العدد 386 - السنة الثالثة والثلاثون – ربيع الأول 1440هـ -ت2 \نوفمبر 2018م

الأصول غير المعتبرة شرعًا (1)

الأصول غير المعتبرة شرعًا (1)

حمد طبيب – بيت المقدس

إن من أكبر النعم التي أنعم الله عز وجل بها على هذه الأمة الكريمة أن حفظ لها دينها من التحريف والضياع والكذب والتدليس؛ فحفظ كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ٩وكلمة الذكر هنا لا تنحصر في القرآن فحسب؛ بل في القرآن الكريم والسنة المطهرة التي بيَّنت ووضَّحت وفسَّرت آيات القرآن… وهذا من حفظ علوم القرآن، ومن بيان معانيه، قال تعالى: ﴿…وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ. يقول الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله في كتاب “الإحكام في أصول الأحكام”: (ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة أن كل وحي نزل من الله عز وجل فهو ذكر منزل… فالوحي كله محفوظ بحفظ الله عز وجل له بيقين…).

وهذا بعكس الأديان الأخرى، كاليهودية والنصرانية؛ حيث تفرقوا في أصول الدين؛ بسبب عدم التأكد والتيقُّن في الأخذ عن الأشخاص، وبسبب انقطاع السند، وعدم وجود القطع واليقين في عملية النقل؛ فأصبحت الأصول عندهم؛ (في العقيدة والشريعة) مشكوكًا فيها، من ناحية القطع باتصالها بالوحي (بالله عز وجل)، قال تعالى في وصف تحريفاتهم في أصول الدين، وفرقتهم بسبب هذه التحريفات: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ١٥٩﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِ‍ُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ٣٠﴾.

وقد تميَّزت هذه الأمة (أمة الإسلام) بعلم السند الذي يصل الرواية (المتن) إلى منتهاه؛ أي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وهي ما تسمى (بسلسلة الرواة)، واتَّصفت كذلك وتميَّزت – عن باقي الأمم – بعلم الرجال الذي يصنّف الرواة، ويميِّز الصادق من الكاذب منهم، واتصفت بالشرح والبيان وكثرة العلوم التي تتفرع من علم الكتاب والسنة النبوية… وهذا بعكس اليهود والنصارى الذين أضاعوا دينهم وحرَّفوه، وأصبح عبارة عن خرافات بشرية – في أغلبه – لا تستند إلى نص صحيح، وتتناقض فيما بينها حتى في الإنجيل الواحد أو التوراة..

إن من أعظم العلوم التي تخدم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (الشريعة) هو علم الأصول – سواء أكان في موضوع الإيمان والاعتقاد، أم في الأحكام الشرعية العملية (أصول الفقه) – الذي بيَّن القواعد والأدلة المعتبرة شرعًا لطريقة أخذ العقيدة بشكل يقيني لا يخالجه شك، ولما يبنى عليه علم الفقه في أحكام الشريعة، وطريقة الاستنباط والاستدلال والقياس الصحيحة، بناءً على هذه القواعد والأدلة؛ وذلك من خلال محاكمة الدليل، وفهمه فهمًا صحيحًا… ولقد قام علماء السلف الصالح بجهود عظيمة لبيان هذا العلم، وتفصيل أحكامه؛ تمامًا كما قاموا ببيان كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ووضع التفاسير والشروح لها من باب أن هذا العلم هو الحارس وصمَّام الأمان لكل علوم القرآن والسنة… وأول من صنف في هذا العلم – كما ذكر ابن خلدون وغيره – هو الإمام أبو حنيفة رحمه الله؛ في كتاب سماه “الرأي”؛ لكنه لم يدوَّن، أما أول من صنف كتابًا مدوَّنًا بعد أبي حنيفة؛ فهو الإمام الشافعي رحمه الله في بحث سماه “الرسالة”، ثم تتابعت البحوث في هذا المضمار العظيم؛ في كل عصر من عصور الإسلام المتصلة؛ فوضع الإمام ابن قدامة المقدسي كتابًا سمَّاه “روضة الناظر”، ووضع الإمام ابن القيم الدمشقي كتابًا سماه “إعلام الموقعين”، والإمام الشوكاني كتابًا سماه “إرشاد الفحول”، والإمام الرازي كتابًا سماه “المحصول في علم الأصول”، والإمام الشاطبي كتابًا سماه “الموافقات”، والإمام الآمدي كتابًا سماه “الإحكام في أصول الأحكام”، والإمام ابن حزم الظاهري كتابًا سماه “الإحكام في أصول الأحكام”… وغيرهم العشرات من العلماء الذين صنَّفوا وألَّفوا في هذا العلم العظيم…

والحقيقة، إن ما دعانا للكتابة في هذا الموضوع المهم هو الغيرة والحرص على نقاء وصفاء هذا العلم العظيم (أصول الفقه) حتى لا يداخله التحريف والتخريف والابتعاد عن أصله وجذره الصحيح المعتبر – وخاصة أن هناك أناسًا سمَّوا أنفسهم علماء وما هم بعلماء – أدخلوا موضوع العقل في وضع التشريع، وليس في بيانه وفهمه… وصاروا يتقوَّلون على الله ورسوله ما لم يقولاه، بل إن بعض الأحكام التي تبنَّوها من هذه الأصول الجديدة صارت تخالف كتاب الله عز وجلّ في الآيات قطعية الدلالة، قطعية الثبوت، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة؛ وخاصة في موضوع الربا، أو موضوع (الضرورات الشرعية)؛ وتوسيع دائرتها لتشمل أمورًا عقلية؛ ليس لها ارتباط بموضوع الضرورة الشرعية، كما أنزلوا الحاجة منزلة الضرورة؛ من حيث ارتكاب المحرم، ووسَّعوا دائرة الحاجات حتى تعددت وكثرت حسب الهوى والعقل واختلافه عند بني البشر…

لقد كان السبب الأول في هذا الخلط والتجاوز، الذي حصل عند هؤلاء (المشرّعين) راجعًا بالدرجة الأولى إلى عدم الدقة والتحري والانضباط في الأصول المعتبرة شرعًا، فكان لا بد من تصحيح هذا الأمر؛ حتى يتم تصحيح تلك الأحكام والتشريعات الضالة؛ لأنه بتصحيح الأساس يتم تصحيح ما بني على هذا الأساس من مغالطات وأخطاء… وقبل أن نتحدث عن هذه الأصول غير المعتبرة شرعًا، وعن ضلالاتها وانحرافاتها، لا بد من أن نذكر الأمور المعتبرة شرعًا، وبعض الضوابط الفكرية؛ كأسس لهذا البحث ومن هذه الأمور:

1- علوم الدين بكافة أنواعها لا تؤخذ إلا من الوحي، ولا تؤخذ من أي مصدر آخر، فالمصدر الوحيد لعلوم الدين، عقيدة وأحكامًا، هو الوحي بشقيه (القرآن والسنة) وغير ذلك لا يعتبر من المصادر مطلقًا، فلا يؤخذ الدين من العقل ولا من الواقع، ولا من العادات والتقاليد، ولا الشرائع الأخرى؛ غربيةً كانت أو شرقية، فالمصدر الوحيد لهذا الدين هو الوحي (القرآن والسنة). قال تعالى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣، وقال سبحانه: ﴿…وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» روه الحاكم في المستدرك… فعلوم الدين تجري – بموجب أحكامها وبيانها – عبادة الله عز وجل، ولا يعبد الله إلا كما أمر، وأمره (وحيٌ من السماء)، وليس من عقول البشر الضعيفة الناقصة… فلا يعبد الله بالعقل ولا بالهوى… فالدين لا يؤخذ إلا من الله العليم الحكيم؛ لأن الله عز وجل هو فقط الذي يؤخذ عنه هذا الأمر بنص القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم…

2- إن ما سوى الوحي – من الله عز وجلّ – هو عقل البشر؛ لأن الموجود من أفكار بين يدي الخلق؛ إما أنه من الله عن طريق الرسل والوحي، وإما أنه من عقول البشر، ولا يوجد مصدر ثالث في هذا الأمر… وعقول البشر لا تصلح لأمور التشريع؛ والسبب هو أنها ناقصة وعاجزة ومحتاجة لغيرها؛ وعجزها ظاهر في أمور كثيرة منها: كثرة اختلافها بين الناس في الرأي، وكثرة التغيير والتبديل للآراء الناتجة عن العقول؛ حتى عند الشخص الواحد، وفي الموضوع الواحد؛ فما يضعه فلان من الناس – كقاعدة أصولية – يغيِّرها بعد فترة من الزمن؛ لأنه يرى خطأها، وما يضعه فلان من حكم – غير مستند إلى الوحي – فإنك تراه يغيِّره بعد فترة؛ لأنه يرى خطأه… فهل نجعل ديننا وشريعتنا تبعًا لأهواء البشر، وعقولهم المتناقضة المتغيِّرة؟!

فإذا نظرنا – على سبيل المثال – إلى الضنك والشقاء والاعوجاج؛ بسبب المبادئ الموجودة على وجه الأرض هذه الأيام (كالرأسمالية، والاشتراكية سابقًا)؛ فإننا نجد أن هذه المبادئ هي من صناعة العقل البشري، فهو الذي وضعها، ووضع أصولها التي بُنيت عليها من منطلق فكرة الحريات… وأطلق كامل الحرية للعقل البشري؛ ليضع الأحكام والنظم المتعلقة بالإنسان… فكانت النتيجة أن هذه المبادئ – بنظمها وتشريعاتها – فوق اعوجاجها لم تستقرَّ على حال؛ بل اعتراها التغيير أكثر من مرة… ثم خرجت عن أصولها وقواعدها التي استندت إليها، فغيَّرها أصحابها أكثر من مرة؛ كلما واجهتهم مشكلة أو أزمة، وغيَّروا بعض أصولها الفكرية التي استندت إليها وخاصة في أسس الحريات الاقتصادية!

ولقد نهى الحق تبارك وتعالى عن اتباع العقل أو الهوى؛ سواء أكان ذلك في أصول الدين أم في فروعه، واعتبر ذلك من الضلال والتحريف، قال تعالى: ﴿...وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦، وقال سبحانه: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣.

وقد ذكر الحق تعالى أن سبب الشقاء والضلال هو اتِّباع الهوى (العقل)، وأن سبب الاستقامة والهداية هو باتِّباع منهج الله سبحانه الموحى به من عنده سبحانه… قال تعالى: ﴿قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤﴾… والإعراض هنا هو بتحكيم الهوى والعقل؛ لأن ما سوى الذكر هو العقل والهوى… يقول (الإمام الشوكاني) في تفسيره لهذه الآية: (…﴿فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى﴾ بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾؛ أي لا يَضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ﴿ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي ﴾؛ أي عن ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه، ولم يتبع هداي ﴿ فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا﴾؛ أي فإن له في هذه الدنيا معيشة ضنكًا: أي عيشًا ضيِّقًا. يقال: منزل ضنك وعيش ضنك…)

3- إن سبب الخروج عن الوحي (القرآن والسنة) عند بعض المسلمين، سواء ما حصل منه قديمًا أم حديثًا، وسواء ما كان منه في العقيدة أم الأصول الفقهية؛ فإن سببه عائد إلى أمرين – وهما في المحصلة أمر واحد هو (اتباع العقل). الأول: أنه وجدت بعض الفرق الإسلامية التي أحدثت وابتدعت بعقولها في الأصول؛ عقيدة وأحكامًا – فسخرت العقل في أمور خارجة عن وظيفته الصحيحة؛ وهي الوصول إلى أصول الإيمان عن طريق إعمال العقل في النظر والتدبر في المخلوقات؛ أي الوصول إلى الإيمان بالخالق جل جلاله، وما أرسل من رسل ورسالات… وكذلك فهم ما نزل على الناس من رسالات… فابتدعت هذه العقول أصولًا جديدة دون سند من الوحي، أو بتأويل الوحي تأويلًا عقليًّا، خارجًا عن أصوله المعتبرة شرعًا؛ تمامًا كما حصل عند اليهود والنصارى في ابتداع المعتقدات الباطلة التي لا تستند إلى الوحي… والثاني: أنه وجد من العلماء والمفكرين المسلمين من تأثروا بعقول غيرهم، وبطريقتهم في البحث والاستدلال العقلي؛ الخالي من سند الوحي؛ وذلك مثل العلماء الذين تأثَّروا بالفلسفة الهندية أو اليونانية، ممن عاصروها أو مما سبقهم منها… فوجد بسبب هذه الفلسفة علماء وفرق إسلامية أحدثت في الدين ما ليس منه، بل خرجت عن الأصول الصحيحة المعتبرة من القرآن والسنة… ومن هذه الفرق من خالف معلومًا من الدين بالضرورة، أو خالف آيات قطعية الدلالة والثبوت في موضوع الاعتقاد؛ مثل عصمة البشر، أو القول بأن الرسول ليس خاتم الأنبياء، ومنهم من قال بعقيدة الحلول، ومنهم من قال بخلق القرآن، ومنهم من ابتدع في موضوع الصفات بالتشبيه والتجسيم نتيجة قياس الغائب على الشاهد؛ وكل ذلك بسبب تأثر هؤلاء وهؤلاء بعلوم المنطق والفلسفة من غير المسلمين!…

وكما حصل الابتداع العقلي في العقيدة كأصول، حصل أيضًا في أصول الشريعة؛ كقواعد وأدلة شرعية وطريقة استدلال، مثل الذين اعتبروا المصلحة العقلية أو الضرورة التقديرية بالعقل والهوى، أو من جعل تغيُّر الزمان والمكان علة شرعية في تغيُّر الأحكام الشرعية، تبعًا لذلك… وغير ذلك من أمور لم تستند أبدًا للوحي، أو أنها استنبطت بطريقة خاطئة من الوحي… وسنتحدث عن أمثلة من هذه الأصول وبيان خطئها في بحثنا هذا بإذن الله…

4- الأصول بشكل عام، وأصول الأحكام الفقهية بشكل خاص؛ تحتاج إلى دليل قطعي، ولا يجوز أن تؤخذ بالظن أو بغلبة الظن؛ والدليل على ذلك:

أولًا: إن الأصول هي كليات الشريعة التي تستند الشريعة إليها كأصول. والكليات لا يجوز فيها الظن؛ لأن الظن في أصول الاعتقاد لا يجوز بنص القرآن الصريح؛ قال تعالى: ﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨وقال سبحانه: ﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ
ٱلۡحَقِّ شَيۡ‍ٔٗا ٢٨. يقول الإمام الشوكاني في تفسيره فتح القدير: (في هذا دليل على أن مجرد الظن، لا يقوم مقام العلم، وأن الظانَّ غير عالم… وهذا في الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم وهي المسائل (العلمية)، لا فيما يُكتفى فيه بالظن، وهي المسائل (العملية)، وقد قدمنا تحقيق هذا… ولا بد من هذا التخصيص، فإن دلالة العموم والقياس وخبر الواحد ونحو ذلك ظنية، فالعمل بها عمل بالظن، وقد وجب علينا العمل به في مثل هذه الأمور، فكانت أدلة وجوبه العمل به فهي مخصصة لهذا العموم…).

ثانيًا: بناء الأصول على غلبة الظن يؤدي إلى الفرقة والاختلاف؛ بسبب اختلاف الفهم لهذا الأصل؛ فما يراه عالم في الأصول لا يراه آخر… وهكذا تصبح العقيدة مختلفة، وأصول الأحكام – التي بني عليها التشريع – متناقضة… وتتفرَّق الأمة تمامًا كما حصل عند بني إسرائيل، ويصبح الاختلاف ليس في فهم المسائل الشرعية، كما جرى عند علماء السلف، وإنما في تأصيلها، فتتعدَّد مصادر التشريع، ويدخل العقل في هذا التشريع، وفي تأصيله؛ فيكون ذلك أيضًا مدعاة لتفرق الأمة في أصولها المعتبرة، ويصبح الدين متناقضًا ومختلفًا، كلٌّ يراه حسب عقله وهواه…

ثالثًا: لقد ذهب أكثر علماء السلف من الأصوليين المعتبرين إلى أن الأصول يجب أن تكون مقطوعًا بها، ولا يجوز أن تؤخذ بغلبة الظن؛ مثلها مثل الأحكام الفقهية الفرعية… ومن هؤلاء العلماء: (الإمام القرافي) حيث يقول في كتاب (تنقيح الفصول وشرحه): (… وقوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ ﴾ إن ذلك مخصوص بقواعد الديانات وأصول العبادات القطعيات…). وقال الإمام (عبد القادر البغدادي) في كتابه (أصول الدين): )وأخبار الآحاد متى صحَّ إسنادها، وكانت متونها غير مستحيلة في العقل، كانت موجبة العمل بها دون العلم…)، وقال الإمام الإسنوي: (وأما السنة فالآحاد منها لا يفيد إلا الظن… وأن رواية الآحاد إن أفادت فإنما تفيد الظن، والشارع إنما أجاز الظن في المسائل العملية وهي الفروع، دون العلمية كقواعد أصول الدين)، وقال الإمام (ابن عبد البر) في (كتاب التمهيد): (… اختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد هل يوجب العلم والعمل جميعًا، أم يوجب العمل دون العلم؟ والذي عليه أكثر أهل العلم منهم أنه يوجب العمل دون العلم، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر، ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به على الله وقطع العذر بمجيئه قطعًا ولا خلاف فيه…).

هذا هو الضامن لعدم الإدخال في الدين ما ليس منه، وعدم الانحراف في موضوع الأحكام والعقيدة؛ لأن الأصول عندما تكون قطعية؛ تكون موحدة عند جميع المسلمين، دون خلاف ولا اختلاف، أما عندما تكون مختلفة، فإن الاختلاف يدخل في أصل الدين، ويحصل التفرق أيضًا في أصل الدين، وهذا قد نهى الشرع عنه، وحذَّر منه، وحذَّر من أن يحصل؛ كما حصل عند اليهود والنصارى عندما اختلفوا في أصول الاعتقاد…

ولقد حصر الوحي أصول الأحكام في أربعة أمور (قطعية الثبوت تفيد العلم)، لا يعتريها أي شك؛ وهي القرآن الكريم، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة، والقياس المبني على علة شرعية صحيحة. وكلها ثبتت بدليل قطعيٍّ يفيد العلم؛ وسنتحدث عن هذه الأصول بالتفصيل في حلقات قادمة إن شاء الله.          [يتبع]

شاهد أيضاً

waie383

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (383)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (383) ذو الحجة 1439هـ – آب/أغسطس 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *