العدد 74 - العدد 74- السنة السابعة، ذو الحجة 1413هـ، الموافق حزيران 1993م

أميركا تريد (استغلال) الديمقراطية لعلمنة اليمن

بقلم: الأستاذ إبراهيم بن محمد بالوزير

الولايات المتحدة مسرورة جداً بتجاوب السلطة في اليمن للديمقراطية. وللتعبير عن ذلك فقد أرسلت وكيل وزارة الخارجية الأميركية لتهنئة اليمن بالنجاح وإبداء الاستعداد للتعاون في المستقبل. ومن المعروف أنهم كانوا يشجعون الانقلابات العسكرية ويساعدون الحكام العسكريين ويشجعون الشعارات الجديدة التي يرفعها أولئك الحكام في الأقطار (العربية)(1) إلى عهد قريب.

ومن المؤكد أن فرح أميركا ليس من أجل مصلحتنا في اليمن وسعادتنا، فالغربيون لا يفرحون إلا لحصولهم على مصالحهم وتنفيذ مخططاتهم التي يكونون قد درسوها ووجدوا إن مصلحتهم في تنفيذها.

فما السر في هذا التحول، وما علاقة ذلك بمخططاتهم، وما هو السر في هذا السرور الكبير والفرح بالديمقراطية في اليمن؟

إن أميركا على رأس الدول الغربية تخشى (الأصولية الإسلامية)(2) ـ كما يسمونها ـ بل أنها تخشى التوجه الإسلامي وتكرهه في أي صورة جاء وهي تحارب الإسلام وتتآمر على (العرب) في هذه الآونة بصورة لم تعد خافية على أحد. وكراهيتها وكل دول الاستكبار الصليبي الصهيوني العالمي للإسلام واضحة لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وكراهيتهم للإسلام تأتي من عدة أسباب:

أولاً: إنهم دول غربية صليبية وقد وضعوا كراهيتهم للإسلام وحقدهم على المسلمين منذ نعومة أظفارهم، وهم يدرسون تاريخهم الطويل ويقرأونه ويعرفون أنه لم يقم في وجه أطماع أوروبا الصليبية بجدارة ولمدة طويلة من الزمان غير الإسلام وأبنائه المسلمين. وهم ما يزالون مرتبطين بتاريخهم وليسوا منسلخين عنه كما هو حاصل اليوم في بلاد (العرب).

ثانياً: إن لأميركا ودول الاستكبار العالمي مصالح اقتصادية ضخمة في البلدان (العربية) أهمهما الاستيلاء العملي على منابع البترول. وقد وصلوا إلى حد أن جعلوا الأنظمة العربية والحكومات (العربية) تتنافس في إنتاج البترول بكميات كبيرة لا تحتاج إليها، بقصد ضرب بعضها بعضاً (ولترخيص) سعر البترول لأميركا ودول الغرب. وما فاض من النقد من ثمن ما يبيعونه من البترول وضعوه في بنوك أميركا ودول الغرب لتقوية اقتصاد الغرب ومساعدة إسرائيل.

واستمرار الوضع على ما هو عليه مرتبط باستمرار الأوضاع كما هي اليوم لدن (العرب) واستمرار التمزق الموجود بين الأقطار (العربية). والإسلام هو وحده الذي يمكن أن يوحد (العرب) في دولة إسلامية واحدة ولا يمكن لأي شعار آخر أن يقوم بذلك.

لذلك فإنه لا يصح في رأيهم أن يعود المسلمون إلى إسلامهم كي يستمر التمزق كما هو، وبالتالي تستمر مصالحهم.

ولذلك فقد قرروا اليوم، وهم مقررون من قبل، أن لا يعود الإسلام ويجب أن ينسلخ (العرب) من إسلامهم وأحكام دينهم عملياً وأن يبقى الإسلام اسماً بينهم.

نعم. لقد كانوا يشجعون الانقلابات العسكرية ويشجعون رفع الشعارات المستحدثة عندما كانت تلك الشعارات جديدة وبراقة. وكان (العرب) يؤملون في تلك الشعارات الجديدة أن تنقذهم من حالة الضعف والهوان التي وصلوا إليها. لكن الوجوه الحاكمة اليوم سواءً كانت عسكرية أو تقليدية والشعارات الجديدة المرفوعة منذ نصف قرن تقريباً لم تعد صالحة اليوم وقد خاب أمل (العرب) فيها وفيما وعدت به. وأصبح المسلمون يفكرون في العودة إلى إسلامهم من جديد.

وأصبحت المواجهة عنيفة بين الأنظمة العربية والحكام العرب وبين (الأصولية الإسلامية)، ومن المعلوم أن ضمير الشعوب (العربية) مع التوجه الإسلامي سواءً كان معتدلاً أو متشدداً. وإذا استمرت المواجهة بهذا الشكل بين الإسلام الذي هو ضمير الشعب (العربي) وبين حكام (العرب)، إذا استمرت المواجهة هكذا فالغلبة ستكنون لا محالة (للإسلاميين)(3) والتوجه الإسلامي والشعوب العربية المسلمة.

إذن فلا بد من شعار جديد وأمل جديد ولعبة جديدة تؤمل فيها الشعوب العربية والإسلامية وينشغلون بها. وليس هناك ما هو أفضل من الديمقراطية بمفهومها الغربي. وسينشغل بها (العرب) لمدة ربع قرن من الزمان على الأقل فإما أن تترسخ الديمقراطية في هذه المدة بمفهومها الغربي وإما أن تفشل بعد ربع قرن من الزمان، وفي ذلك كسب للوقت كبير. وفي أثناء ذلك يمكن دراسة الأوضاع والخروج بلعبة جديدة ستظهر في حينها إن فشلت الديمقراطية بمفهومها الغربي في أن تحل محل التوجه الإسلامي والتشريعات الإسلامية.

وفي طرح الديمقراطية في البلدان (العربية) وحكام (العرب) وبين (الأصولية الإسلامية) التي تتنامى يوماً بعد يوم وتنذر بخطر عودة الإسلام من جديد.

ثالثاً: سيكون بذلك قد سمح (للإسلاميين) في الأقطار (العربية) بطرح آرائهم وأفكارهم بنسب متفاوتة من قطر لقطر بحسب أحوال القطر وأوضاعه وقوة (الإسلاميين) وضعفهم الخ. ولكن صوتهم سيظهر ـ مع الديمقراطية ـ في جو مكتظ بكثرة الآراء وكثرة الأصوات العلمانية والقومية والوطنية والمصلحية والأصوات الإسلامية التي تهتم بالقضايا الصغيرة الفروعية والجماعات الإسلامية المختلفة والمتنازعة. بحيث يضيع الصوت الإسلامي الواعي الفاهم وغير الواعي وسط هذا الهرج ويكون في الظاهر قد أعطى (الإسلاميون) حقهم في التعبير عن آرائهم وطرحها في حين تكون بيد السلطة في البلد إدارة الأمور. مما يصعب مع أي نجاح لأي اتجاه صادق ومخلص لا سيما (الإسلاميين) بالذات.

رابعاً: لا بد من ملء الفراغ الفكري في الساحة. والديمقراطية تتكفل في الوقت الحاضر بذلك… لقد كانت الشعارات الجديدة مثل البعثية والشيوعية وغيرها تملأ الفراغ في الساحة (العربية) وهي براقة تأخذ بالعقول والأبصار. أما اليوم وبعد أن خبا بريقها فإن الشعب العربي مخير بين اتجاهين: إما (الإسلاميين) وعندهم الجواب على كل الأسئلة المطروحة في الساحة: اقتصادية وسياسية واجتماعية الخ. وإما الأنظمة والحكام العرب الذين ليس عندهم شيء. والفريقان في حالة مواجهة فكرية في بعض الأقطار وقتالية في بعض الأقطار الأخرى. وسيكون النصر (للإسلاميين) ما لم يطرح شيء جديد براق، وليس غير الديمقراطية بمفهومها الغربي العلماني.

خامساً: وهو أهم وأخطر جزء من المخطط. إن الديمقراطية إذا تعمقت بمفهومها الغربي فإنها كفيلة بالقضاء على الإسلام (عقيدة وشريعة). إذ أن الديمقراطية الغربية تضع كل شيء للتصويت وتحتكم إلى رأي الأغلبية في كل قضية مع قطع النظر هل ذلك الشيء حلال في الإسلام أم حرام، جائز أو غير جائز. وإذا نجحت الديمقراطية بمفهومها الغربي فلن يبقى الاحتكام إلى أحكام القرآن ومفاهيم الإسلام عند العرب. إن هو إلا التصويت والأغلبية. وفي هذا تنكر صريح للمفاهيم الإسلامية. وإنكار لوجوب الانقياد لتشريعات الإسلام الحاكمة للمجتمع (العربي) والمواجهة له منذ ألف وأربعمائة عام. وتكريس للمفهوم الغربي العلماني.

وإذا تم ذلك وتكرست الديمقراطية بمفهومها الغربي فستظل أوضاع الأقطار (العربية) كما هي وستتعمق التجزئة والقطرية والوطنية الحادة وتستمر المصالح الأوروبية والنهب الأوروبي للثروة في البلدان (العربية).

لذلك كان فرح أميركا شديداً بالتوجه الديمقراطي في اليمن ليكون ـ إذا نجحت الديمقراطية فيه بمفهومها الغربي ـ مثالاً للدول (العربية) الأخرى

(1)  استعمل الكاتب كلمة (العربية) وكلمة (العرب). وما ينطبق على الأقطار (العربية) ينطبق على الأقطار (الإسلامية) وما ينطبق على حكام (العرب) ينطبق على حكام المسلمين. فالمقالة تشمل المسلمين كلهم وليس العرب منهم فقط. «الوعي».

(2) (الأصولية الإسلامية) تعبير وضعه الغربيون ويقصدون به الحركات الإسلامية التي تعمل لإقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية. وينعتون هذه الحركات بالتطرف والإرهاب من أجل إيجاد المبرر لضربها. «الوعي».

(3) (الإسلاميون) تعبير خطأ لغوياً وفكرياً، والكاتب ـ حفظه الله ـ استعمله لأنه شائع فقط. فمن حيث اللغة الإنسان لا يوصف بأنه إسلامي أو غير إسلامي بل يوصف بأنه مسلم أو غير مسلم، فيقال: رجل مسلم، امرأة مسلمة، ولا يقال: رجل إسلامي أو امرأة إسلامية. أما غير الإنسان فيوصف بأنه إسلامي ولا يوصف بأنه مسلم، فيقال مثلاً كتاب إسلامي ولا يقال كتاب مسلم، لأن مسلم اسم فاعل وهو يدل على الذي قام بالفعل. وغير العاقل لا يقوم بفعل الإسلام.

ومن حيث الفكر أراد الغربيون تصنيف المسلمين إلى صنف يدعون إلى الإسلام وسموهم (إسلاميين) وصنف لا يدعو إلى الإسلام، وهم (المسلمون). وغرض الغربيين هو تقسيم المسلمين إلى (إسلاميين) أي أصوليين أو متطرفين أو إرهابيين والبقية هم (المسلمون المعتدلون). والتعبير الصحيح في التصنيف هو: _حَمَلَةُ الدعوة الإسلامية) بدل (الإسلاميين). وأما الصنف الثاني فهم (السلمون المتخاذلون) بدل (المسلمين المعتدلين). «الوعي».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *