العدد 57 - السنة الخامسة – العدد 57 – جمادى الآخرة 1412هـ الموافق كانون الثاني 1992م

عقبات أمام الحكم الاسلامي في الجزائر

نذكر العقبات لنرى كيف نتخطاها، وندعو الله أن يلهمنا ويلهم من يتولون الأمور الرشد وأن يجعل النصر والتوفيق حليفنا لإقامة خلافة راشدة تغز الإسلام وأهله وتذل الكفر وأهله.

العقبة الأولى: هي أن دول الغرب الاستعمارية الكافرة لا تسمح للمسلمين أن يقيموا دولة إسلامية، لأن مثل هذه الدولة ستبعث الحياة من جديد في الأمة الإسلامية وستطرد الاستعمار والنفوذ الغربي، وستوجه ضربة قاصمة للحضارة الغربية. ولذلك فليس من الصحيح أن يعتمد المسلمون على طريقة الانتخابات للوصول إلى الحكم الاسلامي. وإذا كان بإمكان أهل الجزائر الوصول إلى الحكم الاسلامي عن طريق الانتخابات فلا بأس وهو أمر جيد وأمر يقره الشرع الاسلامي، ولكن المستغرب هو أن تسكت دول الغرب عن وصول المسملين إلى الحكم الاسلامي عن طريق الانتخابات. ولكن إذا عُرف السبب بَطل العجب. والسبب هو أن بعض الدول الغربية (أي أميركا) تريد إسقاط النظام الجزائري الموالي لفرنسا والدول الأوروبية، وبعد ذلك تعمل على احتواء النظام الاسلامي وتسخيره أو إسقاطه.

إذاً فإن على قادة الجبهة الإسلامية للانقاذ أن يكونوا حذرين كل الحذر من محاولات أميركا لاحتوائهم وتسخيرهم. أميركا عندها وسائل كثيرة للاحتواء والاغراء، وستحاول استخدام بلاد اسلامية لاحتواء قادة الجبهة الإسلامية للانقاذ.

العقبة الثانية: هي أن الجيش حسب الظواهر ليس مع الجبهة الإسلامية للانقاذ. والحقيقة أن الذي لا يأخذ الجيش لا يأخذ السلطة. وقد رأينا أن الصادق المهدي في السودان أخذ في الانتخابات نسبة كبيرة، وشكل الحكومة، ولكنه لم يستطع أن يسيطر على الجيش. ولذلك لم تكن السلطة الحقيقية في يده.

الجيش في الجزائر هو من جنس الشعب تماماً. الجنود هم أبناء الشعب، أفكارهم ومشاعرهم وقناعاتهم وتطلعاتهم ومشاكلهم هي نفسها الموجودة عند الشعب. الشعب الجزائري اختار الإسلام ونبذ ما عداه. إذاً الجيش أيضاً يختار الإسلام وينبذ ما عداه. ولكن الجيش له قيادة وعنده انضباط وطاعة لقائده. وقائده ما زال الحكومة العلمانية الحاضرة والرئيس العلماني الحالي. وعندما تصبح في الجزائر حكومة اسلامية وتصبح القيادة السياسية للجيش قيادة اسلامية، فإن الجيش سيكون مع قيادته الإسلامية وسيكون درعها الأمين.

العقبة الثالثة: هي عقبة تهيئة (الكوادر) التي ستتولى دفة الحكم والإدارة في الدولة الإسلامية. والواقع أن هذه ليست عقبة حقيقية. فالكوادر الموجودة الآن في الدولة العلماينة ستكون هي نفسها (أو غالبيتها) الكوادر في الدولة الإسلامية. فرجال الأمن الداخلي والقضاة ورجال الادارة في مختلف ادارات الدولة والمدرسون.. كل هؤلاء (إلا القليل منهم) لا بد أن يبقوا في مراكزهم، والذي يحتاج إلى تغيير هو القوانين التي يعملون بموجبها. الأفراد القليل الذين لا بد من تغييرهم لا يوجدون عقبة كبيرة.

أما رجالات الحكم الحالي فإن القسم الأكبر منهم لا بد من تغييرهم. والذي يستعد منهم أن يلتزم بتطبيق النظام الاسلامي فلا ما نعي من بقائه في السلطة الجديدة.

العقبة الرابعة: هي إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية. وهنا لا يجوز للسلطة الإسلامية الجديدة أن تدغدع رغبات الناس وتصوّر لهم أن تطبيق الإسلام سيحل لهم فوراً كل مشاكلهم الاقتصادية. هذه المشاكل هي وليده أنظمة سابقة. ولا بد من دعوة الناس إلى التقشف والصبر وزيادة العمل من أجل الانتاج والاكتفاء. أما الديون فلسنا مستعدين لسدادها الآن، وعلى أصحابها أن يصبروا. وإذا أوقفوا عنا القروض الجديدة فليفعلوا. وإذا استعدت بعض البلاد التي تنصبها الدول الاستعمارية بيدها أو بواسطة عملائها من البلاد الإسلامية.

العقبة الخامسة: هي التطبيق الانقلابي الكامل لأحكام الشريعة الإسلامية. وقد سمعنا بعض الأصوات تقول بالاستفادة من تجربة إيران والسودان والسعودية. وهنا نخشى الانزلاق. هذه الدول لم تطبق إلا جزءاً من الاسلام، وإذا سارت الجزائر بهذا الشكل تكون قد انحرفت عن الطريق من البداية.

إقامة دولة إسلامية يحتاج إلى عقليات تفهم الفقه الشرعي وتفهم الحكم والسياسة. والفقه في الشرع لا يجيز التدرّج في التطبيق. والذي يفهم واقع الحكم والسياسة الآن لا يسقط في مستنقع التدرج وأوحاله.

كل ما حرّمه الإسلام يجب على الدولة الإسلامية أن تمنعه فوراً. ولك ما أوجبه الإسلام يجب على الدولة الإسلامية أن تقيمه فوراً إذا كانت مستطيعة. والاستطاعة أو العجز هي استطاعة حقيقية أو عجز حقيقي، وليس من قبيل توخي الأسهل. وربما أن أهل الجزائر كلهم مسلمون وبما أن الغالبية العظمى منهم يريدون تطبيق الإسلام كاملاً فليس هناك عقبة حقيقية تقف في وجه التطبيق الانقلابي الشامل. وكل ما على السلطة هو أن تسنّ القانون الشرعي وتعلنه للناس في وسائل الاعلام، وتحض الناس على الالتزام بالحلال والحرام. وتحزم أمرها بعد ذلك للتنفيذ الكامل وإيقاع العقوبات الشرعية على من يخالف أحكام الشرع.

العقبة السادسة: هي منع الأفكار التي يحرمها الإسلام ومنع الأحزاب التي تقوم على أساس غير الإسلام. وهذه المسألة هي جزء من العقبة التي سبقتها أي هي تابعة لمسألة التطبيق الانقلابي الشامل. وهي تشكل عقبة لأن الغرب يتغنى بالحريات ومنها حرية الفكر وحرية العمل الحزبي على أساس هذا الفكر. وقد بعض المسؤولين في الجبهة الإسلامية للانقاذ يقولون بأنهم لن يمنعوا الأحزاب غير الإسلامية. وهذا فيه رضوخ للغرب وفيه فشل من بداية الطريق.

السلطة الإسلامية يجب أن تسن قوانين شرعية تمنع بموجبها جميع الأفكار التي يحرمها الإسلام مثل الدعوة إلى الالحاد، أو الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، أو الدعوة إلى العلمانية، أو الدعوة إلى العنصرية، أو الدعوة إلى أنظمة غير الإسلام.. وتركز الإعلام على هذا الأمر مبينة أنه يتناقض مع عقيدة الأمة. (الأقلية يجب أن تلتزم برأي الأكثرية حسب القاعدة عند الغربيين) والناس في الجزائر مسلمون ولا مبرر لديهم أن يخالفوا الدين، ولا مبرر لأن بخالفوا القانون.

إن التساهل في هذه المسألة يكون ناتجاً عن رهبة من الغرب ومحاولة لإرضاء الغرب. والغرب لا يرضى إلا إذا كنا أتباعاً وعبيداً له: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).

العقبة السابعة: هي الاختيار بين إقامة دولة إسلامية أو خلافة إسلامية. والفرق بينهما هو أن الخلافة الإسلامية تكون دولة ليس للجزائر فقط بل لجميع المسلمين في الدنيا، ورئيسها يكون خليفة المسلمين في العالم، ولا يصح شرعاً أن يكون هناك خليفتان في وقتٍ واحد. أما إقامة دولة إسلامية في الجزائر وحدها لأهل الجزائر وحدهم، فإن رئيس هذه الدولة لا يكون خليفة للمسلمين بل يكون أميراً لهذه الدولة. والواجب هو إقامة خلافة إسلامية للمسلمين كافة حتى لو قامت في قطر واحد، تم ققوسع عند الاستطاعة.

العقبة الثامنة: هي اقامة علاقات مع الدول الأخرى. إذا كانت الدولة هي دولة إسلامية للجزائر وغيرها أي دولة خلافة فإنه لا يجوز لها أن تقيم علاقات مع الدول القائمة في البلاد الإسلامية. ذلك أن دولة الخلافة تعتبر البلاد الإسلامية جزءاً منها وتعتبر المسلمين رعاياها فإذا رفضوا فلا تعترف هي باستقلالهم ولا تقيم علاقات معهم.

أما عن العلاقات مع الدول الاستعمارية فالأصل في دولة الخلافة أو أية دولة إسلامية أن لا تقيم سفارات للدول الاستعمارية لأن هذه السفارات ستكون أوكار تجسس ومراكز للعمل ضد هذه الدولة. ولذلك فالأصل هو إلغاء سفارات فرنسا وأميركا وإيطاليا وانجلترا وألمانيا وغيرها من الدول التي تشبهها. وإذا لزم وجود علاقات دبلوماسية مع هذه الدول فلتكن علاقات عن طريق الرسل غير المقيمين.

والأصل هو ترحيل رعايا الدول الاستعمارية لأن هؤلاء الرعايا غالباً ما يسخّرون للتجسس والتخريب.

العقبة التاسعة: هي الفتن والمشاكل الداخلية التي يمكن أن تثيرها الدول الغربية وعملاؤها. قد تحاول الدول الغربية تحريك مظاهرات تطالب بما يسميه الغرب الحريات والعمل الحزبي على أساس الحضارة الغربية. وقد تحرض الدول الغربية بعض الفئات القبلية على الانشقاق عن الدولة وإعلان الانفصال عنها. وهذه الأمور قد تجر الدولة الإسلامية إلى نزاعات مسلحة مع هذه الفئات. وهذا من الأخطار الكبيرة التي يجب الحذر منها وعدم الانجرار إليها.

وهذا لا يعني أن تسكت الدولة عمّن يريد إيجاد الفوضى بل لا بد أن تجابههم بكل حزم. ولكن إذا أحست الدولة أن هناك مؤامرة لإيقاع القتال وأن هذا القتال لن يحسم بسرعة فيجب على الدولة عدم الوقوع في فخ الاقتتال الداخلي، حتى لو غضّت النظر مؤقتاً عن انفصال أو تمرد دون أن تعترف بشرعية هذا التمرد أو هذا الانفصال.

وهنا لا بد من الحذر من إثارة النعرات القبلية، فلا فضل لعربي على اجمي ولا لأبيض على أسود ولا لقبيلة على أخرى إلا بالتقوى.

الدولة الإسلامية ليست دولة تفضل العرب إلى غير العرب. وإذا كانت تفضل اللغة العربية على غيرها من اللغات فليس بدافع قومي بل بدافع ديني لأن اللغة العربية هي لغة القرآن ولغة الصلاة ولغة حديث الرسول ولغة الاجتهاد. في الفقه ولغة الإعجاز القرآني. وكل مسلم سواء كان من الترك أم الفرس أم القبط أم البربر أم العرب يحب اللغة العربية ويفضلها على غيرها بدافع حبه للإسلام.

ونحن نوجه النصيحة والموعظة لاخواننا المسلمين من القبائل (البربر) في الجزائر الذين أخذتهم الحمية وشاركوا في مسيرة تندد بدولة إسلامية وتطالب بدولة علمانية. نقول لهم: أنتم مسلمون، أنتم من أهل القرآن ومن ابتاع محمد ، أنتم لستم من أتباع فرنسا ولا من أتباع حضارة الغرب. ديمقراطية الغرب وعلمانية الغرب وحريات الغرب هي كفر. أعاذنا الله وإياكم من الانغماس في هذا الكفر أو الدعوة إلى القومية والعصبية.

العقبة العاشرة: هي عدم الانضباط. نحن نعلم أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ حديثة التشكيل وهي تضم عدداً هائلاً من الناس. وهؤلاء ليس من السهل توحيد فكرهم وآرائهم في كل شيء. ومن هنا قد يحصل تضارب عند الادلاء في الرأي وعند اتخاذ المواقف. وهذا قد يؤدي إلى تفسح الجبهة إلى جبهات، وقد يصل التناحر والتصدام. وإذا علمنا أن دول الغرب ستلعب على هذا الوتر وتغذي هذه الخلافات بطرق خبيثة زاد حذرنا وخوفنا من هذه العقبة، وللتغلب على هذه العقبة يجب أن يبقى الإسلام هو رائد الجميع، ويجب لاحذر من بروز المصالح الانانية، ويجب الحذر من الوقوع في حبائل شياطين الانس والجن التي توسوس وتهدّم. ويجب على العقلاء والواعين أن يقوموا دائماً بدور الناصح الأمين والكابح للأهواء.

ويجب تنبيه الشباب المتحمسين أن تبقى حماستهم منضبطة بأحكام الشرع ولا يجوز أن يجرهم أحد إلى ارتكاب حماقات تحوّل ولاء الجماهير عن الجبهة الإسلامية للانقاذ. لا تنسوا أن هناك من دول الغرب وعملائها من سيراهن على الأخطاء التي قد تقع من الجبهة، وسيحرضون بعض قادة الجبهة وبعض عناصرها، وخاصة الشباب المتحمسين، سيحرضونهم للقيام بأعمال وارتكاب مخالفات من شأنها الاساءة إلى الناس، كل ذلك من أجل حرق الجبهة وجعل الناس يكرهونها ويكرهون من ورائها الإسلام ودولة الإسلام.

اللهم إنا نسألك السداد والرشاد، وأن تجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *