العدد 361 - السنة الواحدة والثلاثين – صفر 1438هـ – تشرين الثاني 2016م

قيمة الوعي السياسي في حياة الأمة (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

قيمة الوعي السياسي في حياة الأمة (1)

 

شايف صالح الشرادي – صنعاء

الوعي السياسي هو النظرة إلى العالم من زاوية خاصة وهي زاوية العقيدة الإسلامية بالنسبة لنا كمسلمين  زاوية ((لا إله إلا الله  محمد رسول الله)). روى البخاري ومسلم «عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسُول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله ألا الله وأن مُحمدًا رسُول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى» فهذا هو الوعي السياسي.

فالوعي السياسي لا يعني الوعي على الأوضاع السياسية أو على الموقف الدولي أو على الحوادث السياسية أو تتبع السياسة الدولية والأعمال السياسية، وإن كان ذلك من مستلزمات كماله. فالنظرة إلى العالم من زاوية خاصة هو الوعي السياسي. والنظرة إلى العالم، من غير زاوية خاصة، تكون سطحية، وليس وعيًا سياسيًا. واقتصار النظرة إلى المجال المحلي أو المجال الإقليمي تفاهة وليس وعيًا سياسيًا. ولا يتم الوعي السياسي إلا بتوفر العنصرين:

1- أن تكون النظرة إلى العالم كله.

2-  أن تكون هذه النظرة من زاوية خاصة محددة هي بالنسبة للمسلم زاوية العقيدة الإسلامية.

والوعي السياسي يتحتم عليه أن يخوض النضال ضد جميع الاتجاهات التي تناقض اتجاهه، وضد المفاهيم التي تناقض مفاهيمه. ويسير في اتجاهين في آنٍ واحد، لا ينفصل أحدهما على الآخر في النضال قيد شعرة، فهو يحطم ويقيم، ويهدم ويبني، ويبدد الظلام ويشعل النور، ويخوض النضال ضد المطاعن التي تهاجم مفاهيمه عن الحياة، وضد مفاهيم الأعماق التي جاءت من العصور الهابطة، وضد التأثير التضليلي الذي يبثه الأعداء عن الأفكار والأشياء، وضد اختصار الغايات السامية والأهداف البعيدة بغايات جزئية وأهداف آنية… فهو يناضل في جبهتين داخلية وخارجية، ويناضل في اتجاهين اتجاه الهدم واتجاه البناء، ويعمل في صعيدين: صعيد السياسة وصعيد الفكر. وبالجملة هو يخوض معترك الحياة في أسمى ميادينها وأعلاها. فالرسول صلى الله عليه وسلم كانت الزاوية الخاصة التي ينظر منها إلى العالم هي نشر الدعوة. فقريش كانت الدولة الكبرى في شبه الجزيرة العربية وكانت هي رأس الكفر في الوقوف في وجه الدعوة، فحصر الرسول صلى الله عليه وسلم أعماله السياسية والحربية فيها، فكان يرسل العيون لترصدها ويتعرض لتجارتها ويشتبك معها في معارك الحرب، وكان يكتفي من باقي الدول بالوقوف على الحياد. فأعماله السياسية والعسكرية كانت تصدر عن النظرة إلى العالم من زاوية خاصة. وحين علم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن خيبر تسعى لعقد حلف مع  قريش لمهاجمة المدينة وسحق الدولة الإسلامية فيها حدد الرسول صلى الله عليه وسلم زاوية العمل بأن يهادن قريشًا أو يصالحها لسحق خيبر، فعقد صلح الحديبية مع قريش، ثم قضى على سلطان خيبر السياسي، فلما نقضت قريش الصلح قام بفتح مكة .

 والوعي السياسي أمر في منتهى البساطة، وهو ميسور لكل الناس حتى العوام والأميين، فليس المطلوب الإحاطة بالإسلام كله وبما في العالم من أعمال سياسية، وإنما المطلوب أن يتخذ زاوية خاصة للنظرة إلى العالم. والوعي السياسي ليس خاصًا بالسياسيين والمفكرين وإنما هو عام، وطريقة إيجاد الوعي السياسي في الأفراد والأمة هو التثقيف السياسي؛ وذلك بتثقيفهم بأحكام الإسلام لإنزالها على الوقائع وتتبع الأحداث السياسية ليس لمعرفة الأخبار، بل للنظر إليها من زاوية خاصة لإعطائهم الحكم الذي يراه. فالتثقيف السياسي هو الذي ينبت حشدًا من السياسيين المبدعين.

أهمية الوعي السياسي وقيمته في حياة الأمة:

الفكر المبدئي هو الذي يؤدي إلى النهضة المادية، بينما الفكر المستنير هو الذي يؤدي إلى النهضة الصحيحة التي تحقق القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية والمادية. والإسلام هو المبدأ الوحيد الذي يؤدي إلى النهضة الصحيحة لأنه فكر مستنير منبثق من عقيدة صحيحة موافقة للفطرة ومبنية على العقل. والإسلام نظام متكامل لجميع شؤون الحياة، وهو المنقذ الوحيد للبشرية من ظلم الأنظمة الوضعية والمبادئ الفاسدة؛ إلا أن تحقيق ذلك في الواقع وتطبيقه في كل شؤون الحياة لا بد له من وجود دولة إسلامية تطبقه وتحمله رسالة نور وهدى إلى العالم بالدعوة والجهاد، وهذا لا يتأتى إلا بوجود الوعي السياسي عند أبناء الأمة كلها أو عند حزب سياسي مبدئي على الأقل فيها يقوم على أساس العقيدة الإسلامية، ويلتزم في كل أعماله بالأحكام الشرعية، ويواصل الليل بالنهار لصبغ الأمة بالوعي السياسي الذي ينير طريق الوصول إلى إقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي تحكم بالإسلام في كل شؤون الحياة. والوعي السياسي لا يوجد عند أبناء الأمة الإسلامية فيحركها ذلك للعمل الجاد للتغيير الجذري إلا بوجود ذلك الحزب السياسي المبدئي الذي يقوم على أساس العقيدة الإسلامية، ويلتزم في كل أعماله بالأحكام الشرعية المنبثقة من العقيدة الإسلامية، ولديه السياسي المتميز، ويحمل مشروع الأمة ((الخلافه الراشدة)) بجدية، ويسعى إلى تطبيق الإسلام عليها من خلالها، ولديه الصفات بأن يكون حزبًا سياسيًا عالميًا مبدئيًا، وبأن تكون طريقته سياسية، وأن يعمل لإقامة الخلافه بطريقة شرعية وليست عقلية، وأن يكون لديه أمير واجب الطاعة فيما أمَّر فيه. ويسعى إلى إنهاض الأمة الإسلامية من الانحدار التي وصلت إليه، وتحريرها من أفكار الكفر وأنظمته وأحكامه ومن سيطرة الدول الكافرة على نفوذهم بتغيير الأفكار والمفاهيم التي أدت إلى انحطاطها تغييرًا أساسيًا شاملًا، وإيجاد أفكار الإسلام ومفاهيمه الصحيحة لديها حتى تكيف سلوكها وفق أحكام الإسلام، ولا تصل الأمة إلى نهضتها الصحيحة المنشودة إلا بالوعي السياسي الذي ينير الطريق لتسير الأمة بمبدئها إلى التطبيق فتنهض بهِ من جديد.

ولتوضيح قيمة الوعي السياسي في حياة الأمة ومكانتها الكبيرة وأهميته البالغة نستعرض بعض أثار وجود الوعي السياسي الإيجابية على الأمة، وكذلك بعض الآثار السيئة على الأمة نتيجة غياب الوعي السياسي  وتفشي الغباء السياسي في حياة المسلمين:

آثار وجود الوعي السياسي في حياة الأمة:

أولًا: الوعي السياسي يجعل الأمة ترفض حكم غير الإسلام.

عندما يتمكن الوعي السياسي من أذهان المسلمين فإنهم لا يرون نظامًا صحيحًا يرعى شؤونهم غير الإسلام، ولا يرون طريقة لتطبيقه والحكم به وحمله إلى العالم إلا دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، ويرفضون فصل الإسلام عن حياتهم، ويأبون الاحتكام إلى غير شريعته والسير على غير منهجه، ولا يقبلون بالقوانين الوضعية كالديمقراطية ودولتها المدنية، ولا بالرأسمالية وقوانينها العفنة، ولا بالاشتراكية وقوانينها الفاسدة… وغيرها من القوانين التي لا تحكم بقوانين رب البشر؛ وذلك لإيمانهم بأنها قوانين كفر حرم الإسلام الاحتكام إليها، قال الله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) فالإسلام لم يحرم الاحتكام إلى الطاغوت (القوانين الوضعية) فحسب، بل أوجب الكفر بها تمامًا كما حرم الاحتكام إليها. فمثلًا عندما تمكن الوعي السياسي  من عقول أهل الشام وقلوبهم رفضوا الاحتكام إلى جميع القوانين الوضعية من مدنية وعلمانية وديمقراطية وغيرها… وقالوا بملء أفواههم «الأمة تريد خلافة من جديد» فتآمرت عليهم دول الكفر وعملاؤهم، وفي مقدمتهم أميركا وروسيا ودول أوروبا، وحرضت أميركا عميلها المجرم بشار وإيران وأحزابها على القتل الممنهج لأهل الشام الأبرار، فلما فشلوا اتفقت مع روسيا على أن تدخل روسيا لتفتك بأهل الشام وتنفذ سياستها القذرة المتمثلة في سياسة الأرض المحروقة لتقوية نيرون الشام، ولكن كل مؤامراتهم ستكون إلى زوال، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال. وإن ثورة الأمة في الشام عُقر دار الإسلام ستنتصر، والخلافة ستقوم بإذن الله، سواء في الشام ابتداء أم في غيرها، فالخلافة أصبحت مطلب أمة.

ثانيًا: الوعي السياسي يحافظ على كيان الدولة ويمنع تمزق الأمة إلى كيانات سياسية.

لم يستطع الكفار تمزيق الأمة الإسلامية إلى كيانات سياسية إلا عند غياب الوعي السياسي عند أبنائها. فالوعي السياسي كان عاملًا دائمًا على حفظ  كيان الدولة، ومانعًا من تمزق وحدتها إلى كيانات سياسية والأمثلة في تاريخ الأمة كثيرة نكتفي منها بمثالين:

1- عندما أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معلم البشرية الذي أرشدنا إلى أن نتميَّز بالوعي السياسي، أن قريشًا وخيبر تسعى إلى إبرام اتفاق لمهاجمة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة للقضاء عليها وهدم كيانها… فإنه سعى صلى الله عليه وسلم لإفشال تلك المحاولة الخبيثة وذلك بانتزاع صلح الحديبية من قريش وهم كارهون، فأفشل المؤامرة وتفرَّغ لحرب يهود خيبر وحصارهم، فأسقط جميع حصونهم، وقضى على سلطانهم السياسي. ثم لما نقضت قريش الصلح قام بفتح مكة. وبهذه الخطة السياسية المـُحكمة نجح الرسول صلى الله عليه وسلم بوعيه السياسي من إفشال الحلف بين قريش وخيبر، والقضاء على كيانهم السياسي، الواحدة تلو الأخرى، والحفاظ على دولة الإسلام من خطرهم.

2- عندما حاصرت جيوش الأحزاب المدينة وقطعت عن أهلها المياه والقوت، وشعر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه وقع بين فكي العدو: فقريش وغطفان معسكرون قبالة المسلمين من خارج المدينة، وبنو قريظة متربصون ومتأهبون خلف المسلمين في داخل المدينة، ثم إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض طفقوا ينفضون من حول النبي صلى الله عليه وسلم جماعة تلو جماعة بحجة الخوف على نسائهم وأولادهم وبيوتهم من هجمة يشنها عليهم بنو قريظة إذا نشب القتال… حتى لم يبقَ مع الرسول إلا بضع مئات من المؤمنين الصادقين. وفي ذات ليلة من ليالي الحصار تسلل نعيم بن مسعود من معسكر قومه تحت جنح الظلام ومضى يحث الخُطا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ماثلًا بين يديه قال: «نعيم بن مسعود؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: «وما الذي جاء بك في هذه الساعة». قال: جئت لأشهد أن لا إله الا الله وأنك عبد الله ورسوله، وأن ما جئت به حق، ثم أردف يقول: لقد أسلمت يا رسول الله، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فأمرني بما شئت، فقال عليه الصلاة والسلام «إنما أنت فينا رجل واحد، فاذهب وخذل إن استطعت، فإن الحرب خدعة».

وهنا ظهرت مهارة الرجل السياسي الواعي الذي نظر إلى ما يحدث من زاوية خاصة هي زاوية العقيدة. فقد رسم خطة سياسية مذهلة، وتتلخص في تفكيك الحلف الذي يحاصر المدينة ويهدف إلى هدم كيان الدولة الإسلامية .فمضى نعيم بن مسعود من توِّه إلى بني قريظة، وكان لهم صاحبًا ونديمًا، فقال لهم: يا بني قريظة، لقد عرفتم ودي لكم وصدقي في نصحكم. قالوا: نعم. فما أنت عندنا بمتهم. فقال إن لقريش وغطفان في هذه الحرب شأنًا غير شأنكم. فقالوا: كيف؟!. فقال: أنتم هذا البلد بلدكم، وفيه أموالكم أبناؤكم ونساؤكم، وليس بوسعكم أن تهجروه إلى غيره. أما قريش وغطفان فبلدهم وأموالهم وأبناؤهم ونساؤهم في غير هذا البلد، جاؤوا لحرب محمد، ودعَوكم لنقض عهده ومناصرتهم عليه فأجبتموهم، فإن أصابوا نجاحًا في قتاله اغتنموا، وإن أخفقوا في قهره عادوا إلى بلادهم آمنين وتركوكم له فينتقم منكم شر انتقام، وأنتم تعلمون أنكم لا طاقة لكم به إذا خلا بكم، فقالوا: صدقت، فما الرأي عندك؟! فقال الرأي عندي ألا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا طائفةً من أشرافهم وتجعلوهم رهائن عندكم، وبذلك تحملونهم على قتال محمد معكم إلى أن تنتصروا عليه أو يفنى أخر رجل منكم ومنهم، فقالوا أشرت ونصحت. ثم خرج من عندهم وأتى أبا سفيان بن حرب قائد قريش وقال له ولمن معه: يا معشر قريش لقد عرفتم ودي لكم وعداوتي لمحمد، ولقد بلغني أمر، فرأيت حقًا علي أن أفضي به إليكم نُصحًا لكم، تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، وعزمنا أن نعود إلى معاهدتك ومسالمتك فهل يرضيك أن نأخذ لك من قريش وغطفان رجالًا كثيرًا من أشرافهم ونسلمهم إليك لتضرب أعناقهم ثم ننضم إليك في محاربتهم حتى تقضي عليهم، فأرسل إليهم يقول نعم. فإن بعثت اليهود تطلب منكم رهائن من رجالكم فلا تدفعوا إليهم أحدًا. فقال أبو سفيان: نعم الحليف أنت وجُزيت خيرًا. ثم خرج نعيم من عند أبي سفيان ومضى حتى أتى قومه غطفان فحدثهم بمثل ما حدث به أبا سفيان. فأراد أبو سفيان أن يختبر بني قريظة فأرسل إليهم ابنه، فقال لهم إن أبي يُقرئكم السلام ويقول لكم إنه قد طال حصارنا لمحمد وأصحابه حتى مللنا، وإننا قد عزمنا على أن نقاتل محمدًا ونفرغ منه، وقد بعثني أبي ليدعوكم إلى منازلته غدًا، فقالوا إن اليوم سبت ونحن لا نعمل فيه شيئًا، ثم إننا لا نقاتل معكم حتى تعطونا سبعين من أشرافكم وأشراف غطفان ليكونوا رهائن عندنا فإننا نخشى إن اشتد عليكم القتال أن تسرعوا إلى بلادكم وتتركونا لمحمد وحدنا، وأنتم تعلمون أنه لا طاقة لنا به. فلما عاد ابن أبي سفيان إلى قومه وأخبرهم بما سمعه من بني قريظة قالوا بلسان واحد: خسئ أبناء القردة والخنازير، والله لو طلبوا منا شاةً رهينة ما دفعناها إليهم، وهكذا نجح نعيم بن مسعود في تمزيق صفوف حلف الأحزاب وتفريق كلمتهم، وأرسل الله على قريش وأحلافها ريحًا صرصرًا عاتية جعلت تقتلع خيامهم وتقلب قدورهم وتطفئ نيرانهم وتصفع وجوههم وتملأ عيونهم تُرابًا فلم يجدوا مفرًا من الرحيل. ثم قام الرسول صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني قريظة من المدينة جزاء نقضهم للعهد بعد حصارهم 25 يومًا، فاستتب الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين في المدينة وما حولها استتبابًا جعل العرب تخافهم وترهب جانبهم.

ثالثًا: الوعي السياسي يبرز هيبة الدولة عندما تمر بنقاط ضعف:

قد تمر الدولة الإسلامية بنقاط ضعف بعد هيبة وقوة يخشاها الأعداء، فيؤدي ذلك الضعف إلى طمع الأعداء فيها لإضعافها أو إذلالها أو نهب خيراتها أو القضاء عليها. وهنا يبرز دور الوعي السياسي عند قادتها. ومن الأمثلة على ذلك :

1- بعد أن انتصر المسلمون في بدر انتصارًا ساحقًا ارتفع شأن دولة الإسلام وقوي سلطانها وأصبح أعداؤها يخشون سطوتها؛ لذلك دب الرعب في قلوبهم وامتلأت حقدًا على الإسلام والمسلمين، وكان اليهود أكثر الأعداء حقدًا، وكان الجميع يترقبون أي نقطة ضعف تمر بها الدولة الإسلامية ليشفوا غليلهم منها ويتحينوا الفرصة للقضاء عليها، فعندما خالف الرماة أوامر الرسول ونزلوا من الجبل في غزوة أحد حلت الهزيمة بالمسلمين بعد النصر المؤزر في بداية المعركة، وكادت تسقط هيبة المسلمين وهيبة دولتهم عند الكفار الذين بدؤوا يتنكرون للمسلمين و يناوئونهم، وكانت تظهر على المسلمين آثار الهزيمة حتى بعد مطاردة المشركين حتى حمراء الأسد، إلا أن الرسول بحنكته السياسية عمل على استعادة هيبة الدولة الإسلامية في نفوس أعدائها وأخذ يعمل جاهدًا لإزالة آثار هذه الهزيمة لكل من تحدثه نفسه باستصغار المسلمين أو النيل منهم، فقد بلغه بعد شهر من أحد أن بني أسد يريدون مهاجمة المدينة ليغنموا من غنم المسلمين التي تُرعى حول المدينة، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهاجمهم في عُقر دارهم قبل أن يهجموا، فأرسل سرية تتكون من 150 من خيرة أبطال المسلمين بقيادة أبي سلمة، وأمرهم أن يستخفوا نهارًا وأن يسلكوا الطريق غير المطروق حتى لا يطلع أحد على خبرهم ليفاجئوا العدو على غرة منه، وسار أبا سلمة بالسرية حتى وصل بني أسد وأحاط بهم في الصباح فأوقعوا بهم حتى هزموهم وانتصروا عليهم وأخذوا أموالهم غنائم، ورجعوا إلى المدينة ظافرين وقد أعادوا إلى النفوس هيبة المسلمين وسطوتهم وهيبة دولتهم .

2- بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن خالد بن سفيان الهُذلي مقيم بعرنة أو نخلة يجمع الناس ليغزوا المدينة فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليه عبد الله بن أُنيس، فأنفرد بخالد الهذلي فقتله، وبقتله هدأت بنو لحيان من هذيل، وأمن الرسول صلى الله عليه وسلم شر غزوه وجمعه العرب لقتاله، فكان لهذه المعالجة أثر في منع العرب من مهاجمة المدينة؛ إلا أنها لم تقضِ على استهانة العرب بسلطان المسلمين بعد أُحد، ففكر الرسول صلى الله عليه وسلم بالطريقة التي يعالج بها هؤلاء العرب لإعادة هيبة المسلمين في نفوسهم، لما كانت هزيمة أُحد قد أثرت في داخل المدينة، فقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم، القائد السياسي المحنك، أن يعالج الأحوال الداخلية أولًا، ثم بعد أن يطمئن إلى معالجتها يقوم بمعالجه شؤون العرب والأمور الخارجية. فأما ما حدث في داخل المدينة، فإن اليهود والمنافقين قد أضعفت هزيمة أُحد وحوادث الرجيع وبئر معونة هيبة المسلمين في نفوسهم وصاروا يتربصون بالرسول صلى الله عليه وسلم الدوائر؛ لكن الرسول صلى  الله عليه وسلم كشف عن نياتهم باستدراجهم حتى ظهرت مؤامراتهم ضده؛ فقام بإجلائهم وتأديبهم، وحسم أمر السياسة الداخلية فعادت هيبة المسلمين إلى النفوس. ثم التفت الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى السياسة الخارجية فكان أن تحدَّى قريش في غزوة بدر الآخرة فلم تجرؤ على مقابلته؛ وذلك حين استدار العام منذ أُحد، فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مقولة أبي سفيان «يوم بيوم بدر والموعد العام المقبل» فجهز المسلمين، واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن سلول، وسار بالمسلمين حتى نزلوا بدرًا ينتظرون قريشًا مستعدين لقتالها، وخرجت قريش مع أبي سفيان من مكة في أكثر من ألفي رجل؛ ولكنه ما لبث أن رجع ورجع الناس معه، وأقام الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر ثمانية أيام متتابعة ينتظر قريشًا، فلم تأتِ وبلغه نبأ رجوعها، فعاد المسلمون منتصرين، ثم حمل الرسول صلى الله عليه وسلم على غطفان بنجد ففروا من وجههِ وتركوا أموالهم ونساءهم فغنمها المسلمون وعادوا إلى المدينة، ثم خرج إلى دومة الجندل على الحدود ما بين الحجاز والشام ليؤدب القبائل التي كانت تغير على القوافل؛ ولكنها لم تقاتله فأخذها الفزع وولت من وجهه وتركت أموالهم، فأخذها المسلمون وعادوا ظافرين. وبهذه الغزوات الخارجية والتأديبات الداخلية في المدينة استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعيد هيبة الدولة الإسلامية إلى نفوس العرب واليهود، وأن يمحوا آثار هزيمة أُحد محوًا تامًا.

3- عندما انتقل الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه وتولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة، ظنت كثير من القبائل والدول أنه يمكن القضاء على الإسلام بموت صاحب الرسالة؛ فارتدت بعض القبائل عن الإسلام، وامتنعت بعضها عن دفع الزكاة، وبدأت الروم تستعد لمهاجمه المدينة لهدم الدولة الإسلامية (الخلافة الراشدة) فعرض بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين على الخليفة أبي بكر الصديق أن يهادن بعض القبائل؛ ولكنه رفض واتخذ قراره السياسي الحازم الذي يدل على وعيه السياسي فقال قولته المشهورة «والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه»، ثم جهز الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه جيوشًا لمحاربة المرتدين، وبعث جيش أسامة لمحاربة الروم فقضى على الردة وألقى الرعب في قلوب الروم والمنافقين؛ فاستعاد المسلمون هيبتهم وهيبة الخلافة الراشدة، وأصبح الأعداء يحسبون لها ألف حساب.

4- عندما رفض نقفور فوكاس ملك الروم دفع الجزية للخلافة العباسية، أرسل إليه الخليفة هارون الرشيد جيشًا فهزمهم شر هزيمة فدفعوا للخلافة العباسية الجزية من جديد أذلة صاغرين فأعاد، هارون الرشيد هيبة دوله الخلافة في نفوس الروم.

رابعًا: الوعي السياسي يرسخ الولاء المشروع عند المسلمين ويطرد الولاء الممنوع:

لا يختلف اثنان لدى كل منهما عقل مفكر أن الولاء الصحيح المشروع هو الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين أي الولاء للإسلام فالمسلم يجب أن يوالي لله ويعادي لله، ويحب لله ويبغض لله، وتكون حياته كلها لله مسيرة حسب أوامره ونواهيه، ويجاهد الكفار من وراء خليفة في سبيل الله ، قال رسول الله عليه وسلم :»ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه ألا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» متفق عليه

وأن أي ولاء غير الولاء للإسلام هو خطر كبير وشر مستطير، وجزاء من يموت وهو يوالي غير الله جهنم وبئس المصير، كيف لا وهو ولاء لغير الله رب البرية، وهو أثم ومعصية ووثنية وعبادة أصنام ورجعية، فكل ولاء للوطن أو القبلية أو القومية أو الحاكم  العميل أو القائد أو الزعيم…فإن من يفعل ذلك فقد اتخذ من دون الله أندادًا،  قال تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ )

نعم، إن الوعي السياسي يغرس ويثبت ويرسخ عند المسلم الولاء الفطري الطبيعي، وهو الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، أي الولاء للإسلام. كما أن الوعي السياسي ينزع ويطرد الولاء الذي صنعه البشر ليحل محل الولاء الذي أوجبه رب البشر، فالوعي السياسي يرسخ عند المسلمين الولاء المشروع ويطرد الولاء الممنوع.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *