العدد 31 - العدد 31 – السنة الثالثة – ربيع الثاني 1410 هـ الموافق تشرين الثاني 1989م

كيفية تحويل الشركات المساهمة إلى شركات إسلامية

إن من أعظم ما فتن فيه المسلمون وأشد ما يعانون من بلاء في واقع حياتهم، الأفكار المتعلقة بالاقتصاد الرأسمالي، فهي من أكثر الأفكار التي يحاول الغرب تطبيقها عملياً، ويسهر على تطبيقها في دأب متواصل، وإذا كانت الأمة الإسلامية اليوم تحكم على صورة النظام الديمقراطي شكلياً فإنها تحكم بالنظام الاقتصادي الرأسمالي عملياً في جميع نواحي الحياة الاقتصادية، وقد كان لهذا التطبيق آثار خطيرة وإفرازات عديدة كان أبرزها شركات المساهمة، وقد شكلت هذه الشركات خطراً متميزاً إذ تعتبر عاملاً أساسياً في استقرار الناحية الاقتصادية أو اضطرابها، وبالتالي استقرار الدولة أو عدم استقرارها.

ولما كان الإسلام يوجب نسخ هذه الشركات لكونها تخالف أحكامه كان لا بد من البحث في كيفية تحويلها إلى شركات توافق أحكام الإسلام في الشركة، لكون إلغائها فقط يشكل فوضى اقتصادية كبيرة وبالتالي خطراً على الدولة الناشئة وعلى استقرارها.

– واقع شركات المساهمة:

وقبل بيان كيفية تحويل شركات المساهمة إلى شركات توافق أحكام الإسلام في الشركة لا بدّ من إعطاء نبذة بسيطة عن واقع شركات المساهمة وبيان أوجه البطلان فيها حتى يدرك البحث وأهميته.

تعتبر شركات المساهمة أبرز أنواع الشركات الرأسمالية التي افرزها النظام الاقتصادي الرأسمالي وهي النوع الرئيسي فيه والسائد، وهي بالتحديد حسب تقسيم المذاهب الاقتصادية الرأسمالية للشركات، النوع الأول، في شركات الأموال (وتسمى الشركة المغفلة لإغفال الاعتبار الشخصي فيها وإنما الاعتبار الأول في تكوينها هو للمال وليس لشخصية الشركاء، بل لا يعرف الشركاء بعضهم بعضاً، ولا يعرفون شيئاً عن إدارة الشركة إلا ما يعرض مجلس إدارتها على الجمعية العمومية عند اجتماعها كل سنة…) [عن كتاب الفقه الإسلام وأدلته ج4 ص881 للدكتور وهبة الزحيلي] ويكفي فيها الشخص أن يشتري سهماً ليصبح شريكاً رضي باقي الشركاء أم لا.

والمؤسس في الشركة المساهمة هو كل من وَقعّ العقد الابتدائي فقط إذ الاكتتاب فيها يتم إما بتحرير القانون النظامي للشركة والشروط التي ستسير عليها الشركة ثم توقيعه من قبلهم وكل من يوقع القانون يعتبر مؤسساً وشريكاً، وأما أن يقوم عدد من الأشخاص بتأسيس الشركة ووضع نظامها ثم طرح الأسهم على الجمهور لشرائها وبعد الانتهاء من الشراء تجتمع الجمعية التأسيسية للشركة للنظر والتصديق على نظام الشركة وتعيين مجلس إدارة لها، والوسيلة الثانية للاكتتاب هي الوسيلة المنتشرة في العالم.

أما تسيير الشركة فهو لمجلس الإدارة ولمديرها المنتدب (من مجلس الإدارة) والمجلس والمدير موظفون في الشركة أي أنهم يديرون أعمال الشركة بوصفهم موظفين سواء أكانوا شركاء أم لا إذ ليس لأي شريك في الشركة المساهمة حق تسيير أي عمل ولا حتى الاطلاع عليه بوصفه شريكاً، فمسؤولية الشركية محدودة بعدد أسهمه ويظهر حقه عند انتخاب مجلس الإدارة فقط حيث لكل سهم صوت والأسهم هذه تباع وتشتري كأي ورقة مالية دون اشتراط معرفة باقي الشركاء. وأسواق بيع وشراء الأسهم اليوم في العالم كثيرة، ووصل الحال بسمسرة معينة، وأسعار الأسهم ترتفع وتهبط تبعاً للعرض والطلب عليها أو للظروف المحيطة بها، مثل أسعار الفائدة، فالسهم لا يمثل الموجودات الحقيقية لأي شركة مساهمة إطلاقاً.

أوجه مخالفة شركات المساهمة للإسلام:

يرجع بطلان الشركة المساهمة للأسباب التالية:

1- مخالفة الشركة لأحكام العقود في الإسلام حيث اعتبر الفقهاء أن من أركان عقد الإيجاب والقبول، وقد ذكرت كتب الفقه التي راجعتها أن الإيجاب والقبول في الشركة ركن. وبالنظر في واقع الشركة المساهمة نجدها خالية من الإيجاب إذ هي ضرب من ضروب الإرادة المنفردة ـ حسب تعبير الاقتصاديين الرأسماليين ـ والإرادة المنفردة هذه معناها التزام من طرف واحد بغض النظر عن قبول الطرف الثاني، هذا هو وصف الشركة عندهم، وهو وصف صحيح ينطبق على واقعها، ففي طريقة الاكتتاب الأولى، يحصل الاتفاق بين مجموعة من الأشخاص على شروط الاشتراك ثم  كتابة الصك «نظام الشركة».. ثم بعد ذلك يجري التوقيع على هذا الصك من كل يريد الاشتراك وبتوقيع الشخص على الصك يصبح شريكاً، فالاتفاق السابق للتوقيع لا يعني الاشتراك، ولا يعني إقامة شركة، ولكل شخص أن يتنصل من الصك، وأن لا يلتزم به، لذلك فلا يعتبر لا عندهم ولا حسب الشرع، أن هناك عقد شراكة قبل التوقيع، لأن القاعدة الشرعية «العقد ما التزم به العاقدون» أما بعد التوقيع فالذي يحصل هو قبلوا من طرف بالاشتراك دون وجود إيجاب من أحد مطلقاً، فلا الشخص الأول يعتبر عارضاً ولا من لحقه، وكل ما في الأمر التزام من طرق واحد بدفع مال دون وجود من يقول معنى شاركتك فلا وجود للإيجاب، لذلك فلا يكون العقد قد تم شرعاً لفقدان ركن من أركانه.

أما في الطريقة القانية للاكتتاب فعدم وجود الإيجاب أظهر، إذ هناك سهم عرض في السوق حصل شراؤه، فالقبول بالمشاركة موجود ومحقق لكن بدون عارض، والأشخاص الذين وضعوا الصك وطرحوا الأسهم لم يصدر منهم عرض تصرف على أي أحد، أي لم يصدر منهم معنى شاركتك، إذ هم أُناس بحاجة إلى مال، فطرح السهم في السوق طلب دفع مال مقابل الحصول على ربح أو خسارة وليس عرض شراكة وإبرام اشتراك، فالسهم نفسه فيه قابلية البيع لأي شخص سواء أكان اسمياً بتسجيل أوراق بالبيع، أو لحامله بدون تسجيل.

2- مخالفة شركات المساهمة لتعريف الشركة في الإسلام:

إذ الشركة في الإسلام «اتفاق بين اثنين أو أكثر على القيام بعمل مالي بقصد الربح». [المغني ـ لابن قدامة] فالشركة في الإسلام لا بد فيها من الاتفاق على القيام بعمل مالي، إما من المتعاقدين وإما من أحدهما ومال الآخر، فالقيام بالعمل المالي هو أساس عقد الشركة، وليس الشركة هنا، ليست شركة أملاك يتفق فيها أو أكثر على شراء عين من الأعيان، بل الشركة شركة عقود فلا بد من وجود عُنصر العمل فيها.

3- فقدان المتصرف: إذ الشركة في الإسلام بكل أنواعها لا بد من وجود المتصرف أي ما يسمى بالبدن، فوجود البدن في الشركة أو البيع أو الإجارة أو الوكالة أو غيرها من العقود أساسي لإبرام العقد، ولأن البدن في الشركة هو الذي يَتَصرف بالمال وإليه وحده يُسند التصرف بالمال، وفي شركة المساهمة لا وجود للعنصر الشخصي فيها أبداً، إذ الوجود هو للمال فقط والحقيقية أن الأموال هي التي اشتركت، إذ الاعتبار فيها للمال لا للشخص ولهذا سميت من قبلهم شركة مغفلة لإغفال العنصر الشخصي فيها. أما كون الأشخاص هم الذين وافقوا على أن يكونوا شركاء فغير صحيح لأنهم واقفوا على أن تكون أموالهم شريكاً لهم، وأما انتخابهم  للإدارة فليس توكيلاً عنهم في التصرف بل توكيلاً عن أموالهم من قبلهم بدليل أن لكل سهم صوتاً وليس لكل شريك صوت.

4- الشركة في الإسلام من العقود الجائزة تبطل بموت أحد الشركين أو جنونه أو الحجر عليه وبالفسخ من أحد الشركاء [أنظر المجموع للنووي] وشركة المساهمة دائمية لا ترتبط بموت الشريك وحياته أو جنونه أو الحجر عليه.. وهذا يجعلها شركة فاسدة.

بطلان إدارة شركة المساهمة:

أما إدارة شركة المساهمة فإنها تخالف أحكام الإسلام إذ أن واقع أعضاء الإدارة  أنهم وكلاء في التصرف فحتى نعرف الحكم الشرعي فيهم لا بد أن نعرف حكم التوكيل في الإسلام لكل شريك في كل أنواع الشركات في الإسلام ثم نرى هل وكالة أعضاء مجلس الإدارة في شركة المساهمة صحيحة أم لا، فإذا كانت وكالة صحيحة مطابقة لأحكام الشرع في الشركات كان عملهم صحيحاً وإذا لم ينطبق فعملهم باطل.

وبمراجعة الشركات في الإسلام يتبين أن العقد في شركات العقود إما أن يكون واقعاً على البدن أو على المال، فإذا كان على البدن أي علم التصرف فإنه لا يجوز أن يوكل الشريك أحداً مكانه، لأن العقد وقع على تصرفه، وأما إذا كان العقد واقعاً على المال كما هو الحال مع شريك المال في شركة المضاربة فإنه لا يحق له أن يوكل عن تصرفه لأنه لا يملك التصرف أصلاً.

أما في النوع الثاني من شركات الإسلام وهي شركة الأعيان (الأملاك) فإن التوكيل بالتصرف فيها يصح لكن التوكيل يجري عن التصرف لا عن المال. وبتطبيق هذا الحكم على واقع الإدارة غير صحيحة لأن التوكيل فيها حصل عن المال، لا عن الشركاء، فقد اعتبروا لكل سهم صوتاً لا لكل شريك صوت. فمن يملك ألف سهم له ألف صوف ومن يملك سهماً واحداً فله صوت واحد.

فالتوكيل فيها واضح أنه عن الأموال لا عن الشركاء، أي أن الشركاء وكلوا عن أموالهم لا عن أنفسهم فكان التوكيل باطلاً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو اعتبرنا أن العقد واقع على بدن الشركاء عند إبرام الشركة فإنه لا يصح للشريك أن يوكل غيْره لو اعتبرنا الشريك في شركة المساهمة شريك مال فإنه لا يحق له التوكيل لأنه لا يملك التصرف أصلاً فلا يحق له أن يوكل عن تصرفه. ولهذا فعمل المدير ومجلس الإدارة حرام من كل الأبواب.

الشركاء في الإسلام:

وقبل بيان كيفية التحويل لا بد من إعطاء لمحة سريعة عن أنواع الشركات في الإسلام حتى يدرك النوع الذي يمكن أن تحول شركات المساهمة إليه.

الشركات في الإسلام نوعان شركة أملاك وشركة عقود، وشركة العقود هذه خمسة أضرب هي:

1- العنان: وهي أن يشترك بدنان بماليهما.

2- أبدان: وهي أن يشترك شخصان أو أكثر بأبدانهما دون مالهما.

3- الوجوه: أن يشترك بدنان بمال غيرهما أو أن يشترك بدنان أو أكثر فيما يشتريانه بثقة التجار.

4- المضاربة أو القراض: وهي أن يشترك بدن ومال، أو مالان وبدن أحدهما، أو مالان وبدن غيرهما.

5- المفاوضة: وهي أن يشترك الشركاء بجميع أنواع الشركات المار ذكرها [أورد ابن قدامة هذا التقسيم للشركات في المغني].

كيفية التحويل:

لقد وضح مما مر أن بطلان شركة المساهمة آت من كون الشارع قد أمر بأركان وشروط معينة بالعقد لم يحققها عقد شركة المساهمة، فشركة المساهمة تصرف من جهة واحدة والشركة في الإسلام عقد بين طرفين والبطلان أيضاً في شركة المساهمة آت من نفس العقد على اعتبار أنها من أنظمة أخرى تخالف الإسلام [الشخصية الإسلامية الجزء الثالث للشيخ تقي الدين النبهاني ص226].

ولذلك فتحويل عقد شركة المساهمة إلى عقد يوافق نصوص الشرع في العقود والشركات أمر ممكن دون حدوث اضطراب اقتصادي في الدولة لأن جعل الشركة توافق نصوص الشرع بالشركات والعقود ينفي عن شركة المساهمة كونها تشريعاً لم يأت به الإسلام.

لذلك فالبطلان أساساً آت من مخالفتها لأحكام الإسلام في العقود والشراكة، لذلك كان لا بد من نسخها لأن الدولة لا يجوز أن تُبقي فيها الحرام ولو للحظة واحدة، فشركات المساهمة ليست شركات ناشئة عن عقود فاسدة حتى يعلن وجوب إزالة الصفة المؤدية إلى الفساد بل هي شركات باطلة لا يمكن علاجها إلا بفسخها وإبرام عقد جديد يوافق أحكام الإسلام في الشركة والعقود.

وبالتدقيق في واقع الشركات في الإسلام يتبين إمكانية تحويل شركات المساهمة الحالية إلى نوعين فقط من الشركات الإسلامية هي شركة الأملاك وشركة المضاربة وحتى يدرك ذلك لا بدّ من بيان واقع كل شركة (شركة الأملاك وشركة المضاربة) قبل بيان كيفية التحويل حتى يُدرك إمكانية التحويل وكيفيتها.

أولاً: التحويل إلى شركات أملاك:

1- التعريف بواقع شركة الأملاك: وهي شركة العين سواء كانت لشخصين أو أكثر وسواء كانت عين واحدة أو أكثر (لأن القصد الفقهي من كلمة العين: المال الذي وقعت المشاركة على ملكته). وسواء ورثوها أو اشتروها أو وهبها لهم شخص أو أكثر، والشركة فيها إنما تقع على العين المتصرف بها، بخلاف شركة العقود فإنها شركة تصرف كالشركة في تجارة.

والشركة فيها أي في شركة العقود إنما تقع على التصرف لا على العين المتصرف بها فإن كانت شركة عنان فالشركة تقع على بدن الشريكين أي على المتصرفين وعلى ماليهما في وقت واحد وإن كانت شركة أبدان فالشركة تقع على بدن الشريكين فقط أي على المتصرفين فحسب وإن كانت شركة مضاربة فإن الشركة تقع على بدن المضارب وعلى مال المضارب له أي تقع على المتصرف وعلى مال الذي أعطى المال لا على بدنه، فالبدن أي الشخص المتصرف [النظام الاقتصادي في الإسلام للشيخ تقي الدين النبهاني ص137] في شركة العقود شرط أساسي بينما في شركة الأملاك تقع الشراكة على العين المتصرف بها فقط، فشريك العين ليس هو موضوع الشركة ولا وقعت عليه الشركة، أي لم تقع على بدنه، بل الشركة وقعت على العين، فهي موضوع الشركة، والعين متصرف بها من قبل الشركاء. ولأن بدن الشركاء ليس موضوع الشركة فيجوز أن يستأجر عمالاً أو أن يطالب بدين ويجوز أن يكون عاملاً في العين لأن عقد الشركة لم يقع على بدنه ويجوز أن يكون عاملاً في العين لأن عقد الشركة لم يقع على بدنه ويجوز لأحد الشريكين أن يوكل الآخر بأعمال إدارة العين بأجر أو دون أجر، كما يجوز أن يوكلا غيرهما لإدارة العين لأن الوكالة جائزة، فكل شخص صح تصرفه في شيء بنفسه وكان الشيء مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه غيرها ليقوم به نيابة عنه، والشركة تتضمن معنى الوكالة وأحد الشريكين وكيل عن الآخر في التصرف، أما القول بعدم جواز التوكيل لشريك المال فصحيح لكنه خاص بالشريك المضارب، لأن الشركة في المضاربة وقعت على تصرف المضارب وصاحب المال لا يملك التصرف وبالتالي لا يملك التوكيل بالتصرف، وأما القول بعدم جواز التوكيل للشريك فهذا صحيح إذا وقعت الشركة على البدن أي على التصرف، وفي شركة الأملاك وقعت الشركة على العين وليس على التصرف.

2- كيفية التحويل: وعلى ذلك يمكن لأصحاب شركة المساهمة بناء شركة أملاك جديدة بحصول الإيجاب والقبول في مجلس واحد من كل الشركاء أو من وكلائهم (على اعتبار جواز إجراء عقد الشراكة بالتوكيل) فيعتبرون قد اشتركوا فعلاً، وهم ملزمون بالاتفاق وعلى شروطه. ويمكن إنشاء الشركة الجديدة بنفس الحصص السابقة أو غيرها مع إمكانية تقسيم المال إلى حصص تُقدّر وقت إبرام العقد الجديد على اعتبار أن عملهم السابق مما يجهل مثله فأموالهم حلال لجهلهم بطلان شركات المساهمة [النظام الاقتصادي في الإسلام ص 143]. ويمكن أن تُسمى الحصة سهماً (كما سماها ابن قدامة في المغني) ويجب أن يكون لكل شريك حق التصرف مثل الآخر لأن الشراكة وإن كانت على أموالهم إلا أنهم هم الشركاء وليست أموالهم، فالذي له ألف سهم كالذي له سهم واحد.

وإذا مات أحد المساهمين أو حجر عليه تنفك شراكته هو بموته أو الحجر عليه وتبقى الشركة سائرة. وتكون الأرباح والخسائر حسب الحصص، ويمكن أن يقوم الشركاء بالتوكيل عن أنفسهم (وليس عن أموالهم) وكلاء بأجر لإدارة أعمال العين التي عليها الشركة ولهؤلاء الوكلاء حق البيع والشراء والاستئجار وقبض الأثمان والمخاصمة في الدَّين.. إلا أن يمنع الموكلون الوكلاء من عمل معين ويمكن أن يتفق جميع الشركاء على توكيل شخص واحد يختار بنفسه مساعدين له، ولا يجوز بيع الأسهم لأن السهم هنا ليس ورقة مالية تباع وتشترى بل حصص، فلو أن أحد الشركاء أراد الخروج من الشركة فله الحق ولكن بإعلام الشركاء أو من وكّلوهم عنهم بالتصرف، وإذا أراد أحد الدخول فلا بد من حصول القبول من باقي الشركاء أو موكليهم (إذا تضمنت الوكالة ذلك) ولذلك يجوز هنا وجود مدير ومجلس إدارة لانتفاء الأسباب التي من أجلها كان عمل المدير ومجلس الإدارة في شركة المساهمة حراماً.

وهكذا، والله أعلم، تكون الشركة صحيحة موافقة لشروط الإسلام.

فالأمور الأربعة المارة الذكر والتي من أجلها حرمت شركة المساهمة قد انتفت وذلك حسب التالي:

1- موافقة هذه الشركة لتعريف الشركة في الإسلام:

أ- حصول الإيجاب والقبول من كل الشركاء على اعتبار أن الشركة في الإسلام «عقد بين اثنين أو أكثر يتفقان فيه على القيام بعمل مالي بقصد الربح».

ب- العقد هنا ليس على قيام غيرهم بعمل مالي بل العقد على الاشتراك في امتلاك عين إما توكيل أناس للإشراف والإدارة فهذا جائز لأن الشركة الجديدة لم تقع على أبدانهم بل وقعت على أموالهم.

جـ- الإيجاب والقبول حاصل في مجلس واحد إذ أن كل المشاركين حصل منهم معنى «شاركتكم» و«قبلنا» ومن الممكن «كأسلوب» أن تحصل الشركة بين اثنين ثم يشارك الباقي واحداً واحداً حيث يشارك كل من سبقه بالمشاركة وذلك من أجل الاطمئنان على وقوع الإيجاب والقبول من كل الأطراف وبالأخص إذا كان عدد المشاركين كبيرا. ولا يشترط للشركاء أن يجتمعوا في مكان واحد فالشركة تعقد حال وجود الإيجاب والقبول في المجلس وكلمة في مجلس واحد تعني الحالة ولا تعني المكان ولا الزمان ولذلك يصح عقد الشركة بالمراسلة، فالمراسلة تصح في العقود وفي التصرفات، والمراسلة كالمكاتبة وكالمشافهة سواء سواء فالمجلس هو المكان الذي تتم به قراءة الجواب وليس المكان المطلق.

د- الاتفاق على القيام بعمل مالي حاصل إذ المشاركة على امتلاك العين حصلت والتوكيل جائز من قبل كل مشارك حتى ولو كان الوكلاء من الشركاء بأجر أو بغير أجر لأن عقد الشركة على أموالهم وليس على أبدانهم وسواء حددت ضوابط العمل أم لم تحدد فهذا راجع إلى الوكالة نفسها.

هـ- بالنسبة إلى وجود البدن، فشركة الأملاك شركة على عين وليست شركة تصرف والبدن الذي يباشر التصرف موجود وإن وكل عنه لأن العقد كما ذكرت على العين وليس على التصرف.

2- شركة العقود:

العقد فيها على التصرف بمال، أما التصرف هنا فيصدر عن الشخص نفسه أو عن وكيله، وليس عن مال كما هو في المساهمة، فكل شريك له حق التصرف وإن وكل من ينوب عنه بالتصرف، بدليل أنه له حق أن يوقف من وكله عن تصرف معين، وإذا عارض باقي المشاركين تصرفه أو رفضه الموكلون عنهم فله حق الرضى أو فسخ الشركة. وليس لأموال الشركاء في مجموعها أي واقع يصدر عنه تصرف لأن الشركاء في مجموعها أي واقع يصدر عنه تصرف لأن الشركاء ليست الأموال بدليل أن لكل شريك حق التصرف مهما كانت حصته.

3- الشركة إذا كانت لشخصين فإنها تفسخ بموت أحدهما:

(إلا إذا كان له وارث رشيد ووافق الشريك الآخر على مشاركته) أو الحجر عليه أو بالفسخ من أحد الشركاء. أما إذا كان هناك أكثر شريكين فإن موت أحد الشركاء يؤدي إلى فسخ شركته هو وحده وتبقى شراكة باقي الشركاء.

4- لا يقال هنا أن الشريك لا يجوز أن يكون أجيراً أي لا يقال أن الشخص لا يجوز أن يكون أجيراً وشريكاً في نفس الوقت لا يقال ذلك لأن جواز ذلك أو حرمته متعلق بواقع عقد الشركة، فينظر فإذا كان العقد واقعاً على البدن كما هو الحال في شركة الأبدان والعنان والوجوه وكما هو الحال مع المضارب في شركة المضاربة فلا يجوز أن يكون أجيراً في الشركة، أما إذا لم يكن بدنه واقعاً في الشركة مثل شركة الأعيان أو مثل شريك المال في شركة المضاربة فإنه يجوز أن يكون أجيراً فيها، فلو اشترى شخصان سيارة مثلاً فإنه يجوز أن يشتغل عليها أحدهما بأجر فالعقد في شركة الأعيان لم يقع على بدن الشركاء إنما وقع على العين فهم ليسوا شركاء في التصرف بمعنى أن العقد لم  يقع على تصرفهم لذلك فعمل المدير ومجلس الإدارة في الشركة المقترحة جائز وإن كان أجيراً.

لذلك، والله أعلم، فهذه الشركة شركة صحيحة يترتب عليها آثارها في الآخرة كما يترتب في الدنيا فيجوز مباشرتها والانتفاع بها.

ثانياً: التحويل إلى شركة مضاربة:

1- التعريف بشركة المضاربة:

هي أن يشترك بدن ومال ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتاجر له فيه والربح حسب ما يشترطانه والخسارة على المال. ويكون التصرف الكامل للمضارب. لأن صاحب المال لا يملك التصرف بالمال الذي صار للشركة، أما المتصرف فهو صاحب البدن أي المضارب إذ الشركة بين بدن ومال، أي على المتصرف والمال. أما صاحب المال فبدنه غير موجود في الشركة فلا يمتلك التصرف فلا يستأجر ولا يؤجر ولا يوكل إلا أنه يحق لصاحب المال أن يمنع المضارب من أعمال معينة عند الاتفاق، أو يحدد له نوع العمل كأن يتاجر بالذهب، أما إذا لم يمنع أو لم يحدد فله حق التصرف الكامل.

ومن المضاربة مالان وبدن أحدهما أو مالان وبدن غيرهما فإنها كلها تدخل في باب المضاربة.

ولو دفع شخصان أو أكثر لشخص أو أكثر أموالاً للقيام بعمل معين لجاز لكونه شكلاً من أشكال المضاربة وهؤلاء الأشخاص لهم حق التصرف الكامل فيما حدد فهم من أصحاب المال.

2- كيفية التحويل:

يمكن بناء شركة مضاربة بعدة أشكال منها:

أ- لو اتفق شركاء الشركة المساهمة المحلولة على تقديم مال (على شكل حصص لأشخاص ذوي خبرة مهندسين مثلاً) على أن يقوموا بالإشراف على مصنع مثلاً من حيث الإدارة وجلب البضاعة وبيع الناتج وتسيير الآلات واستئجار العمال… وحصل ذلك بمجلس واحد وقع فيه الإيجاب من أصحاب المال والقبول من المضاربين لجاز لأن ذلك كما قتل شكل من أشكال المضاربة على أن ما يحصل من ربح بينهم (بين شركاء المال والمضاربين) يكون حسب ما يشترطونه، والخسارة على المال فقط، والمضارب ليس عليه شيء لقوله عليه الصلاة والسلام: «الربح على ما شرط العاقدون والوضيعة على قدر المال» [ذكره ابن الهمام في فتح القدير شرح الهداية وأسنده البعض لسيدنا علي رضي الله عنه واعتبره بعض الفقهاء قاعدة دون ذكر أنه حديث].

وتصرف المضاربين في المصنع جائز من خلال أحكام المضاربة، والعقد صحيح لكون الإيجاب والقبول حصل في مجلس واحد، والعمل المالي هو ما اتفقوا عليه مع المهندسين والبدن موجود وهم المهندسون فاتفق ذلك مع تعريف الشركة في الإسلام وهي (عقد بين اثنين فأكثر يتفقان فيه على القيام بعمل مالي بقصد الربح) ولذلك فهي شركة صحيحة يترتب عليها آثار العمل في الآخر كما يترتب عليها آثار العمل في الدنيا فيجوز مباشرتها ويجوز الانتفاع بها.

ب- لو دفع عدة أشخاص أموالاً إلى شخص واحد ليتجر بها لجاز ولا يشترط أن يكون شركاء المال معروفين بالنسبة إلى بعضهم البعض، إذ يشترط فقط أن يتم إبرام الإيجاب والقبول فقط بين شريك المال والمضارب أما شركاء المال فلا يشترط وجود الإيجاب والقبول بينهم إذ يجوز المشاركة بالمال مع مجهولين لبعضهم وإن كان الكل يعرف أن شريك البدن هو فلان، أي إذا عرف شريك البدن يكفي ولا ضرورة لمعرفة شركاء المال. وهذا بخلاف شركة المضاربة السابقة إذ فيها حصل اشتراك بين شركاء المال وشريك المضاربة، أما هنا فلا شراكة أصلاً بين شركاء المال. والحاصل أن شخصاً ثقة يدفع الناس له أموالهم كي يتجر لهم بها وخلطه للمال جائز، إذ واقع المال في أي شركة في الإسلام أنه مختلط غير مميز فالواقع بالنسبة للمضارب أنه في شركة واحدة وليس فيها عدة شركات.

تفاصيل عملية حول الشركات الموجودة الآن:

1- بالنسبة للشركات التي للحكومات الحالية جزء فيها فإن الدولة الإسلامية يجوز أن تشارك الآخرين مكانها ودليل ذلك أنه عليه السلام عامل أهل خيبر بنصف ما يخرج من الأرض على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم فيجوز للدولة أن تشارك الآخرين أو تشتري حصصهم إذا وافقوا.

أما الشركات القائمة على استخراج مواد ملكيتها عامة فإن إدارة الملكية العامة للدولة لا للأفراد ويجوز للدولة أن تستأجر من يستخرج البترول أو الذهب مثلاً لكن بأجر لا أن يمتلك جزءاً من الإنتاج.

2- أما الشركات التي للدول الأجنبية حصة فيها مثل شركات البترول التي لليابان أو بريطانيا أو أميركا حصة فيها فإنه يمكن تحويل الشركة معهم إلى شركة إسلامية. وإذا رأينا أن مشاركتهم تجعل لهم سيادة علينا فإننا نفسخ الشركة معهم ونعطيهم بدل مُعداتهم كمية من البترول أو النقود، أما العمال والمهندسون والفنيّون والخبراء فإنهم أجراء يمكن بقاؤهم بعقود استئجار جديدة مع ملاحظة أن دور مثل هذه الشركات هو التنقيب أو مجرد الاستخراج فقط أما الملكية فهي عامة والتوزيع والتسعير موكول للدولة تفعل به ما ترى فيه مصلحة للمسلمين والإسلام والدعوة الإسلامية، جاء في تكملة المجموع ص91 ج14 «الشركات التي تؤسس من بلاد غير المسلمين لتعمل في أراضي المسلمين لاستخراج خيراتها واستنباط خاماتها واستدرار زيوتها ومعادنها لا تصلح إلا إذا قامت على هيمنة المسلمين وسيطرتهم على إدارتها».

3- أما الشركات القائمة على إنتاج مادة حرام فإنه لا يجوز بقاء أي مسلم فيها. أما إن كان أصحابها غير مسلمين فيسمح لهم بالإنتاج مع خضوعهم وخضوع شركتهم لأحكام دار الإسلام.

بقلم: زياد أبو سمرة ـ القدس

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *