العدد 31 - العدد 31 – السنة الثالثة – ربيع الثاني 1410 هـ الموافق تشرين الثاني 1989م

سؤال وجواب

السؤال 1: في العدد (30) من «الوعي» نسبتم إلى الرسول ﷺ حديثاً هو: «وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين.. قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك..» نرجو ذكر مصدر الحديث لأنه برأينا مخالف للإسلام وللرسالة النبوية. وكذلك حديث «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً..»

الجواب 1:

الحديث الأول حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه موجود في صحيح الإمام مسلم شرح النووي ج12/كتاب الإمارة، ونصه: «… قال حذيفة بن اليمان: قلتُ يا رسول الله إنّا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شرٌّ؟ قال نعم. قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم. قلتُ: فهل وراء ذلك الخير شرٌّ؟ قال: نعم. قلتُ: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جُتْمانِ إنْس. قال: قلت كيف اصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن شُرب ظهرُك وأُخذ مالُكَ فاسمع واطع» وقد وردت في هذا المعنى أحاديث كثيرة نذكر منها حديث ابن عباس رضي الله عنه الذي رواه مسلم في المصدر السابق ورواه البخاري في كتاب الفتن ج 13 من شرح ابن حجر: «عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي قال: من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتةً جاهلية». [هذا نص البخاري].

وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي رواه مسلم في المصدر السابق والبخاري في المصدر السابق: «عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي ﷺ. قال: دعانا النبي ﷺ فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان». [هذا نص البخاري].

وحديث عوف بن مالك رضي الله عنه الذي رواه مسلم في المصدر السابق: «عن عوف بن مالكٍ عن رسول الله قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويُصلون عليكم وتصلّون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من وُلاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة».

وحديث أم سلمة رضي الله عنه الذي رواه مسلم في المصدر السابق: «عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: ستكون أُمراء فتعرفون وتنكرون، فمنْ عَرَف برئ ومن أنكر سَلِمَ، ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا».

وهذه الأحاديث وأمثالها رواها أيضاً أصحاب السنن وبقية الرواة، واقتصرنا هنا على ذكر البخاري ومسلم كونهما من الصحاح.

وهذا المعنى متواتر وليس صحيحاً فقط. فإذا كان السائل الكريم يرى أن هذا المعنى يخالف الإسلام ويخالف الرسالة النبوية فننصحه أن يعيد النظر في رأيه. لأن آراءنا وأذواقنا يجب تهذيبها وتوجيهها وتقييدها بالشرع، وليس العكس. فعندما يتعارض العقل مع الشرع يكون العقل هو المخطئ.

والأرجح أن الشبهة التي قامت في نفس السائل نشأت من رؤيته نصوصاً أخرى تحض على مقارعة الحاكم الظالم ورفض الظلم وعدم الاستكانة له، وأن الطاعة تكون في المعروف وليس في المعصية، وأن الحاكم الذي لا يطيع الله لا طاعة له.

وبعد التدقيق يجد المتفقه في هذه المسألة أن النصوص لا تعارض بينها، بل هي متفقة. فالخليفة تجب طاعته في كل شيء ما عدا معصية الله. فإن كانت المسألة خلافية بحيث يراها الفرد معصية ويراها الخليفة غير معصية (وكان مع الخليفة دليل أو شبهة دليل) فإنه يجب على الفرد أن يطيع الخليفة، حتى لو افترضنا أن الخليفة مخطئ في اجتهاده، لأن الحاكم إذا اجتهد فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران.

فإذا أخطأ الحاكم في قضائه وصادر مال أحد الناس أو أمر بحبسه أو جلده فإن على هذا لفرد من الناس أن يصبر. نعم له أن يحاول بيان حقه وبراءته فإن أفلح فبها، وإلاّ عليه أن يصبر. وهذا ما بيّنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» رواه الجماعة. فإذا كان النبي قد يخطئ ويقضي لمن لا حق له، فغيره قد يصدر ذلك منه من باب أولى.

وهذا لا يعني عدم الخروج عليه وعدم الخروج من طاعته وعدم التنصل من بيعته. محاسبته تكون بالحجة واللسان ولا تتعداها إلى التمرد أو التحريض أو الثورة بالسلاح.

ولا يكون الخروج من طاعته والثورة عليه بالسلاح إلا في حالة واحدة هي قبوله بظهور الكفر البواح. والخروج على الحاكم بالسلاح له شروط وأحكام شرعية وليس مجرد ثورة فوضوية.

وأما حديث الجهاد مع الأمير البَرِّ والفاجر فقد ورد في صحيح البخاري في كتاب الجهاد باب سمّاه: «باب الجهاد ماض مع البَرِّ والفاجر» وأورد قوله : «الخيل معقود في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة، الأجْرُ والمَغْنَم». وأورد أبو داود في سننه قوله عليه وآله الصلاة والسلام: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر» وهذا الحديث فيه انقطاع إذ رواه مكحول عن أبي هريرة ومكحول لم يسمع من أبي هريرة. ولكن المحدثين قبلوا هذا الحديث لأن مكحولاً هذا ثقة ضابط ولا يمكن أن ينقل الحديث عن أبي لو كان عنده مأخذ على الراوي بينه وبين أبي هريرة. قال الحافظ ابن حجر أبو داود وأبو يعلى مرفوعاً وموقوفاً عن أبي هريرة ولا بأس برواته إلا أن مكحولاً لم يسمع من أبي هريرة).

وقد وضع الإمام الشوكاني في كتابه نيل الأوطار ج7/ ص212 باباً سمّاه: «باب أن الجهاد فرض كفاية وأنه شرع مع كل بر وفاجر» واستشهد بقوله : «والجهاد ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل» [رواه أبو داود وحكاه أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله وفي إسناده يزيد بن أبي نشبة وهو مجهول سكت أبو داود والمنذري عن الحديث]. وقد استشهد الشوكاني أيضاً بحديث «الخيل معقود في نواصيها الخير».

ووجه استشهاد البخاري بحديث «الخيل معقود في نواصيها الخير» شَرَحه ابن حجر في الفتح ج6/ ص 43 بقوله: (سبقه إلى الاستدلال بهذا الإمام أحمد لأنه ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة وفسره بالأجر والمغنم. والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد. ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلاً، فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر).

السؤال 2: إذا قام الآن خليفة يطبق الإسلام، ورأى أن الظرف غير مناسب للهجوم على إسرائيل، ولنفرض أن مجموعة من الناس أو مجموعة من الجيش هاجمت إسرائيل بدون إذنه، فهل يكون عمل المجموعة مخالفاً للإسلام؟ وهل يحاسبهم الخليفة؟

الجواب 2:

الخليفة طاعته واجبة شرعاً إلا في معصية الله، لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) ولوجود أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الموضوع. وما دام الخليفة يطبق الإسلام فلا توجد شبهة في وجوب طاعته.

ومسألة بدء المعركة مع العدو يقررها الخليفة حسب اجتهاده في فهم الواقع. فإذا هو سمح سِراً لمجموعات أن تقوم بمهاجمة العدو فعمل المجموعات مشروع. وإن هو منع هذا الهجوم في ظروف معينة فإن الهجوم يصبح ممنوعاً في هذه الظروف، فإذا قام أفراد أو جماعات بمثل هذا الهجوم فلا شك أنهم آثمون مخالفون للإسلام.

وهل يحاسبهم الخليفة على مخالفتهم هذه؟ الأمر عائد للخليفة، إن شاء عاقب، وإن شاء عفا، لأن هذه المخالفة تدخل في التعزير وليس في الحدود.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *