيان وجوب العمل في جماعة لإقامة حكم الله هو بيان لحكم شرعي مفصلي هو بغاية الأهمية في عملية التغيير،…

 الأدلة الشرعية التي يتذرع علماء اليوم لتحريم وجود أحزاب إسلامية:

ذكرنا أن قد تردد لدى عموم المسلمين القول بأن: (لا أحزاب في الإسلام) و(قاتل الله الأحزاب). أما العلماء بدورهم فقد كان لهم رأيهم واستشهادهم بآيات من القرآن استشهادًا مغلوطًا ليرفضوا وجود الأحزاب في الإسلام، وهو استشهاد ينم عن جهل بالإسلام، فقد استشهدوا بقوله تعالى: ( إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ) وبقوله تعالى: (مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۢ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ) وبقوله تعالى: ( وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) وفسروها على أنها ذم من الله سبحانه لإقامة أحزاب سياسية مبدؤها الإسلام.

 وهذا الجهل مرده إلى أن العلماء قد تمت صياغة عقلياتهم في المعاهد الشرعية التي تخرجوا منها على اعتبار الإسلام أنه دين فردي، وبالتالي لا يعني تغيير الواقع وإقامة حكم الله بعمل جماعي لهم شيئًا. وهذا الموقف من العلماء يمكن القول فيه أنه فضلًا عن الجهل، هو سير العلماء في فتاواهم مع الواقع وليس تغيير الواقع…

ولا يخفى عليكم أيها الأعزاء من هم المقصودون بهذه الآيات ، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا ، فكل حزب بما لديهم فرحون ، وإلا ، فتعالوا نستمع لما قاله السعدي في تفسير الآية الأولى :

فقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) قال السعدي في تفسيرها: «

«يتوعد تعالى الذين فرقوا دينهم، أي: شتتوه وتفرقوا فيه، وكلٌّ أخذ لنفسه نصيبًا من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئًا، كاليهودية والنصرانية والمجوسية. أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئًا ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة من أهل البدع والضلال والمفرقين للأُمة. ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية. وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال: ( لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ ) أي لست منهم وليسوا منك، لأنهم خالفوك وعاندوك.

(إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ) يردون إليه فيجازيهم بأعمالهم (ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ).

وقال البغوي في تفسير الآية الثانية

 (مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۢ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ) «من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا أي: صاروا فرقًا مختلفة وهم اليهود والنصارى».

وقال الطبري في تفسير الآية الثالثة ( وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الذي وصاكم به ربكم، أيها الناس، في هاتين الآيتين من قوله: (قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ ) وأمركم بالوفاء به، هو «صراطه» يعني: طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده. ( مُسۡتَقِيمٗا) يعني: قويمًا لا اعوجاج به عن الحق ( فَٱتَّبِعُوهُۖ ) يقول: فاعملوا به واجعلوه لأنفسكم منهاجًا تسلكونه، (فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ) يقول: ولا تسلكوا طريقًا سواه، ولا تركبوا منهجًا غيره، ولا تبغوا دينًا خلافه، من اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل، فإنها بدع وضلالات (فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ). يقول: فيشتّت بكم، إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل ولا طرق ولا أديان، اتباعُكم إياها «عن سبيله» يعني: عن طريقه ودينه الذي شرعه لكم وارتضاه، وهو الإسلام الذي وصّى به الأنبياء، وأمر به الأمم قبلكم

(ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ) يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصاكم به ربكم من قوله لكم :

 (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ) وصاكم به(لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) يقول: لتتقوا الله في أنفسكم فلا تهلكوها، وتحذروا ربكم فيها فلا تسخطوه عليها، فيحل بكم نقمته وعذابه».

بهذا التنوع في أقوال المفسرين، تتضح وحدة المعنى عند جميع المفسرين مع اختلاف ألفاظهم، فما أراده الله سبحانه هو ذم اليهود والنصارى والمجوس وأهل البدع والضلال ومن في حكمهم في فهمهم ونهجهم، ومنه يتضح أن تفسير هذه الآيات لا يعني مطلقًا ذم إقامة أحزاب سياسية مبدؤها الإسلام.

وهنا لابد من لفتة معلومة أيضًا من الدين بالضرورة، كي لا نترك مجالًا لأي لبس لدى القارئ فيما نقول. فالاجتهاد في الإسلام تعريفًا هو بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من النصوص الظنية الدلالة؛ حيث لا اجتهاد فيما هو قطعي الدلالة، ولا مجال هنا لذكر شروط الاجتهاد وما إلى ذلك.

والاجتهاد في مضمون النصوص الشرعية مِنةٌ من الله سبحانه تضمن حيوية هذا الدين الحنيف ومواكبة تطور الحياة بشكل منضبط بالشروط الشرعية.

ولأن المجتهدين متفاوتون في طرق استنباطهم وفي فهمهم للنصوص الظنية الدلالة. فقد صدر عنهم استنباطات للأحكام الشرعية وصلت حد التناقض فيما بينهم، وهذا طبيعي، وهذه سعة في الإسلام؛

ولكن ذلك لم يكن في يوم من الأيام وعبر تاريخ المسلمين مدعاة للفرقة والتناحر والتباغض بين هؤلاء المجتهدين، ولا بين أتباع ومقلدي مذاهبهم، بل كان من باب السعة في الدين أرادها الله سبحانه لعدم التضييق على المسلمين. ومنه كان التعدد الحزبي السياسي في الإسلام؛ لتعدد طرق الاستنباط لدى كل حزب؛ إلا أنها أحزاب أبعد ما تكون عن التناحر والتباغض فيما بينها، وهذا على الأقل ما يجب أن يكون في شرعنا الحنيف. فُجُلُّ من أدلى بدلوه في الاجتهاد يقول : «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيُ غيري خطأ يحتمل الصواب».

نعم، إن تغيير مفاهيم الإسلام الصحيحة بمفاهيم مدسوسة مشبوهة هو افتراء على الله. والله سبحانه وتعالى يقول: (قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ) ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَكذِبوا عليَّ ، فإنه مَن كذَب عليَّ فلْيَلِجِ النارَ» أخرجه البخاري. وبهذا لا يخفى على القارئ مدى الجرأة على الله ورسوله في تفسيراتهم المشبوهة المكذوبة تلك التي أراد لهم الغرب، وعاونهم في ذلك علماء المسلمين، يعرف ذلك من يعرف، ويجهاه من يجهله، والكل آثم في ذلك، وبهذا يحقق الغرب لنفسه تغييب مفاهيم الإسلام الصحيحة، ضرب مفاهيم الإسلام بالإسلام نفسه، ويتم بها تعويق نهضة المسلمين، ويتم استمرار الغرب باستمرار استعماره لهم. ولأن مقتلهم يكمن في وحدة المسلمين واجتماعهم.

إن عدو الغرب الأول هم من يطرحون الإسلام طرحًا سياسيًا، ويتبنى محاربتهم تحت مسمى محاربة الإرهاب، وأمثال هؤلاء العلماء يسيرون مع الغرب من غير ما قصد فيما يريد من إبعاد الإسلام السياسي، وحصر تعاليم الإسلام ضمن نطاق العبادات الفردية التي لا تخص أحكام عبادات الجماعة في شيء، ويحرضون المسلم على الاهتمام بخاصة نفسه فقط، وأن يتجنب تشكيل أحزاب سياسية مبدؤها الإسلام، أو حتى الانخراط بصفوف ما هو قائم منها، وتراهم يلبسون على المسلمين مفاهيم الإسلام بمثل قولهم، كيف تريدون أن تقيموا دولة الإسلام، أو أن تحرروا بلاد المسلمين، وتقضوا على رجس يهود والمسلمون لا يصلون الصبح في جماعة، أو أنهم يهملون السنن، أو أن أخلاقهم صارت سيئة… وبهذا يأتون بأحكام العبادات الفردية في الإسلام على أنها حلول لأزمات الأمة، ويبعدون المسلمين عن أحكام العبادات الجماعية التي تختص بالحلول الشرعية لأزمات الأمة، وما ذلك إلا من باب تغييب المسلم عن ثوابت دينه. ولا شك بأن هذه الدعوات الباطلة تبقي المسلمين مشرذمين أشتاتًا متفرقين، بلا دولة خلافة راشدة على منهاج النبوة تحمي بيضتهم وتطبق شرع الله عليهم في كل مناحي الحياة.

هذا ولا يخفى ما في هذه الطروحات من دعوة إلى فرقة وضعف وانكسار وانقياد  الأمة لأعداء الأمة وإغضاب لرب العباد. وهنا يتساءل الواحد منا: كيف يستقيم أن تكون إقامة أحزاب سياسية إسلامية تقوم على شرع الله، وتدعو إلى إقامة شرعه بإقامة دولة الخلافة تفرقة بين المسلمين؟! وما هذا التناقض؟!.

إن إقامة أحزاب سياسية إسلامية فرض من الله سبحانه وتعالى على المسلمين. وهو كفرض لا يختلف عن فرض الجهاد أو إقامة الصلاة أو إيتاء الزكاة، ولا بد من بحث هذا الموضوع بحثًا شرعيًا يؤدي إلى تبنيه والعمل به لإرضاء الله بإقامة شرعه، ونشر دينه، وإعلاء كلمته.

إن لفظ (حزب) في اللغة العربية هو من الألفاظ المشتركة، أي لها أكثر من معنى.

فمن معانيه: الوِرد، والسلاح، والطائفة. والحزب: الفريق، قال تعالى:( ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا).وحزب الرجل: جنده. وحزب الرجل: أنصاره ومن يواليهِ. وحزب الرجل: أصحابه الذين على رأيه. والحزب هو الجماعة تجتمع لرأي واحد وغاية محددة…

على أن الله سبحانه مدح أحزابًا وذم أحزابًا أخرى. ففي مدح الأحزاب قال عنهم : (هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ) و (هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ). قال تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ). وقال تعالى: ) لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ
ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ).وفي ذم الأحزاب المذمومة قال عنهم: (هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ) و(مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ).قال تعالى:

(ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ). وقال تعالى: ( إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ). لقد جاء مدح الله سبحانه لأحزاب معينة معلومة بأهدافها وعلى الشكل الموصوف، هو طلب جازم لفعله، وذمه هو طلب جازم لتركه؛ وعليه يكون الله سبحانه قد طلب من المسلمين إقامة أحزاب بعينها (تتولى الله ورسوله والذين آمنوا، لا يوادون من حاد الله ورسوله) ونهاهم عن إقامة أحزاب بعينها (تتولى الشيطان).

كذلك، فإن لفظة (أمة) هي من الألفاظ المشتركة. فمن معاني (الأمة) : الطريقة، والشرعة، والدين، والنعمة، والهيئة، والشأن، والسنة، والجنس، والجيل… والأمة: الرجل الجامع للخير، ومن هو على الحق مخالف لسائر الأديان (إن إبراهيم كان أمة). والأمة: جماعة أرسل لهم رسول، لذلك قلنا : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ) ومنها قولنا أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأمة الرجل: قومه. والأمة: الجماعة. ومن مقارنة المعاني يتبين لنا أن (الأمة) تعني الحزب. وهذا ما عناه ربنا سبحانه وتعالى بقوله: ( وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ). . وفي هذه الآية الكريمة طلب الله سبحانه وتعالى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم طلبًا جازمًا أن يكون منهم جماعة سياسيون منتظمون في أحزاب سياسية مبدؤها الإسلام لتقام على يدهم دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في حال غيابها، ولتحكم الأرض بأحكام الشرع الإسلامي، ولتطبق الإسلام كاملًا في جميع مناحي الحياة، ولحمله رسالة خير للبشرية بالدعوة والجهاد.

ولو أردنا أن نبسط فهم الآية فنقول:

(اللام) في (ولتكن) هي لام الأمر، و(ولتكن) تعتبر من أبلغ صيغ الوجوب في العربية، وهي أصرح في الأمر من صيغة افعلوا الأصلية، وهي طلب فعل جازم بقرينة (وأولئك هم المفلحون)

و (من) في (منكم) للتبعيض، أي بعضكم، لأن الأمة كلها بأطفالها وشيوخها وضعافها ومعتوهيها لا تصلح لهذه المهمة السامية، وإنما يصلح لها من يجيدها ويحسنها بأن تكون عنده القدرة العقلية والعلمية، والنفسية والخلقية لأدائها.

و (أمة) جماعة على رأي شرعي واحد، أي حزب، فهم جماعة اجتمعوا على رأي شرعي واحد مستنبط بالاجتهاد من النصوص الظنية الدلالة من كتاب الله وسنة رسوله صلوات ربي عليه وسلامه، لغاية محددة، سنبين عملها أدناه.

و (يدعون) أي ينتصبون للقيام بأمر الله في الدعوة.

و(الخير) هو «اتباع القرآن وسنتي» كما أورد ابن مردويه عن رسول الله صلوات ربي عليه وسلامه. و(الخير) اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه. و(الخير) هو الإسلام وما أتى به من تشريع، كنظام الحكم الإسلامي الذي يتمثل في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، كما وردنا عن سيد الخلق عليه صلوات ربي وسلامه، فيما أورده البخاري في صحيحه: «قاعدتُ أبا هريرةَ خمسَ سنينَ، فسمعتُه يُحدِّث عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: «كانت بنو إسرائيلَ تسوسهم الأنبياءُ، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ، وإنه لا نبيَّ بعدي، وسيكون خلفاءٌ فيكثرون». قالوا: فما تأمرُنا؟ قال: «فُوا ببيعةِ الأولِ فالأولِ، أعطوهم حقَّهم، فإنَّ اللهَ سائلُهم عما استرعاهُم» أخرجه البخاري. هذا وقد يبين لنا صلى الله عليه وسلم أن نظام الحكم في الإسلام من بعده هو نظام الخلافة الفريد الذي لا يشبهه أي نظام آخر من صنع البشر في الأرض. أو قوله صلى الله عليه وسلم: «تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ إذا شاء أن يرفعها ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ فتكون ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها إذا شاء اللهُ أن يرفعها. ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ النُبُوَّةٍ. ثم سكت» أخرجه أحمد.

وهنا يستقيم المعنى، أي: لتبذل طائفة منكم جهدها في تبليغ شرع الله، وفي دعوة الناس إلى الخير،

ونستدل من هذا التبعيض.

وعلى هذا فقد اشتملت الآية الكريمة على طلبين:

أحدهما: وجه إلى الأمة كلها يطالبها بأن تعد من بينها جماعات لهذه المهمة السامية وهي دعوة الناس إلى الخير، على أن تكون مزودة لهذه المهمة بكل ما يمكِّنها من أداء مهمتها.

وثانيهما: موجه إلى تلك الطائفة الصالحة لهذه المهمة، بأن تخلص فيها، وتؤديها على الوجه الأكمل الذي يرضى الله سبحانه

و (ويأمرون) و (وينهون) أي يأمرون الناس وينهون الناس، وما أولئك الآمرون والناهون إلا السياسيون، لأن السياسة في الإسلام تعريفًا هي رعاية الشؤون، وهي من ساس يسوس وسائس وسياسي (فسائس الخيل من يرعى شؤونها) بينما السياسة عند غير المسلمين هي فن المكر والخداع، وفن المراوغة والكذب، تقوم على الذرائعية، والأهداف تبرر الأساليب.

نعم السياسة في الإسلام هي رعاية الشؤون، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، كل في مجاله، فالمرأة في بيتها راعية، وأما في مجال عمل هذه الطائفة المقصودة في هذه الآية الكريمة فهو رعاية شؤون الأمة الإسلامية قاطبة بشرع الله، به يأمرون الناس وبه ينهونهم.

فبعد أن أمرهم الله سبحانه بتكميل أنفسهم عن طريق خشيته وتقواه والاعتصام بدينه، عقب ذلك بأمرهم بالعمل على تكميل غيرهم وإصلاح شأنهم عن طريق دعوتهم إلى الخير وإبعادهم عن الشر.

والمراد بـ (المعروف) هو كل حسن حسَّنه الشرع، وبـ (المنكر) ضد ذلك مما هو قبحه الشرع.

والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات، لأنه لا يصلح له إلا من عَلِمَ المعروف وعلم المنكر، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشره، فربما نهى الجاهل عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب آخر فنهى عن غير منكر، وقد يَغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديًا، أو على من الإنكار عليه عبث، لذلك كان أفراد هذا الأحزاب المقصودة مميزون بالكفاءة.

لقد تم تناول الموضوع من كتاب الله وحده، وسنكمل بالتعرف على المعنى نفسه من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طبق هذه الآية مع تكتل الصحابة الكرام.                    (يتبع)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *