العدد 385 - السنة الثالثة والثلاثون – صفر 1440هـ – ت1 / أكتوبر 2018 م

إضاءات في طريق النهضة

إضاءات في طريق النهضة

بقلم / عبد المؤمن الزيلعي – اليمن

النهضة موضوع تشرئب له الأعناق، وتهفو له الأفئدة، وتسعى نحوه الإنسانية، خاصة في الوقت الحالي الذي تعيش فيه رغم تجاربها المتعددة التي حاولت فيها النهوض ولكنها لم توفق لنهضة صحيحة تقنع العقل وتوافق الفطرة فتنعم بالأمن والطمأنينة، بل غدت كأنها تركض وراء سراب بعد أن عانت ما عانته من الدمار والخراب، وإني في هذه المقالة لن أتطرق للتعريفات والتفريعات في مصطلح النهضة وكيفيتها، بل يكفي في هذه العجالة أن أعيد تلك العبارة الذهبية الجامعة لكل نهضة ألا وهي (ينهَضُ الإنسانُ بما عندَهُ مِن فكرٍ عَنِ الحياةِ والكونِ والإنسانِ، وَعَن عَلاقَتِهَا جميعِها بما قبلَ الحياةِ الدُنيا وما بعدَها. فكانَ لا بُدَّ مِن تغييرِ فكرِ الإنسانِ الحاضرِ تغييرًا أساسيًا شاملًا، وإيجادِ فكرٍ آخرَ لَهُ حتّى ينهَضَ، لأَنَّ الفكرَ هو الذي يوجِدُ المفاهيمَ عنِ الأشياءِ، ويركِّزُ هذِهِ المفاهيمَ). لقد تفاوتت هذه الأفكار التي تنهض الإنسان بوصفه إنسانًا باختلاف التصور للحياة والمفاهيم عنها؛ إلا أنها لم تخرج عن ثلاثة تصورات للحياة، أو ثلاثة مبادئ للنهضة، ألا وهي الاشتراكية والرأسمالية والإسلام، ومع أن هذه المبادئ الثلاث تحدث نهضة للإنسان؛ إلا أن هناك فرقًا بين نهضة صحيحة ونهضة غير صحيحة، بين نهضة تراعي ما يجب أن يكون عليه المجتمع من القيم والمثل العليا والاستقامة، وبين نهضة تسير بالمجتمع إلى الشقاء، ولا تحسب لما يجب أن يكون عليه الإنسان والمجتمع أي حساب وأي قيمة إلا النفعية الأنانية والتصرفات غير الإنسانية. فالاشتراكية والرأسمالية كانتا اللتين حصل من تطبيقهما نهضتين غير صحيحتين على مستوى النظرية والتطبيق؛ إذ لم يطبق كل منهما ولم ينتشر إلا بالحديد والنار والتضليل والخداع والاستعمار، ويكفي التاريخ والواقع شاهدَيْن على ذلك، وبلاد المسلمين أكبر دليل.

والممحِّص للرأسمالية والاشتراكية يجد أنهما كمبدأين لا يقنعان العقل ولا يوافقان الفطرة، وبالتالي لم يحققا الطمأنينة للشعوب التي طبق عليها كلٌّ من هذين المبدأين.

أما الإسلام فإنه حين طبق عمليًا، قبل فصله بالقوة عن الحياة بهدم كيانه السياسي المتمثل بإلغاء الخلافة العثمانية، فقد أحدث نهضة حقيقية في جميع مناحي الحياة – رغم ما شاب دولة الإسلام بعد عصر الخلافة الراشدة من إساءات في فهم الإسلام وتطبيقه منتهيًا بالجمود في أواخر الدولة العثمانية التي حاولت أن تنهض؛ لكنها تلقفت بعض الإصلاحات من الغرب وانشغلت بدفع الاستعمار وعملائه عن بلاد المسلمين حتى انحطت ومرضت فتم الإجهاز عليها من قبل الغرب وعملائه من العرب والترك؛ ولكن ذلك لا يعني أن الإسلام هو سبب جمودها وانحطاطها، بل الصحيح أن إساءتها لفهم الإسلام وإقفال باب الاجتهاد هو الذي كان عاملًا مهمًا من عوامل انحطاطها.

لقد طبق الإسلام عمليًا في ظل الدولة الإسلامية مما جعل الناس يدخلون فيه أفواجًا عن قناعة تامة، ومن ظلوا على دينهم فقد عاشوا في ظل الإسلام وخضعوا لنظامه ملتزمين به لأنه يحميهم ويذود عنهم ولا يكلفهم فوق طاقتهم ويرعاهم بالعدل والإحسان، ولا تعجب حين قاتل نصارى الشام مع القائد صلاح الدين الأيوبي ضد نصارى أوروبا إبان الحروب الصليبية الإجرامية، وها هم الناس الآن في الوقت الراهن في أوروبا وأميركا وغيرها يعتنقون الإسلام بالآلاف رغم حملات التشويه للإسلام ولمعتنقيه، مع أن الإسلام ليس له دولة ولا سيف، إنه ينتشر رغم أنوف الغرب والمضبوعين بثقافته الذين يقولون إن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف والإكراه؟!

وإلى الذين يخلطون بين الأفكار والقضايا ويزعمون أن سبب تخلف المسلمين هو في دينهم داعين إلى فصل الدين عن الحياة أقول لهم: وهل كان الإسلام مسيطرًا وحاكمًا على الحياة منذ سقوط الخلافة العثمانية، أم أن رأسماليتكم واشتراكيتكم هي التي فُرضت على بلاد المسلمين بالقوة، وزُرِع لحمايتها العملاء والطغاة من الحكام والمضبوعين بالبريق المادي الزائف؟

إن الإسلام ليس له عداوة مع العلم كما كان في عهد الكنيسة في أوروبا، بل إن الإسلام يحث على العلم والأخذ بكل الوسائل والأسباب المادية للنهوض، ونقصد بالعلم ما كان ناتجًا عن التجربة والملاحظة والاستنتاج عند إخضاع المادة لذلك، وهذه العلوم وتطبيقاتها هي علوم عامة غير خاصة بأية أمة من الأمم، ولا بأي دين من الأديان، فيجب أن نأخذها ونسعى لإنتاجها إن كانت لازمة للفرد والدولة والمجتمع، خاصة إذا كانت هذه العلوم تحقق الرعاية للمجتمع وتعلي هيبة الدولة، ولا يستثنى منها إلا ما جاء الشرع بالنهي عنه أو عن تطبيقاته، وقلما تجده. ومع ذلك فإن الإسلام له ثقافته التي لا تقبل أن تؤخذ من غيره، وكم حاول الغرب والمضبوعون به أن يروِّجوا لثقافتهم الخاصة التي تشكل مجموعة المعارف التي تعين وجهة النظر في الحياة وتؤثر فيها؛ حيث حاولوا ترويجها وتمريرها بالمغالطة والترهيب والترغيب على الأمة باسم العلم، ومع ذلك لم يفلحوا ولن يفلحوا بإذن الله!!

ومن ذلك الديمقراطية، والجمهورية، والدولة المدنية، والاشتراكية، وغيرها من الثقافات والنظريات عن المجتمع والسلوك الإنساني كعلم الاجتماع وعلم النفس اللذين لا يستحقان اسم العلم؛ حيث ليس من طبيعة العلم التناقض. ودراسة الإنسان دراسة مادية لتحديد سلوكه وكيفية علاجه لا تنهض للعلمية، وهذا غير علم الطب والتشريح الذي يعالج أمراض أعضاء جسم الإنسان، وليس مختصًا بعلاج سلوكه وطريقة عيشه التي يهتم بهما علم النفس والاجتماع، حيث لا يصدق كما قلنا أن نسميهما علمًا، بل هما من الثقافة التي هي خاصة لكل دين ولكل أمة.

هناك أصوات تدعو للنهضة العلمية وأخذ العلم ما دام عامًا، مع أن هذا أمر لا بد منه، فالأمة عليها أن تأخذ به وبأسبابه لتستقل عن الحاجة للغير والارتهان له في شتى شؤون حياتها، لكن دعونا نسأل هذه الأسئلة: من الذي يقف في طريق ذلك، أليست هي دول الغرب الاستعمارية التي تجعلنا سوقًا لمنتجاتها وحقلًا لتجاربها وعبيدًا لسياساتها؟! أليست دول الغرب هي التي تفرض علينا ثقافتها الخاصة بالقوة، وتمنع عنا العلم الذي يعد عامًا لكل العالم وبالقوة أيضًا؟! من الذي ضرب العراق حين فكر أن يصنِّع ويأخذ بالعلم، مع أن نظام البعث لا يمت للإسلام بصلة، وغير منبثق منه؟! ومن الذي يمنع البلاد الإسلامية الآن من اللحاق بركب العلم والأخذ بأسباب القوة، أليست هي الدول التي تعطينا ثقافتها الخبيثة بالقوة وتمنع عنا طيبات العلم؟!

أليست دول الغرب الاستكبارية الاستعمارية هي التي صنعت هؤلاء الحكام الخانعين لكي يُبقوا الأمة تحت سيطرتهم وينهبوا مقدراتها وخيرات أرضها، بل ويوحون لهم بمحاربة كل عالم في مجالات العلم لكي يظل هاربًا في المنفى؛ فيعمل بعلمه لما يخدم الغرب مع أن الأمة في أمس الحاجة إليه؟!!

إن العلماء في العلوم التطبيقية أو في غيرها يحتاجون إلى دولة ترعاهم وتهيئ لهم الأجواء والوسائل وتدعمهم وتفرغهم برواتب تكفي حاجاتهم الأساسية وتمكنهم من الحصول على الكماليات اللازمة لهم ليقوموا بالإنتاج والاختراع لما يحقق اكتفاء الأمة وعزتها واستقلالها، فيحميها ذلك من الارتهان لعدوها الذي تحكَّم حتى بلقمة عيشها، وهذه الدولة لن تكون إلا دولة رعاية وليس دولة جباية، وأنعم بدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة من دولة رعاية؛ إذ هي دولة إسلامية تهتم بطاقات الأمة وتحمي رعيتها وترعاهم، وهؤلاء العلماء من أبناء الأمة يعتنقون عقيدتها فلا يخافون ظلمًا ولا هضمًا، أما الآن فهم يذهبون إلى دول الغرب التي تفرض عليهم عقيدة غير عقيدتهم، أو تختزل الدين في العبادات والأخلاق! وكم من علماء غربيين اعتنقوا الإسلام بعد توصلهم لحقيقته؛ لكنهم عوقبوا إما بالقتل أو التعذيب أو التضييق من قبل دولهم العلمانية؟!!

لقد نهض الغرب نهضة جوفاء، ظهرت فيها المدنية بأشكالها المادية، والعلم والصناعات بأنواعه ومجالاته؛ لكن في المقابل على حساب البشرية ودينها وقيمها وأخلاقها؛ مما جعل الإنسان يعبد الآلة، بل قد أصبح عندهم آلة، فلا تستحق الآلة مشتقات الطاقة التي تشغلها إلا بقدر إنتاجها ومنفعتها، وهكذا فقد أصبح الإنسان لا يحصل على اللقمة إلا ما دام منتجًا؛ فلا مكان للأخلاق والقيم والرحمة والتكافل والروابط الأسرية وغيرها، بل القيمة عندهم هي القيمة المادية أو ما يسمى بالمنفعة، سواء أكانت نهضة على أساس الرأسمالية أم الاشتراكية التي انتهت وسقطت سقوطًا مروعًا؛ لأنها لا تصلح حتى للحيوان، فما بالك بأفضل مخلوق على الإطلاق، ذلك الذي يعود أصله إلى أبيه آدم عليه السلام الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، إلا أن الإنسان الغربي أبى إلا أن ينتمي للقرود حسب نظريات الغرب البهيمية!

وها هي نهضة الغرب تفصح عما تريده للبشرية بعد أن قتلتها ونهبت خيراتها واستغلت مجهودها وحاربت كل خُلُق وقيمة غير المنفعة، ها هي بعد ذلك كله تشرعن للشذوذ والزواج المثلي لتفصح عما تريده للبشرية دون حياء، وتنهار البشرية نتيجة لقوانينهم وثقافتهم المسمومة البهيمية، بل إن البهائم لتعاف فعل ذلك، فلم نرَ في طبيعتها وفطرتها ميلًا نحو شذوذهم؟؟!!

فما هي النهضة التي يريد البعض أن ينشدها: أهي نهضة على أساس الاشتراكية، أم الرأسمالية، أم هي نهضة صحيحة على أساس الإسلام الذي يحفظ للإنسان إنسانيته وكرامته وأمنه وحياته، ويحثه على النزوع للكمال والسير والنظر والتدبر والتفكر والإنتاج ليخدم أمته ويرضي خالقه ومدبره؟.

إن نهضتنا، نحن المسلمين، بل نهضة الإنسانية جميعها، لن تتحقق إلا بالدين المقنع للعقل الموافق للفطرة، ألا وهو دين الإسلام الذي أنزله الله على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، فهو يحقق النهضة للفرد والدولة والمجتمع؛ فالفرد يلتزمه عن قناعة تامة وبدافع الوازع الروحي، ولا يكفي ذلك لحصول النهضة في الدولة والمجتمع إلا أن تقوم الدولة بتطبيقه بإحسان في جميع مناحي الحياة، عقيدة ونظامًا لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وليعلم المسلمون أنهم لن ينهضوا باستيرادهم لنظام من غير عقيدتهم، فقد حاول بعض الحكام أن يفرضوا على الشعوب الإسلامية نظامًا من غير جنس عقيدتهم ففشلوا أيما فشل؛ فلم يستطع مصطفى كمال المجرم الخائن أن ينهض بتركيا، ولا جمال عبد الناصر أن ينهض بمصر، ولا غيرهما ممن خانوا الله والأمة وإن كثر صراخهم بالنهضة وعويلهم عليها، والتي وهموا أنها تأتي باتباع الغرب وطريقة عيشه، وما وجدوا إلا سرابًا خادعًا.

إن حزب التحرير يحمل مشروع نهضة شاملة على أساس الإسلام العظيم لمعالجة جميع مناحي الحياة، فعلى مريدي النهضة على أساس دينهم دين الإسلام أن يلتحقوا بركب العاملين. ومن كان لديه مشروع آخر فليفصح عنه بتفصيلاته لنعرف أصله وفصله ونوع لبناته؛ فلا مكان لغير مشروع الإسلام عقيدة ونظام حياة ليعود ويسود ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ ﴾.

شاهد أيضاً

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (382)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (382) للمزيد اضغط هنا ذو القعدة 1439هـ – تموز 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *