العدد 77 - العدد 77- السنة السابعة، ربيع الأول 1414هـ، الموافق أيلول 1993م

تعقيب على موضوع: غدير خم وحديث الثقلين

ورد إلى «الوعي» تعقيبان على الموضوع المذكور أعلاه أحدهما من لبنان والثاني من إيران، الأول سننشره بحرفيته فيما يلي. أما الثاني، وهو من فضيلة الشيخ عبد العزيز السامرائي، فنكتفي بهذه الإشارة إليه، علماً بأن التعقيب الأول (المنشور أدناه) هو أوسع وأوضح وأعمق من الثاني الذي هو بالمعنى نفسه.

وسنضع ملاحظات مقتضبة على بعض النقاط الواردة في التعقيب، راجين ممن يقرأها أن لا يتسرع في الحكم، بل أن يتروّى وأن يُعْمِل فكره وتقواه، وأن لا يجعل الروايات الضعيفة تتغلب عنده على الأحاديث الصحيحة. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسن.

فيما يلي التعقيب:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على اشرف الخلق وسيد الأنام شفيعنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته الطاهرين الأبرار.

الاخوة الكرام في مجلة الوعي،

السلام عليكم ورحمة وبركاته

استوقفني العدد رقم 74 تاريخ ذو الحجة 1413هـ الموافق حزيران سنة 1993م من مجلة «الوعي» عند مطالعتي لباب سؤال وجواب صفحة 30 حول خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في غدير خم وحديث الثقلين حيث جاء في الرد، إن الدافع لخطبة الرسول صلى الله عليه وسلم وحديث الثقلين هو مجرد إظهار نصرة الإمام علي عليه السلام للمسلمين وطلب مودتهم له ولأهل البيت عليهم السلام بعد صدور كلمات عن بعض الأشخاص فيها طعن بحق الإمام علي عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام.

أنا أعتقد  أن قلب أي إنسان واع مؤمن لا يطمئن إلى ما ذكرتموه، ولا تركن نفسه إليه وخاصة أننا نؤمن بعصمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه سيد الحكماء وخاتم الأنبياء، (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى @ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى@ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [سورة النجم: 2 ـ 5]. فلو سألنا أنفسنا عما بدر من الرسول صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم ولماذا منع تلك الألوف المؤلفة عن المسير؟ ولماذا حبسهم في تلك الصحراء القاحلة؟ ولماذا اهتم بإرجاع من تقدم منهم وإلحاق من تأخر؟ ولما أنزلهم جميعاً في ذلك العراء على غير كلأ وماء؟ ثم خطب فيهم، وليبلغ الشاهد منهم الغائب. وما الهدف من نعي نفسه إليهم في مستهل خطابه إذ قال: «يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وأني لمسؤول وإنكم مسؤولون». ولماذا سألهم: «ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده رسوله وأن جنته حق وأن ناره حق وأن الموت حق وأن البعث بعد الموت حق»، قالوا بلى نشهد بذلك. ولماذا أخذ حينئذ على الفور بيد عليّ عليه السلام فرفعها إليه حتى باض بياض إبطيه فقال: «يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين»، ولماذا فسر كلمته (وأنا مولى المؤمنين) بقوله: «وأنا أولى بهم أنفسهم»، ولماذا قال بعد هذا التفسير: «فمن كنت مولاه فعليّ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنصر من نصره واخذل من خذله»، ولماذا خصّه بهذه الدعوات التي لا تليق إلا بأئمة الحق؟ ولماذا أشهدهم من قبل فقال: «ألست أولى بكم من أنفسكم» فقالوا: بلى، فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه».

فما هي المهمة التي احتاجت إلى هذه المقدمات كلها؟ وما الغاية التي توخاها من هذا الموقف المشهود وما الشيء الذي أمره الله تعالى بتبليغه في حجة الوداع إذ قال عزّ من قائل: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ) [سورة المائدة: 67]. فأي شيء عظيم استوجب من الله عزّ وجلّ هذا التأكيد؟ ولزم الحض على تبليغه بما يشبه التهديد؟ أيعقل أن الله عزّ وجلّ ورسوله صلى الله عليه وسلم أراد تبيان نصره عليّ عليه السلام للمسلمين وصداقته لهم ليس إلا. فلا أرى أي إنسان واع ذي بصيرة يرضى بهذا الجواب ويرضى بنسبه إلى سيد الحكماء وأفضل الرسل والأنبياء وخاتمهم. وإنما الذي يليق بأفعال وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم الغدير ويناسب المقام إنما هو تبليغ عهده وتعيين القائم مقامه من بعده.

فالحديث، مع غيره من الأحاديث، نص جليّ في خلافة الإمام علي عليه السلام لا يقبل التأويل، ويكفي ـ لمن له قلب وألقى السمع وهو شهيد ـ أن يتابع مجريات الأمور بعد نهاية الخطاب حيث «قام الرسول صلى الله عليه وسلم وألبس الإمام عليّ عليه السلام عمامته وعقد له موكباً وأمر أصحابه بتهنئته بأمره المؤمنين ففعلوا وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر يقولان بخ بخ لك يا عليّ أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» [أحمد بن حنبل في مسنده ج ع ص 281 ـ الطبري في تفسيره ـ الرازي في تفسيره الكبير 3 ص 636 ـ ابن حجر في صواعقه ـ دار قطني ـ البيهقي ـ الخطبي البغدادي ـ والسيد شرف الدين في مراجعاته ص 186]. وبعدما فرغوا أنزل الله عزّ وجلّ على الرسول صلى الله عليه وسلم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِِسْلاَمَ دِينًا) [سورة المائدة: 3].

ولتأكيد خلافة الإمام عليّ عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم نكتفي بذكر حديث واحد ورد عن الرسول الأكرم وقوله: «يا عليّ أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». [صحيح مسلم ج7 ص120 ـ صحيح البخاري في فضائل علي]. وهذا الحديث لا يخفي على أهل العقول فيه ما فيه من اختصاص أمير المؤمنين بالوزارة والوصاية والخلافة. فكان كما كان هارون وزيراً ووصياً وخليفة موسى في قومه في غيابه عندما ذهب لميقات ربه. كذلك أيضاً منزلة الإمام علي عليه السلام فهو كهارون عليه وعلى نبينا السلام، وصورة طبق الأصل عنه ما عدا النبوة التي استثناها الحديث.

وأما ذكر أهل البيت في حديث الغدير فإنه يؤيد المعنى الذي نقوله من جعل أهل البيت وسيدهم الإمام عليّ عليه السلام خلفاء له حيث قرنهم بمحكم الكتاب وجعلهم قدوة لأولي الألباب، فقال: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي». وإنما فعل ذلك لتعلم الأمة أن لا مرجع لها بعد نبيها إلا إليهما، يكفي في وجوب اتباع الأئمة من أهل بيته اقترانهم بكتاب الله عزّ وجلّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فكما لا يجوز الرجوع إلى كتاب يخالف في حكمه كتاب الله سبحانه وتعالى لا يجوز الرجوع إلى إمام يخالف في حكمنه أئمة أهل البيت، ومن تدّبر الحديث وجده يرمي إلى حصر الخلافة في أئمة العترة الطاهرة ويؤيد ذلك الكثير من الأحاديث أهمها: «إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق». [المستدرك للحاكم ج3 ص151 ت تلخيص الذهبي ـ ينابيع المودة ص30 ـ 170 ـ الصواعق المحرقة لابن حجر ص184 و234 ـ تاريخ الخلفاء للسيوطي والجامع الصغير له].

«من سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليه وليقتد بأهل بيتي من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي». [مستدرك الحاكم ج3 ص128 ـ الطبراني في الجامع الكبير ـ كنز العمال ج6 ص155 ـ المناقب للخوارزمي ص234 ـ ينابيع المودة ص149 ـ تاريخ ابن عساكر ج2 ص95].

فهذه الأحاديث صريحة لا تقبل التأويل ولا تترك للمسلم أي اختيار وتقطع عليه كل حجة بأنه إذا لم يوال عليّاً ويقتد بأهل البيت عترة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو محروم من شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي ذلك نص واضح على وجوب اتباع العترة مما يعني نص على وجوب اتباع علي عليه السلام إذ هو سيد العترة وأمامها.

وهكذا فالأمر باتٌ وقطعي،أن حديث الثقلين وخطبة الغدير تجعل من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الإمام عليّ عليه السلام واجبي الاتباع ودليلاً شرعياً بعد كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيه.

وفي الختام أرجو نشر هذا الرد في مجلتكم الكريمة «الوعي» لتكون بحق مجلة للتوعية، أملين منكم الموافقة.

والله من وراء القصد

17 محرم 1414هـ                                                                                 أخوكم

7 تموز 1993م                                                                                   المعتصم بالله

ملاحظات «الوعي»:

1- قال في التعقيب بأن الآية الكريمة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلاَمَ) نزلت في غدير خم، أي في 18 من ذي الحجة. مع أن الثابت في الأحاديث الصحيحة أنها نزلت قبل ذلك بتسعة أيام، أي أنها نزلت عشية عرفة في يوم جمعة [الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردوية]. وقال ابن كثير في تفسيره: (هذا أمر معلوم مقطوع به لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير ولا من الفقهاء، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة).

2- وقال بأن الآية الكريمة: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) نزلت بعد حجة الوداع وقبيل غدير خم. مع أن الثابت أنها نزلت قبل ذلك بسنوات عده. صحيح أن كتب الحديث وأسباب النزول اختلفوا في وقت نزلوها ولكن جمهورهم أنها نزلت قبل حجة الوداع بسنوات. فهذه الآية هي من سورة المائدة، وسورة المائدة نزلت بعد سورة الفتح ما آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فإنها نزلت في حجة الوداع كما سبق في الملاحظة الأولى. وسورة الفتح نزلت مباشرة بعد معاهدة الحديبية، أي في السنة الخامسة للهجرة. حتى أن بعض المتتبعين لأسباب النزول رأى أنها نزلت من السنة الثانية للهجرة، أي قبل نزول سورة المائدة، ثم أُلحقت بسورة المائدة. وقد جاء في الأحاديث الصحيحة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يُحرس حتى نزلت هذه الآية: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ) فأخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأسه من القبة وقال: «يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنا الله عزّ وجلّ» [الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم والترمذي وابن جرير والحاكم]. وهناك قرينة في الآية نفسها تدل على أنها لم تنزل بمناسبة غدير خم، فقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ) يعني يعصمك من الكافرين، بدليل بقية الآية: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). ولا يمكن أن يكون المقصود: يعصمك من أصحابك الذين يحسدون علياً سلام عليه.

3- حديث المنزلة وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». هذا الحديث لا بد من ذكر المقام الذي قيل فيه من أجل فهم معناه. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عزم على الخروج إلى غزوة تبوك خلّف مكانه محمد بن مسلمة ليتولى رعاية شؤون المسلمين وإدارة شؤون الحكم، خلّف سيدنا عليّاً عليه السلام على أهله وأمره بالإقامة فيهم. فأرجف به المنافقون وقالوا ما خلّفه إلا استثقالاً له وتخففاً منه. فلما سمع عليّ رضي الله عنه ذلك أخذ سلاحه ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا نبي الله زعم المنافقون كذا وكذا. فقال صلى الله عليه وسلم: «كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفي في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي».

واضح من ذلك أن حديث المنزلة جعل خلافة عليّ عليه السلام محصورة بأهله وأهل الرسول صلى الله عليه وسلم، بدليل جعل أمور الحكم بيد محمد بن مسلمة. وهذه الخلافة كانت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل إن خلافة هارون لموسى كانت في حياة موسى وفي فترة غيابه. ولم يحصل أن هارون خلف موسى بعد موته لأن هارون مات قبل موسى عليهم سلام الله. فلا يوجد في حديث المنزلة هذا آي دلالة (ولو ضعيفة) على استخلاف عليّ عليه السلام على المسلمين بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

4- حديث الثقلين (الكتاب والعِتْرة) لا يحصر العِترة بالأئمة رضوان الله عليهم، بل إنه يشمل آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس رضوان الله عليهم. وهذا ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم. فحين كرر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله في غدير خُمّ: «أُذكرّكم الله في أهل بيتي» ثلاث مرات قال زيد بن أرقم (راوي الحديث): أهل بيته مَن حُرِمَ الصدقة بعده وهم: آل علي وآل عقيل وآل جعفر آل عباس. وهذا يدل على أن المقصود هو محبتهم وموالاتهم ومناصرتهم.

5- ثم هناك أمر قطعي لا مجال للتردد فيه وهو أنه لا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن نتهم هذه الألوف المؤلفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن نتهمهم كلهم بنقض بيعة وتضييع وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمض عليها أكثر من شهرين ونصف. لقد حضر غدير خم ما لا يقل عن 40 ألفاً من الصحابة الكرام فهل يعقل أن يتنكّروا كلهم لبيعة بايعوها أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يضيّعوا وصيته صلى الله عليه وسلم منذ يوم وفاته؟! إن هذا من المستحيلات. وهذه المسالة وحدها كافية لرد كل زعم أو وهم بأن هذه الألوف المؤلفة ارتدت ونقضت وخانت العهد.

6- هذا هو الإمام علي عليه السلام ينفي أن تكون حصلت له بيعة على الخلافة أو وصية في ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو يقول: «إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوْه إماماً كان ذلك لله رضيَّ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة رَدّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاّهُ اللهُ ما تولّى» [نهج البلاغة ج3/ ص7 مؤسسة الأعلمي] فهو يعتبر أن الأمر شورى للمهاجرين والأنصار والذي يبايعه هؤلاء كان لله رضيَّ.

واسمعوا تعليقه عليه السلام على أنباء السقيفة: «قالوا لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال عليه السلام: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت منا أمير ومنكم أمير. قال عليه السلام: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم وتُتجاوز عن مسيئهم (قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم) فقال عليه السلام: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم، ثم قال عليه السلام: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقال عليه السلام: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة» [نهج البلاغة ج1/ ص116 مؤسسة الأعلمي] فهو قال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصى بالإحسان إلى محسنهم والتجاوز عن مسيئهم ولم يقل: بأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصّى لي، ولم يقل: بالأمس في غدير خم بايعوني.

ويقول الإمام عليّ عليه السلام: «واللهِ ما كانت في الخلافة رَغْبَةٌ، ولا في الولاية إرْبَةٌ. ولكنكمْ دعوتموني إليها وحملتموني عليها» [نهج البلاغة ج2/ ص184].

ويقول الإمام عليّ عليه السلام لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان رضي الله عنه: «دعوني والتمسوا غيري… وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعُكْم وأطوعُكمْ لمن وليتموه أمركم. وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً» [نهج البلاغة ج1/ ص181].

ويقول عليه السلام: «وبسطْتُمْ يدي فكففها، ومددتموها فقبضتها، ثم تداككتم عليّ تَداكَّ الإبل الهيم على حياضها» [نهج البلاغة ج2/ ص222].

هذه النصوص الثلاثة الأخيرة تدل بكل وضوح أنه عليه السلام لم تكن له بيعة ولا وصية بالخلافة يوم غدير خم أو غيره. فكيف يكون مبايعاً بأمر من الله ورسوله ثم يقول: «دعوني والتمسوا غيري» أو يقول: «ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها» أو يقول: «بسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها»؟.

نحن نكتفي بهذه الملاحظات، ونحن لا نحب أن نفتح هذا الموضوع للجدل. نحن حين كتبنا الموضع بمناسبة ذكرى غدير خم كتبناه فقط لإجابة السائل ليعرف وهو وغيرها السبب الحقيقي لهذا الاجتماع الطارئ الهام. ونحن لا نتكلم من وجهة نظر مذهبية بل نحاول أن نرجع بالمسلمين إلى الأصل والمنبع قبل أن يتفرقوا إلى مذاهب، وقبل أن يتعصبوا تعصباً أعمى إلى مذاهب. فإن كانت هناك آراء وكلمات لا تفرق المسلمين وتزيدهم علماً بالحق وتنفعهم في دنياهم وأخراهم فنحن نحب سماعها سواء استطعنا نشرها أو لم نستطع، وإن كانت هناك آراء للجدل فنحن لا نريد إرسالها إلينا، نحن مطلعون على غالبية الآراء والجج، وسعينا دائماً لتبني ما هو حق وخير منها. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *