العدد 189 -

السنة السابعة عشرة – شوال 1423هـ – كانون الأول 2002م

مفهوم مضلِّل «مَنْ خَوَّلَ الحركاتِ الإسلاميةَ أن تتحدثَ باسم الإسلام؟»

مفهوم مضلِّل «مَنْ خَوَّلَ الحركاتِ الإسلاميةَ أن تتحدثَ باسم الإسلام؟»

 

هذا السؤال يطرحه بعض الناس الذين لا يعرفون الإسلام، ولا يميزون بين النطق بحكم الإسلام في مسألة ما وبين النطق باسم المسلمين نيابةً ووكالة عنهم، ولا يفرقون بين الاهتمام بأمر الإسلام والمسلمين وبين تمثيل المسلمين. ولسان حالهم أن الحركة الإسلامية لا ينبغي لها الاهتمام بأمر الإسلام والمسلمين حتى تكون أكثرية، وهم ينطلقون من فهمهم الأعوج للرأسمالية في حين أن الرأسمالية لا تحجر على الأحزاب الصغيرة أن تدعي أنها على الصواب وأنها هي التي تمثل الرأسمالية على الحقيقة. فهؤلاء القوم غير منصفين فلا هم احتكموا إلى الإسلام ولا هم قلدوا الرأسمالية كما هي، وما يدفعهم إلى هذا الموقف الظالم الجاهل هو بعدهم عن الاحتكام إلى مفاهيم الإسلام أولاً، وعدم معرفتهم بواقع الحركة الإسلامية، أي متى تكون الحركة إسلامية ثانياً. وعدم تفريقهم بين الاختلاف السائغ والاختلاف غير السائغ ثالثاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

         فتمثيل المسلمين يختلف تماماً عن إعطاء حكم الإسلام في المسألة. وذلك أن الحركة الإسلامية التي ينطبق عليها هذا الاسم لا تمثل من المسلمين إلا شريحة معينة، هي أولئك المسلمون الذين هم على رأيها، ولا يمكن أن يوجد في يوم من الأيام حركة تمثل جميع المسلمين، ولكن يمكن أن تمثل الأكثرية، أي تمثل السواد الأعظم، والذي يمثل المسلمين تمثيلاً تاماً إلزامياً هو الخليفة أو من ينيبه عنه، فهو الذي يمثل السواد الأعظم ويمثل الحركات الإسلامية الكبيرة منها والصغيرة، وليس شرطاً أن يكون الخليفة من هذه الحركة أو تلك، فقد كان المأمون ممثلاً للأمة وهو من المعتزلة، وكان المتوكل ممثلاً للأمة وهو سني، والمقصود بالممثل هو المتحدث باسمها النائب عنها على اختلاف مذاهبها. ولا يكون من يمثل الأمة وينوب عنها إلزامياً بهذا الوصف إلا الخليفة فحسب.

         هذا هو تمثيل المسلمين إلزامياً أي التكلم باسمهم نيابةً عنهم، أما التكلم باسم الإسلام في مسألة أي إعطاء حكم الإسلام في مسألة ما فهو الذي يعطي رأيه عن اجتهاد تام أو تقليد صحيح في المسائل الخلافية باعتباره صواباً يحتمل الخطأ ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب. وبناء على هذا التفريق يمكن القول إن المسلمين ليس لهم من يمثلهم بهذا المعنى على الإطلاق في لوقت الحاضر، أما الإسلام فهناك من يتحدث باسمه من الأفراد والأحزاب. فقد أخرج البخاري عن أبي بكرة أن رسول r خطب الناس فقال: «… فليبلغ الشاهد الغائب فإنه ربَّ مبلِّغ يبلِّغه لمن هو أوعى له…».

         وأخرج أحمد في مسنده والدارمي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بلِّغوا عني ولو آية…».

         وأخرج الطبراني في الكبير عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله امرأً سمع مقالتي فبلَّغها فربّ حامل فقه غير فقيه وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه».

         وعليه فالزعم بأن كل الحركات الإسلامية لا يحق لها التحدث باسم الإسلام إما جهل وإما تضليل.

         والحركة الإسلامية هي كل حركة قائمة على اجتهاد تام. ومعنى هذه العبارة أن يكون الناظر في المسألة أهلاً للاجتهاد وأن يستفرغ جهده في الاستنباط من الأدلة الإجمالية، فإن استنبط من غير الأدلة الإجمالية ولو كان مجتهداً فرأيه غير إسلامي، وإن لم يستفرغ الجهد فاجتهاده غير تام، ويمكن معرفة عدم استفراغه لجهده بمخالفته نصاً أو إجماعاً أو عدم فهمه للواقع فينزل عليه حكماً ليس له. والمقصود بالأدلة الإجمالية، الأدلة المعتبرة عنده ولو خالف غيره من المجتهدين. أما الحركة التي تقوم على اجتهاد من غير الإسلام أو على تقليد من غير الإسلام فهي حركة غير إسلامية ولو كان كل المنتمين لها مسلمين، فالوصف للحركة لا للأتباع. وتكون الحركة إسلامية أيضاً إذا قامت على تقليد مجتهد أو مجتهدين على أساس الإسلام مع مراعاة شروط التقليد المجزئ.

         وهناك مسائل لا يسوغ فيها الاجتهاد وهي كل مسألة معلومة من الدين بالضرورة، فمن اعتقد خلافها صار مرتداً وعومل معاملة المرتد. والحركة التي تقوم على مخالفة معلوم من الدين بالضرورة لا تكون حركة إسلامية.

         فالحركة التي تتبنى أن الدار دار كفر والتغيير يجب أن يكون بتحويلها إلى دار إسلام كفعله صلى الله عليه وسلم وبنفس طريقته هي حركة إسلامية، ولها أن تقول هذا هو الصواب عندي وغيره خطأ، لا يمنعها مانع، فهي تدعو إلى الخير الذي هو الإسلام الوارد في قوله تعالى:( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ) [آل عمران/104]. والحركة التي تتبنى المنابذة بغض النظر عن الدار لأنها رأت الكفر البواح، حركة إسلامية لأنها فهمت هذا من الإسلام وإن كان هذا الفهم خطأً عند غيرها.

         أما الحركة التي تثبت نبياً بعد محمد r فهي حركة كافرة ومن اعتنق فكرتها هذه ممن كانوا مسلمين فهم مرتدون، وإن كانوا كفاراً أو أبناء مرتدين في الأصل فهم على حالهم.

         فكل حركة إسلامية بالحدود المذكورة لها أن تتحدث بالإسلام، وتبين حكم الإسلام، حركة كبيرة كانت أو صغيرة، ولها الحق في ذلك كما ذكرنا من أحاديث الرسول r، بل هي مأمورة في قوله تعالى: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ) فهي مكلفة بأن تدعو إلى الإسلام حسب فهمها بالشروط السابقة، فالله سبحانه قد كلف جميع المسلمين بأن تكون منهم جماعات تدعو إلى الإسلام، فالله سبحانه هو الذي أعطى هذا الحق وأوجب هذا الواجب ومن أنكر على الحركات الإسلامية ذلك فهو جاهل بالإسلام أو مضلل.

         ومن التضليل المتعلق بهذه المسألة تفريقهم بين الإسلام والحركات الإسلامية، وقد علمنا ما هي الحركة الإسلامية، فيقولون نحن نحاكم الحركات ولا نحاكم الإسلام، وهذا تفريق باطل، فالحركة حتى تكون إسلامية يجب أن تكون قائمة على الإسلام باجتهاد تام، وبهذا لا يمكن الفصل بين الحركة وفكرها الذي تقوم عليه، ومن أراد محاكمتها لزمه أن يحاكم فكرها، القائم على أساس الإسلام، ولكنهم يموهون ويغالطون، لأنهم لا يجرؤون على الظهور بمظهر المعادي للإسلام، أو الذي يناقض الإسلام، فيلجأون إلى هذا الأسلوب الملتوي.

         فالحركة إذا كانت قائمة على مبدأ الإسلام باجتهاد تام أو تقليد مجزئ لا يمكن الإنكار عليها لأن رأيها يكون إسلامياً ولو خالفناهم وخطأناهم، لأنهم على الأقل عندهم شبهة دليل، ومن عنده الدليل أو شبهة الدليل يناقش في دليله أو شبهة دليله ليرجع إلى الصواب، إلا أنه يبقى رأياً إسلامياً. ولا ينكر على هذه الحـركات أن تتحدث باسم الإسلام وتبين حكم الإسلام في المسألة بناءً على قوة الدليل وانطباقه على المسألة q

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *