العدد 70-71 - العددان 70-71، السنة السادسة، شعبان ورمضان 1413هـ، الموافق شباط وآذار 1993م

دول البلقان ودور تركيا

 الرئيس التركي أوزال قام بزيارة، خلال الفترة 15 ـ 22/02/93 لكل من بلغاريا ومقدونيا وألبانيا وكرواتيا. النفَس الذي تحدث به أثناء جولته يدل على أن هناك دوراً تستعد تركيا للقيام به في دول البلقان وخاصة في يوغوسلافيا (سابقاً).

بدأ زيارته ببلغاريا التي كانت علاقة تركيا مها قد ساءت بشكل كبير خلال 1984 ـ 1985 بسبب إجبار بلغاريا حوالي 800 ألف تركي بلغاري على تغيير أسمائهم، وقد هاجر حوالي 320 ألفاً منهم إلى تركيا. لكن البرلمان البلغاري أجاز في سنة 1989 للأتراك استعادة أسمائهم الأصلية وعاد التعايش السلمي بين المسلمين والبلغار في المناطق المختلطة في الشمال الشرقي والجنوب الشرقي.

رئيس بلغاريا شدد أمام أوزال أن بلغاريا تفضل تدخلاً غربياً في يوغوسلافيا بدلاً من تدخل إسلامي محتمل، وهو بذلك يستبق أي طلب تركي موافقة بلغاريا مرور قوات تركية عبر أراضيها إلى البوسنة. ومعلوم أن بلغاريا تشكل عائقاً جغرافياً أمام وصول تركيا إلى مقدونيا وألبانيا ومنهما إلى البوسنة.

وكان أوزال قد طرح فكرة إحياء شكل من أشكال الإمبراطورية العثمانية. وقد تحدث في بلغاريا عن موضوع غير موضوع البلقان هو تشكيل اتحاد برلماني يضم الدول المطلّة على البحر الأسود وهي تركيا وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا وروسيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان ومعها اليونان. وهذه الدول تشكل كتلة اقتصادية، ولكن بعد تشكيل اتحاد برلماني ستتحول إلى تجمّع سياسي. ولم تكن بلغاريا مرتاحة إلى هذا الطرح أيضاً.

انتقل أوزال من صوفيا (عاصمة بلغاريا) إلى سكوبيا (عاصمة مقدونيا). وتجدر الإشارة إلى أن مقدونيا هي إحدى الجمهوريات الست التي كان يتألف منها الاتحاد اليوغوسلافي، وقد أعلنت استقلالها ولكن الدول لم تعترف بها لأن اليونان تحتج على هذه التسمية وتخشى أن تطالب مقدونيا ببعض المناطق التي تعتبرها اليونان تابعة لها. تركيا اعترفت بمقدونيا التي غالبية سكانها من المسلمين.

ثم انتقل أوزال إلى تيرانا (عاصمة ألبانيا) حيث تحدث عن إقليم كوسوفو الذي يتألف أهله من المسلمين الألبان ويحكمه الصرب الذين يعاملون أهله بقسوة. وقد ذهب وفد من أهالي كوسوفو إلى تيرانا وقابل أوزال الذي أكّد للوفد بأنه سيطرح قضية كوسوفو في لقاءاته الدولية. ويعتبر أن الحل الأمثل هو اعتراف لسكان كوسوفو بحق تقرير المصير. وحذّر من أن جمهورية الصرب قد تشعل النار في البلقان بسبب ضغوطها على كوسوفو والسنجق ومقدونيا. وشدد على ضرورة التعاون الوثيق بين تركيا وألبانيا وبين مقدونيا وألبانيا تجنباً لعدوان جديد على المنطقة. وقال أوزال: من الضروري أن يحصل تدخل عسكري خارجي بقرار من الأمم المتحدة لوقف العدوان الصربي على البوسنة ـ الهرسك.

ومن تيرانا انتقل أوزال إلى زغرب (عاصمة كرواتيا). وقد اهتم الإعلام الكرواتي بزيارة الوفد التركي الذي بلغ عدد أعضائه 127 شخصاً، وهو أضخم وفد ديبلوماسي يزور كرواتيا منذ استقلالها. وقد ضمّ عدداً كبيراً من الوزراء والجنرالات والبرلمانيين والاقتصاديين والصحافيين. وقد كتبت صحيفة «فتشر تي لست» الرسمية أنه يبدو أن «الأتراك قادمون» إلى المناطق التي حكموا فيها لمدة خمسة قرون. وأشارت باهتمام إلى ما كان صرّح به أوزال من أن «القرن الـ 21 سيكون قرن الأتراك» وأضافت أنه يمكن استنتاج أن إمبراطورية عثمانية جديدة على وشك الولادة، وأن تركيا تولي الأزمة البوسنية اهتماماً كبيراً. وأنها أدركت أن «كرواتيا هي الصديق الأوروبي والحليف الأول والمدخل الأمني إلى البوسنة ـ الهرسك ومسلميها».

ومن الجدير بالذكر هنا أن إقليم كوسوفو كان قد تم فتحه سنة 791 هـ ـ 1389م على عهد السلطان العثماني مراد الأول الذي استشهد في معركة فتحه هذه. أما اسطنبول فقد تم فتحها في 20 جمادى الأولى سنة 857 ـ 29/05/1453م على يد السلطان محمد الفاتح، وهو الذي ينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ الأميرُ أميرُهم» حينما بشّر بأن المسلمين سيفتحون القسطنطينية، وبعدها يفتحون روما. وقد فتح الأمير نفسه (السلطان محمد الفاتح) البوسنة ـ الهرسك سنة 864 هت ـ 1462م وبقيت هذه البلاد تحت حكم الخلافة الإسلامية إلى سنة 1878م حين خسرت الخلافة معركة مع روسيا المدعومة من دول أوروبا، وجاء مؤتمر برلين سنة 1878م ووضع البوسنة ـ الهرسك تحت حكم دولة (النمسا ـ المجر) وأبقى شؤونها الخاصة مربوطة بشيخ الإسلام في اسطنبول.

وقد صرّح أوزال أنه قادم إلى كرواتيا ليبحث «خطر امتداد الحرب في البلقان» وإمكانات التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين. وقد حصل لقاء بين القائد العام للجيش الكرواتي يانكو بوبيتكو مع القائد العام للجيش التركي والقائد العام لسلاح الجو التركي. وقد صرّح الشيخ يعقوب سليموسكي رئيس العلماء الذي التقى أوزال في مسجد زغرب أن «جولة الرئيس التركي البلقانية ستكون لها نتائج سياسية كبيرة» وقال: «إنها المرة الأولى التي تتاح فيها للعالم الإسلامي فرصة الدفاع عن الكيان الإسلامي داخل أوروبا نفسها، وإنه من الطبيعي أن يكون لتركيا دور مميّز في هذا الشأن خصوصاً أن المنطقة خضعت لها لسنوات طويلة».

وقد هاجمت الأوساط الرسمية والإعلامية في بلغراد (عاصمة صربيا) زيارة الرئيس التركي لدول البلقان واعتبرتها «محاولة لتصعيد التأزّم في المنطقة من أجل توفير الذرائع للتدخل الأميركي».

أما صحيفة «فيسنيك» الكرواتية فقد قالت إن «تركيا تدرك أن تدخلها في هذه المنطقة على أساس المبدأ الديني أو القومي سيكون مرفوضاً من جانب بقية الدول التي ترغب في إنهاء الحرب في البوسنة ـ الهرسك. ولذلك تقوم أنقرة بخطوات يصعب وصفها بالأصولية. ويُعتقد أنها تحصل على الدعم الأميركي الصامت لخطواتها هذه».

وهنا يقفر سؤال: هل صحيح أن تركيا تسلك الآن هذا المسلك بدعم أميركي كما تقول صحيفة «فيسنيك»؟ نعم، نحن نرجّح هذا، أي نرجّح أن أميركا تسخّر تركيا لتلعب هذا الدور. فحكام تركيا الحاليون يسيرون في ركاب أميركا، خاصة وأن أميركا توهمهم أن لهم مصلحة في ذلك.

هناك خلاف علني بين موقف أميركا من جهة وموقف الدول الأوروبية من جهة أخرى بشأن ما يجري في البوسنة ـ الهرسك. موقف أميركا يظهر أكثر تأييداً لمسلمي البوسنة ـ الهرسك، وهذا ما يجعل تركيا ترتاح له.

دول أوروبا الغربية أنشأت فيما بينها وحدة بموجب معاهدة ماستريخت. وهذه الوحدة تنافس أميركا في حقول كثيرة. وتريد أميركا أن تخلق المشاكل والعراقيل في وجه الدول الأوروبية. ومن هنا فهي تجد من المناسب إشعال نار في البلقان بحيث يكون الأوروبيون فيها في مواجهة المسلمين، مما يجرّ إلى مضايقة المصالح الأوروبية في سائر البلاد الإسلامية، ويفسح المجال أمام المصالح الأميركية.

أميركا تتظاهر بالحرص على مسلمي البوسنة أكثر من الدول الأوروبية، ولذلك فهي طرحت خطة إنزال الاغاثات لهم من الجو بواسطة طائراتها وطائرات من يتعاون معها من حلفائها بعد أن شدد الصرب الحصار على المدنيين. وتزعمت أميركا فكرة إنشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب في البوسنة أي الصربيين. وهي تبدو مترددة أمام خطة فانس ـ أوين، وتشترط قبول جميع الأطراف بها من أجل أن تقبلها هي. ولم يقبل بها صراحة إلا الكرواتيون، أما المسلمون والصربيون فإنهم أبدْوا تحفظات تجاهها. وكان علي عزت بيكوفيتش أعلن في 15/02/93 أنه على رغم كل التحفظات إزاء خطة فانس ـ أوين «يمكن قبولها كأساس لحل المشاكل بعد إجراء التعديلات الضرورية عليها، خصوصاً في خريطة الأقاليم ما دامت تضمن بقاء دولة البوسنة ـ الهرسك ولمح إلى احتمال سفره إلى نيويورك عند معاودة البحث في مشكلة البوسنة، إذ اقل إنه تلقى دعوة رسمية لزيارة الولايات المتحدة وأنه سيلبيها، وقد تتحول إلى مشاركة في المؤتمر الخاص بالبوسنة «إذا طلب الأميركيون ذلك».

وفي 16/02/93 صرح نائب وزير خارجية روسيا بعد اجتماعه بالمبعوث الأميركي بارتولوميو أنه فهم من المبعوث الأميركي أن واشنطن تتفق مع موسكو على ضرورة العمل «في إطار» جهود فانس وأوين وليس «اعتماد بديل» منهما.

وإذا دققنا في موقف أميركا الذي يشترط «موافقة جميع الأطراف» ويقول بأنه يوافق على العمل «في إطار» الخطة وليس موافقاً على الخطة، وإذا دققنا في الموافقة المشروطة للبوسنة بإجراء التعديلات الضرورية على الخطة نجد أن أميركا تعمل على تمييع الخطة ومن ثمّ رفضها لتحضير الأرضية اللازمة للتصعيد.

ومما يشير إلى التصعيد أيضاً أن القائد العام لقوات حلف الأطلسي الجنرال جون شاليكاشغيلي أنهى زيارة في 16/02/93 إلى بودابست (عاصمة هنغاريا) استمرت ثلاثة أيام ركز خلالها على النزاع في يوغوسلافيا (السابقة) والمخاطر المحتملة نتيجة امتداد الحرب إلى مناطق أخرى خاصة إقليم كوسوفو، وركز على تعاون هنغاريا وحلف الأطلسي في حال اتّساع الحرب اليوغسلافية لتجرّ إليها دولاً مجاورة.

وليس بعيداً أن تكون زيارة رئيس الوزراء التركي ديميريل التي قام بها إلى كل من سوريا ودون الخليج قبيل زيارة أوزال إلى البلقان، وليس بعيداً أن يكون الهدف الأول منها ترتيب الأمور المتعلقة بالدور التركي الذي رتبته أميركا لتركيا في البلقان.

فهل يعي المسلمون وزنهم الدولي ويتصرفون على أساسه أو يبقون مطايا وأدوات للدول المتنافسة؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *