العدد 385 - السنة الثالثة والثلاثون – صفر 1440هـ – ت1 / أكتوبر 2018 م

كل الأمم التي سادت الدنيا بادت، إلا الأمة الإسلامية فلن تبادَ أبدًا

كل الأمم التي سادت الدنيا بادت، إلا الأمة الإسلامية فلن تبادَ أبدًا

المهندس حسب الله النور – الخرطوم

 

إن المتتبع لأحداث التاريخ، يجد أن هناك أممًا عريقة، عاشت قرونًا من الزمان، ودانت لها كثير من الشعوب والبلدان، ثم هوت وسقطت وانهارت وصارت نسيًا منسيًا، ولن تجد لها أثرًا إلا في سطور التاريخ وبطون الكتب. وهي كثيرة نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر.

فالدولة الفارسية، كانت إمبراطورية عظيمة استمرت منذ 559 ق.م. إلى أن سقطت في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 644م، أي أنها استمرت زهاء ألف ومئتي عام، وقد شمل سلطانها، بالإضافة إلى إيران، كلًا من بلاد ما وراء النهر، والعراق والشام ومصر واليمن، وبعد سقوطها لم نسمع بأن أحدًا فكر في إعادتها إلى الوجود مرة أخرى.

وكذا الدولة الرومانية؛ الغربية منها أو الشرقية (بيزنطة)، تلك التي عاشت أكثر من ألف سنة، امتدت في كثير من البلاد الأوروبية والآسيوية والأفريقية، قد كانت الدولة الأولى ولقرون عدة، وقد دخلت مع الدولة الإسلامية في مراحلها المختلفة في حروب كثيرة ثم هوت وسقطت، على يد القائد البطل محمد الفاتح وإلى الأبد. وأيضًا لم نقرأ في التاريخ أن أحدًا يسعى إلى إعادة الدولة الرومانية.

وكذا الإمبراطورية البرتغالية، التي سادت على مدى ستة قرون، غطت خلالها مساحة واسعة، تشكل الآن أراضي ستين دولة من الدول المستقلة القائمة في عالمنا اليوم، وقد كانت الدولة الرائدة في الاستعمار، وإليها تنسب الكشوفات في أفريقيا، ولها سجال مع الدولة العثمانية خاصة في شمال غرب أفريقيا. ومن بعد كل هذا المجد الذي وصلت إليه البرتغال، ها هي تتقزم إلى دويلة لا تزيد مساحتها عن 92 ألف كلم مربعًا، ولا يتعدى عدد سكانها العشرة مليون نسمة، وانحصر فكرهم في كيف يأكلون ويشربون، وكيف يحافظون على حدود دولتهم القومية.

وكذلك الإمبراطورية الإسبانية، والتي عدّها البعض الدولة الأولى في العالم، في القرن الثامن عشر الميلادي، وقد دخلت في صراعات عدة مع الدولة الإسلامية، وسيطرت على أجزاء من الشمال الأفريقي، وكانت لها سطوة في سائر البلاد الأوروبية، وقد امتدت سيطرتها ونفوذها حتى أميركا الجنوبية.. والآن لا نسمع عنها إلا في ميادين ملاعب كرة القدم ومصارعة الثيران، بل هي الآن تسير في طريق التشظي، وما محاولة انفصال إقليم كتالونيا عنا ببعيد.

والاتحاد السوفياتي الذي كان الدولة الثانية في العالم، والذي كان ينافس أميركا على مركز الدولة الأولى لعشرات السنين، قد صار أثرًا بعد عين بين عشية وضحاها.

والإمبراطورية البريطانية، وما أدراكم ما هي، وكانت تسمى بالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، قد امتد نفوذها إلى بلاد العالم أجمع، وسيطرت سيطرة تامة على كثير من البلدان، في أفريقيا، وآسيا، وأستراليا، وأوروبا، حتى بلغ القارة الأميركية، جنوبها وشمالها، قد أصابها ما أصاب غيرها من الوهن والضعف، ولم يبقَ لها من النفوذ الدولي إلا التشبث بأظفارها في السياسة الدولية، وهي الأخرى مهددة بالانقسام من قبل كل من أسكتلندا وأيرلندا الشمالية، اللتين تتحينان الفرص لتعلنا عن انفصالهما. وغيرها الكثير من الدول التي سادت ثم بادت.

أما المتابع للتاريخ الإسلامي، فإنه يجد أن مقولة (سادت ثم بادت)، لا تنطبق على الدولة الإسلامية، فإن الدولة الإسلامية التي ولدت على يد الرسول صلى الله عليه وسلم قد ولدت قوية، وصارت هذه القوة في تصاعد طيلة الخلافة الراشدة، وتوسعت أيام الأمويين، حتى صارت الدولة الأولى في العالم بلا منازع. ثم استمرت زمن الخلافة الأموية والعباسية ردحًا من الزمان بالقوة نفسها، وبالزخم نفسه. ثم تسرب إليها الضعف حينًا، فاستولى عليها البويهيون، إلى أن قيّض الله لها السلاجقة، فأعادوا لها مجدها وهيبتها، ووقفت في وجه الصليبيين ردحًا من الزمن، إلى أن انتابها الضعف فتراجعت في وجه الحملة الصليبية؛ التي اكتسحت بلاد الشام، وأقامت عدة إمارات نصرانية في قلب العالم الإسلامي، وزحفوا إلى فلسطين حتى استولوا على بيت المقدس، ولأكثر من ثمانية عقود، فهب عماد الدين زنكي، ومن بعده محمود زنكي، فبعثوا الروح في دولة الخلافة من جديد، وشرعوا في حروب ضارية ضد الصليبيين، وأخرجوهم من بلاد الشام… إلى أن جاء صلاح الدين الأيوبي، فتوَّج تلك الانتصارات بطردهم من آخر معاقلهم ببيت المقدس.

ولكن ما لبثت أن دارت دائرة الضعف على الخلافة مرة أخرى؛ وذلك بسبب تفرق الولاة والتنازع فيما بينهم وتكالبهم على الدنيا، وانصرافهم عن الجهاد، بقتال بعضهم بعضًا.

وما هي إلا سنين قليلة، حتى جاء التتار واجتاحوا العالم الإسلامي، وقتلوا خلقًا كثيرًا، وخربوا الديار الإسلامية، حتى دخلوا بغداد، وخربوها وقتلوا فيها على بعض التقديرات قرابة المليوني مسلم، والخليفة نفسه شر قتلة، وسبَوا النساء والأطفال، وظن الكثيرون أن دولة الإسلام قد تلاشت عن الوجود إلى غير رجعة، ولكن هيهات هيهات، فما إن استولى التتار على فلسطين حتى هب سيف الدين قطز المملوكي من أرض الكنانة، وسيَّر جيشًا عرمرمًا فهزمهم في موقعة عين جالوت الشهيرة، وطاردهم حتى أخرجهم من جميع الديار الإسلامية في الشام والعراق، وأعاد أمجاد الخلافة مرة أخرى، بل إن التتار الذين عاثوا فسادًا في أرض الإسلام، قد أسلموا، في سابقة تاريخية لم تحدث من قبل.

ثم انتاب الخلافة الضعف مرة أخرى، بسبب التنازع، وتفرقت إلى دويلات متحاربة، لا تتعدى بعضها مساحة مدينة وما حولها من قرى، بأسها بينها شديد، وفي ظل هذا الضعف والتشرذم ولدت الخلافة العثمانية، من قبيلة مشردة قليلة العدد، لكنها ما لبثت أن أقامت دولة استمرت لقرون عدة، ملأت الدنيا عدلًا ورحمة، وأدخلت الرعب في قلوب العالم الغربي بأسره، وأسقطت الدولة البيزنطية؛ التي عاشت أكثر من ألف سنة، وجعل العثمانيون من العاصمة النصرانية (القسطنطينية آنذاك) عاصمة لهم، ثم توالت فتوحاتهم حتى وصلوا إلى أسوار فينا، وجنوب فرنسا وامتدت الخلافة لقرون عدة متربعة على عرش الدولة الأولى في العالم، يحسب لها القاصي والداني ألف حساب. ثم أصابتها قارعة ما قبلها، فضعفت وتقلص نفوذها وفترت همتها، وأخيرًا أسقطت هي الأخرى في العام 1924م.

هذه هي الأحداث التي دارت في الشرق الإسلامي، أما في الغرب الإسلامي، فالأمر كما هو في الشرق، ما إن يضعف حكم إسلامي، ويكاد يؤذن بالسقوط، إلا ونرى أن الله قد قيض له من يبعث فيه الروح من جديد. فقد فتح موسى بن نصير شمال أفريقيا، ثم عبر المحيط وفتح الأندلس، وأقام فيها حكمًا عظيمًا، واستمر قويًا، وما إن ظهرت عليه عوامل الضعف والتشرذم، حتى جاء عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، المكنى بـ (عبد الرحمن الداخل)، وأعاد للدولة عزها ومجدها، واستمرت إلى ما يقارب ثلاثة قرون، ثم ظهرت عليها علامات الوهن من تشرذم وتآلب بين الولاة، فهبَّ ألفونس السادس ملك قوشتالا وصار يقضم تلك الدويلات من أطرافها، فاستنجد أهل الأندلس بدولة المرابطين التي كانت في عنفوانها، فعبر إليهم يوسف بن تاشفين، ودحر الصليبيين وهزم ألفونس السادس في معركة الزلاقة الشهيرة، وأعاد لدولة الأندلس قوتها وهيبتها، ثم استمرت ردحًا من الزمان تحت حكم المرابطين، ثم ضعفت وتشظت، وظهر ألفونس الثامن، وأوقع الهزائم على حكام الدويلات المتشرذمة، فاستنجد أهل الأندلس للمرة الثانية، ولكن بدولة الموحدين هذه المرة، فأغاثهم أبو يوسف هارون المنصوري، وأوقع هزيمة قوية بدولة قوشتالا، وهرب زعيمها ألفونس الثامن بعد أن خلف وراءه أكثر من 146 ألف قتيل في ما يسمى بموقعة الأراك. ثم دارت الدائرة على المسلمين مرة أخرى لما تفرقوا، وصار يضرب بعضهم رقاب بعض، حتى وصل بهم الهوان بأن استعانوا بالكافر على إخوانهم، فتكتل عليهم النصارى وهزموهم، بل أبادوهم عن الآخر، إلا من هرب، أو تظاهر بالتنصر.

ومنذ سقوط الدولة العثمانية أصبح المسلمون بلا خليفة، وبلا راعٍ، كالغنم في الليلة الشاتية وسط الذئاب، لا مأوى لهم ولا ناصر، تتخطفها الدول الاستعمارية، مستخدمة حكام البلاد الإسلامية؛ أدوات للقمع والسلب والنهب لخيرات الأمة ومقدراتها. وهنا قد يرد سؤال: لماذا ولمدة قرون، كلما خبت جذوة الإسلام ظهر من يعيدها أكثر بريقًا، وأشد اشتعالًا، وفي زمن وجيز، بينما في هذه الحقبة الأخيرة من التاريخ، والمسلمون قد بلغ بهم الذل والهوان مبلغًا عظيمًا، وطال عليهم الأمد، لم تقم بعد تلك الدولة التي تعيد لهم ما فقدوه من مجد وعز، كما كانوا في السابق؟! هذا السؤال مشروع، بالنظر إلى تاريخ المسلمين، وتاريخ الدولة الإسلامية، وقدرتها على استعادة مكانتها والمحافظة على هيبتها بعد كل كبوة كبتها، وفي زمن وجيز؟

ولكن وبإمعان النظر إلى واقع سقوط الدولة الإسلامية، سواء أكان في الأندلس أم الدولة العثمانية، نجد أن هنالك عوامل جديدة قد دخلت، ما جعل الأمر يختلف نسبيًا عما كان عليه في السابق. أما في حالة الأندلس، فلم يكتفِ النصارى بهزيمة المسلمين والاستيلاء على أراضيهم، بل عمدوا إلى إبادة المسلمين إبادة شبه كاملة، إلا من فرَّ بجلده، أو أظهر التنصر،  ولم يشفع لأحد من المسلمين شيئًا، وإن كانت أصولهم من أهل بلاد الأندلس، وهذا الأمر جعل عودة الإسلام إلى ديار الأندلس أمرًا غير ممكن، إلا من خارجها، وهذا ما حاوله العثمانيون، ولولا تدخل بعض العوامل كمحاربة الدولة الصفوية التي أصبحت شوكة في خاصرة الدولة العثمانية لرجعت الأندلس إلى حضن المسلمين.

أما في حالة الدولة العثمانية، فإن الثمانية قرون من الحروب التي دارت بين المسلمين والنصارى، والثماني حملات الصليبية التي شنتها الدول الأوروبية على المسلمين، لم تنجح في استئصال شأفة المسلمين، جعلت الأوروبيين يعيدون النظر في العمل العسكري، وأنه لا يجدي نفعًا مع المسلمين. وقد صرح بذلك كثير من ساستهم ومفكريهم وقساوستهم. وأول من قال في هذا الأمر، هو القس لويس التاسع، ملك فرنسا، بعد أن أُطلق من الأسر، فقد وضع وصايا للتعامل مع المسلمين، منها تحويل الحملات العسكرية الصليبية، إلى حملات صليبية سلمية تستهدف الغرض ذاته، لا فرق بين الحملتين، إلا من حيث نوع السلاح المستخدم في المعركة، وتجنيد المبشرين الغربيين في معركة سلمية لمحاربة مفاهيم الإسلام ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنويًا، واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعركة جنودًا للغرب.

وفي السياق ذاته أيضًا، ما قاله رئيس وزراء بريطانيا، في مخاطبته لمجلس العموم: “ما دام هذا القرآن موجودًا بين أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان”. وبهذه العقلية كانت الهجمة على المسلمين ثلاثية الأبعاد؛ المستشرقون والمبشرون والاستعمار المباشر، وقد تركت أثرًا عميقًا في الأمة الإسلامية. وقد شهدوا بأنفسهم على ذلك، قال جان بول رو: “لم يكن القضاء على الدولة العثمانية إلا مظهرًا من مظاهر الهجوم العام، الذي يشنه الأوروبيون على الدول الإسلامية، ومن جزر الفلبين إلى قلب أفريقيا عمل الرجل الأبيض على بسط سيطرته على الرجل المسلم، وفرض عليه مفاهيمه في الوجود وطرق معيشته وتفكيره ومخططاته وتكتيكه”، وبذلك عملوا على طمس الهوية الإسلامية، فعمدوا إلى العقيدة، وأهالوا عليها كومةً من الأتربة والشوائب والمفاهيم المغلوطة، وعمدوا إلى الأحكام الشرعية، فشككوا فيها، وعمدوا إلى المقاييس فجعلوا مقاييس المصلحة والمنفعة هي الأساس بدلًا عن مقياس الحلال والحرام، وكذلك في الحكم والسياسة، وكل ما يمت إلى أفكار الإسلام بصلة، طمسوه وشككوا فيه، وأخرجوا أجيالًا من أبناء المسلمين لا يعرفون من أحكام الإسلام إلا العبادات، ونصبوا عليهم حكامًا رويبضات، يأتمرون بأمرهم، وينفذون مخططاتهم. وظنوا بذلك أنهم قد نجحوا في اجتثاث الإسلام من الحياة ومن النفوس، ولكن أنَّى لهم ذلك؛ فقد قيض الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة حزبًا هو حزب التحرير، الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله. هذا الحزب أدرك حقيقة المشكلة التي حلت بالمسلمين ودولتهم، والتي تمثلت في ضعف فهم الإسلام، وعدم الثقة في معالجاته، والأتربة التي انهالت على أفكار عقيدته، فعمد إليها، وعالجها، حتى أعاد الأمة إلى ثقتها في دينها، والتلهف لوضع الإسلام موضع التطبيق، ووصل الأمر أنه ما من حزب رفع شعار الإسلام ودخل الانتخابات إلا وفاز؛ وهذا ما جعل الكفار يرفعون درجة تربصهم بالإسلام والمسلمين، وصاروا يحسبون كل صيحة عليهم، وكثرت توصيات مراكز بحوثهم من التحذير من الإسلام السياسي. فوضع الإسلام على طاولة الاستهداف وبمسميات مختلفة…

ولكن هذا لا يزيد نار الإسلام إلا اشتعالًا، ولا يزيد الأمة إلا تمسكًا. فصرنا ننتظر الخلافة كما ننتظر شروق الشمس، ولا تمسي علينا الدنيا، إلا انتظرنا إعلان الخلافة فجر الغد، ولا تصبح علينا إلا انتظرناها عند المساء.

نسأل الله أن يكحل أعيننا بالنظر إلى رايتها وهي تعانق عنان السماء، وأعيننا تفيض من الدمع فرحًا مما أكرمنا الله تعالى به.

قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ ٦)

شاهد أيضاً

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (382)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (382) للمزيد اضغط هنا ذو القعدة 1439هـ – تموز 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *