العدد 14 - السنة الثانية – العدد الثاني – ذو القعدة 1408هـ، الموافق تموز 1988م

في مواجهة الغزو الفكري صحوة الرجل المريض

في مواجهة الغزو الفكري

صحوة الرجل المريض

هذا العنوان هو عنوان لكتاب (صحوة الرجل المريض أو الخلافة الإسلامية والسلطان عبد الحميد الثاني) لمؤلفه موفق بني المرجة.

بقلم: محمود عبد الكريم حسن

لم يكن سقوط الدولة الإسلامية بمجرد إعلان أو بحركة في يوم وليلة، لقد كان بتخطيط طويل محكم من الغرب الكافر، ولم يؤت ثماره ولم ينته عقد السبعينات إلا والمسلمون يعيشون صحوة إسلامية عامة مطالبة بإيجاد السلطة الإسلامية التي تطبق الإسلام في كافة مناحي الحياة.

فما هي أهم مظاهر هذه الصحوة، والأعمال التي يقوم بها الغرب الكافر لاستيعابها والقضاء عليها؟

لقد بلغ الكفار مبلغاً عظيماً وخطيراً في تخطيطهم للقضاء على خطر الدولة الإسلامية التي كانت تهدد أوروبا وحضارتها إبان الحكم العثماني. فقد بدأت أوروبا في مطلع القرن السابع عشر تسير باتجاه توحيد قواها في وجه الإسلام، اتقاءً للفتوحات الإسلامية وللعقائد والأفكار الإسلامية التي كانت تكتسح كل ما عداها.

وأخذت أوروبا تنحو كل منحى، وتعتمد كافة الوسائل التي تحد من خطر الدولة العثمانية عليها. وبدأت تلاقي نجاحاً في أعمالها. ودبَّت في أوروبا ثورة فكرية وعلمية صناعية، بينما كان الجمود يسيطر على الدولة العثمانية التي ركزت على الفتوحات ووسعت رقعتها، وكان الاجتهاد فيها معطلاً وبالتالي فقد كانت الحركة الفكرية فيها مشلولة.

بدأت أوروبا تبعث بإرسالياتها التبشيرية إلى بلاد المسلمين، وبدأت غزوها الفكري لهم. وبدأت تثير الفتن الطائفية والمذهبية والنعرات القومية والوطنية. وكان الأثر الأكبر لبريطانيا وفرنسا وروسيا في الغزو الفكري واقتطاع بعض أجراء الدولة وتحريض بعض الشعوب على الاستقلال والانفصال. واصطناع عملاء وتأسيس حركات وأحزاب وإنشاء مطابع ونشر صحف… كانت كلها غايتها الفتّ في عضد الدولة الإسلامية.

إلى جانب هذا النشاط الدولي من جانب أوروبا في وجه الدولة الإسلامية، نشطت الحركات الصهيونية والماسونية والتبشيرية، فكثرت المحافل الماسونية وكثر المنتمون إليها، وكان منهم جل أصحاب السلطات والمراكز الهامة في الدولة وكذلك رواد الحركات والجمعيات الإصلاحية والانفصالية وكانت فرنسا تتمتع بامتيازات أعطاها لها السلطان سليمان القانوني حيث كان لها الحق بالتدخل في شؤون الدولة لحماية النصارى. وكان دعاة الانفصالية من العرب يولون بريطانيا ثقة كبيرة، وكان دونمة سالونيك ـ وهم يهود ـ يعملون في الخفاء ويتلقون الدعم الإنكليزي والفرنسي، فقد كانوا ينتمون إلى الجمعيات التركية القومية مثل تركيا والفتاة والاتحاد والترقي والطورانية وإلى الماسونية. وكذلك لعبت الصهيونية دوراً كبيراً من أجل أهدافها بإقامة وطن لليهود في فلسطين. فاتصل هرتزل بالسلطان عبد الحميد الثاني ووسَّط الإنكليز والفرنسيين والألمان من أجل ذلك وفشل فشلاً ذريعاً. فبدأوا يعملون بطرق أخرى ساهمت في أضعاف الدولة وأخذوا يشترون الأراضي في فلسطين عن طريق بعض الملاك.

وقد أدت كل هذه النشاطات المركزة إلى تشتيت هموم السلطان عبد الحميد الثاني ومحاصرته بالأحداث والحركات والعملاء حتى باتت الدولة العثمانية ضعيفة يطلق عليها اسم (الرجل المريض) وربما لم يكن هدف أوروبا في القرن السابع عشر محو الدولة الإسلامية من الوجود، إذ أنها ربما كانت ترى هذا من المستحيلات، ولم تكن تطمع بأكثر من وقف فتوحاتها والاتحاد لوقف تأثيرها عليهم إلا أنها بعد النجاح المنقطع النظير الذي لاقته، وبعد الضعف الشديد الذي دب في جسم الدولة الإسلامية، وبعد نشر الأفكار الغربية عن الإسلام بين المسلمين فإنها وجدت الفرصة سانحة لإلغاء الإسلام من الحياة الدولية بإلغاء الخلافة الإسلامية، وهكذا كان حتى أعلن مصطفى كمال أتاتورك وهو من يهود الدونمة من سالونيك إلغاء الخلافة الإسلامية سنة 1924. وتم تقسيم العالم الإسلامي إلى دول مرتبطة بفرنسا وبريطانيا سياسياً وعسكرياً، واستمر الغزو الثقافي وذاق الغزاة طعم خيرات المنطقة. فنشط الاستعمار الاقتصادي، حتى وقعت بلاد المسلمين بأسرها تحت السيطرة السياسية والعسكرية والفكرية والاقتصادية للغزاة الكفار.

وهكذا لم يكن سقوط الدولة الإسلامية بمجرد إعلان أو بحركة في يوم وليلة، لقد كان بتخطيط طويل ومحكم، عناصره متشعبة، ولم يؤت ثماره إلا بد فترة طويلة ناهزت الثلاثة قرون، إضافة إلى الضعف في فهم الإسلام الذي اتسمت به الدولة الإسلامية إبان حكم العثمانيين.

ولم يتوقف الكفار بعد عن سياستهم الاستعمارية في بلاد المسلمين. فهم مستمرون في أحكام سيطرتهم عليها وفي بث سمومهم وفي استعمال بعض رجال المسلمين لخدمة نفوذهم وللقضاء على الإسلام كعقيدة سياسية ونظام شامل للحياة مصدره الوحي فقط وإن كانت قوى الكفر قد نجحت نجاحاً كبيراً، وأفرزت سياسته واقعاً سياسياً جديداً لبلاد المسلمين، غير مرتبط بعقيدة الإسلام ولا بفقه ولا بأصوله، فإن الأمة الإسلامية لم تصل إلى الفناء، وقامت حركات ودعوات إسلامية هنا وهناك، وفشلت مع الوقت، وقام غيرها وهكذا.

وبفضل طبيعة عقيدة الإسلام السياسية، التي تفرض على المسلم أن يتدخل في شؤون مجتمعه وشؤون المسلمين، وبفضل عقيدة الإسلام، التي تعطي التفسير الصحيح للكون والإنسان والحياة، فإنه لم يتجاوز المسلمون منتصف هذا القرن حتى كانت الحركة الإسلامية العقائدية والسياسية قد أخذت بالانتشار بين المسلمين. وإن كان المسلمون قد أحسوا بالواقع المزري الأليم الذي يعيشونه ويحيط بهم، فإنهم ظلوا يتخبطون وتتقاذفهم تيارات الاشتراكية والعلمانية والقومية… حتى بدأ الإسلام يُطْرَحُ عليهم على شكل أفكار مرتبطة بالعقيدة، وعلى شكل أحكام وعلاجات لمشاكل واقعية تحيط بهم وتحاصرهم.

وعلى الرغم من كل الصعوبات والعقبات التي واجهت الحركة الإسلامية، وعمليات القمع والتعذيب والسجن والقتل والتضييق في العيش التي مورست على الدعاة وعلى أقطاب الحركة الإسلامية، فإن الإسلام عاد ليوقظ المسلمين من سباتهم وليوجه مركز انتباههم إلى الخلافة الإسلامية، وإلى إيجاد السلطة الإسلامية التي تطبق الإسلام في كافة مناحي الحياة فلم ينته عقد السبعينات إلا والمسلمون يعيشون صحوة إسلامية عامة، واتجاهات سياسية إسلامية مختلفة تجتمع كلها في إيجاد الخليفة الذي يطبق الإسلام.

وقد أدرك الكفار وعملاؤهم. والمأجورون وأذنابهم خطورة الوضع الجديد للمسلمين، فأخذوا يعملون على إحباط كل حركة سياسة مرتبطة بالإسلام، وأخذوا يتبعون شتى الوسائل من تنكيل ووحشية، إلى استيعاب وسيطرة وتوجيه، إلى تضليل وتشويه وكافة الممارسات التي ما زال المسلمون يعيشونها ويرزحون تحت نيرها.

وإذا كان معاناة الأمة الإسلامية منذ ما قبل هدم الخلافة وحتى يومنا هذا قد أصبحت أسبابها واضحة ووقائعها جلية، فمن الجدير بنا أن ننظر إلى واقعنا كأمة إسلامية لمعرفة مدى هذه الصحوة ومستوى النضج عند الأمة، وما إذا كانت صحوة فكرية على الإسلام وأحكامه، أو أنها مجرد مشاعر إسلامية، تبحث عن متنفس لها وتجده في تقليد لزعماء وقادة أو مراجع لهم صفة إسلامية بحيث يؤدي هذا التقليد إلى صدور صرخات إسلامية هنا وهناك.

أصبح من العسير إنكار الصحوة، وقد تجلّت مظاهرها في مناسبات عديدة، وبوسائل شتى، فإن تنامي الحركات الإسلامية وتعددها هو أحد هذه المظاهر، وهو دليل على وفرة الذين يفكرون في تغيير الواقع إلى واقع إسلامي بغض النظر عن الاختلاف في وجهات النظر وفي طريقة الوصول إلى الحكم الإسلامي. إن عودة المسلمين إلى الالتزام بدينهم من خلال ما نشاهده من النجاح الذي تحققه الاتجاهات الإسلامية على صعيد انتخابات طلابية ونقابات في أكثر من مكان، وعودة المساجد لتمتلئ بالشباب، وازدياد أعداد النساء المتحجبات في المدن الإسلامية وغيرها، كل هذا دليل على الصحوة.

إن مطالبة بعض الحركات الإسلامية بأن يكون لها دستور إسلامي وقوانين وأنظمة إسلامية دليل على صحوة وعلى تفكير جدي وعملي.

إن خالد الاسلامبولي وأصحابه واليافطة التي رفعوها من خلف القضبان (الخلافة أو الموت) ورد الفعل الذي أحدثوه في الشارع المصري وفي كافة بلاد المسلمين لهو دليل على الصحوة.

إن ترحيب الأمة الإسلامية قاطبة بالخميني لدى وصوله إلى إيران وترقبها للحكم الإسلامي المنتظر لهو دليل على الصحوة، وعلى استعدادات الأمة للتضحية للوصول إلى الإسلام خلف أي قائد يطبق الإسلام.

وإن انفضاض الأمة في أكثر بلاد المسلمين عن تأييدها للخميني والنظام الإيراني، وخيبة أمل معظم الحركات الإسلامية، بعد وضع الدستور الإيراني، وبعد متابعة السياسة الإيرانية لهو دليل عافية ودليل صحوة.

إن إدراك قطاعات عريضة من الأمة، ومستويات مختلفة منها أن النظام الجمهوري ليس نظاماً إسلامياً، وأن الإسلام ليس ديمقراطياً ولا يؤمن بالقومية ولا بالوطنية، وأن الأمة الإسلامية أمة واحدة، وظهور هذا الفهم من خلال كتابات كثيرة على كافة المستويات، لهو دليل صحوة ووعي على أفكار الإسلام. وغير ذلك كثير مما لا يسعنا حصره.

ولكن، ومع ذلك كله، فطالما أن الحكم الإسلامي لم يوجد بعد، وطالما أن التحرك الجماهيري لم يبلغ بعد المستوى المطلوب ليؤثر في إيجاد الحكم الإسلامي، نستطيع أن نقول أن الصحوة الإسلامية لم تبلغ المستوى، نستطيع أن نقول أن الصحوة الإسلامية لم تبلغ المستوى المطلوب بعد، وما زالت تحتاج إلى رعاية وتوجيه واهتمام لتزداد وتعم. وما زالت تحتاج إلى حماية من المأجورين والمشبوهين، ومن العملاء والدخلاء المدسوسين الذين يرسمون للانحراف بالمسلمين عن جادة الصواب ولتشويه وجه الإسلام وتصويره وكأنه يشبه الديمقراطية والجمهورية أو أنه لم يتضمن نظاماً مفصلاً للحكم وللعلاقات الدولية.

ولا بد من الإشارة بمثل بسيط، تمثيلاً لا حصراً إلى ما يبذل حالياً على الصعيد الإعلامي وحده لاستيعاب الصحوة والقضاء عليها عن طريق بعض الكتاب أمثال فهمي هويدي، وعصمت سيف الدولة، نور فرحات، أحمد كمال أبو المجد وغيرهم كثير. إن كاتباً مثل فهمي هويدي الذي يعتبر أن القومية العربية هي إحدى دعائم النهضة الإسلامية، والذي يسخر من العلماء الذين أجابوه بأن توماس كافر ومن أهل النار إن لم يكن اعتنق الإسلام، إذ لا يعجبه أن يكون اديسون الذي قدم خدمات جليلة للبشرية من أهل النار، فهمي هويدي هذا الذي يحارب هذا الفهم (التقليدي) للإسلام والذي يستغرب الدعوة إلى إقامة الخلافة، تقوم وسائل الإعلام بترويج مقالاته الكثيرة في شؤون الخلافة والحكم والشورى والديمقراطية والصحوة والحركات الإسلامية في وقت واحد في صحف (الأهرام) و(السياسة) الكويتية و(الدستور) الأردنية و(الخليج) الإماراتية، إلى جانب الدس والسموم التي ينفثها في مجلة «العربي» وغيرها.

وكما أسلفت فإن هذا مثل على ما يراد بالصحوة الإسلامية من انحراف. فالصحوة إذن بحاجة إلى حماية فضلاً عن الرعاية.

هذا عدا عن الظواهر المشاهدة لجهة الانحطاط في فهم الإسلام، ولجهة عدم جعل العقيدة الإسلامية أساساً للتوجه وللتحرك في قطاعات كبيرة من الأمة الإسلامية، حيث نشاهد الارتباط قائماً برجال وقادة أو زعماء لهم صفة إسلامية، فيرتبط بهم المسلمون، أو ينخرطون تحت قيادتهم بدافع من مشاعر إسلامية، وليس بدافع أحكام شرعية مرتبطة بأدلتها، مبنية أساساً على العقيدة الإسلامية، ومن أمثلة ذلك الحرب العراقية ـ الإيرانية التي يعتبرها مؤيدو إيران حرباً إسلامية، إلى جانب الرضا والسكوت عن بعض ما ورد في الدستور الإيراني، وإلى جانب التحالفات السياسية القائمة مع إيران.

ناهيك عن بعض الحركات الإسلامية أو بالأحرى الجماعات التي لا يهمها من أمر الواقع السياسي للأمة الإسلامية في شيء. فهي لا تهتم إلا بالعبادات والأخلاق أو بإثارة الفتن الكلامية.

وفي هذا المعرض أقول، إن التقليد الأعمى للقادة بغض النظر عن أسس ودوافع أقوالهم وأفعالهم، وتنامي الجماعات الكلامية والمثبطة عن العمل لإيجاد واستئناف الحياة الإسلامية هو مظهر من مظاهر الطفرة ـ ليس الصحوة ـ التي لا تؤدي في النهاية إلا إلى إفراغ مخزون الجهد والحماس والقعود عقوداً مديدة أخرى تحت نير حكم العملاء وأعداء الإسلام.

لذلك فإني أركز على أن الصحوة الإسلامية تحتاج إلى اهتمام كبير لرعايتها وحمايتها وتنميتها أو إنضاجها.

وهي ـ في هذا المجال ـ تحتاج إلى صراع فكري مستمر في وجه العملاء والمأجورين، مروجي أفكار الكفر، الساعين لإحباط الأمة الإسلامية، وتحتاج إلى توضيح وتبيين لأحكام الإسلام مربوطة بأدلتها الشرعية، لهدم الفاسد من الأفكار ولتبيان الحق من الباطل، ولدفع المسلمين إلى العمل.

وإنه وإن كان هذا العمل قائماً ويؤتي ثماره، إلا أنه كما أسلفت ما زال يحتاج إلى قدر أكبر من العمل، وذلك عن طريق تكثيف بث الأفكار الإسلامية في صفوف الأمة، ولا بد من اختراق كافة الحواجز التي تقام في طريق الدعوة الإسلامية الصحيحة، مهما كانت ضخمة ومحكمة. ولا بد من إدراك أن أثر الإعلام اليوم بالغ وكبير، والفشل على صعيد الإعلام هو فشل للحركة الإسلامية ينعكس على الأمة. فلا بد من تكثيف الإعلام الإسلامي الصحيح والواعي وكشف الوجه الحقيقي لأولئك الأصنام والرموز الذين انبروا ليحبطوا المسيرة اليقظة، وليرضوا أسيادهم الذين ما فتئوا يسعون لفناء الإسلام والقضاء عليه، فلا بد من كشف زيف أفكارهم الغربية.

ولذلك فإنا نهيب بكل المسلمين، المثقفين المخلصين أن يهبوا لنصرة دينهم ولهدم أفكار الكفر أمام أعين الأمة والتصدي لكل من يريد بالأمة سوءاً. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك هو أضعف الإيمان» وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.

شاهد أيضاً

waie383

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (383)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (383) ذو الحجة 1439هـ – آب/أغسطس 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *