العدد 69 - العدد 69- السنة السادسة، رجب 1413هـ، الموافق كانون الثاني 1993م

الغارات الأميركية على العراق

 لاحظنا أن العراق هو الذي عاد إلى تحريك الأمور، فأدخل قواته عدة مرات إلى المنطقة التي اعتبرتها الأمم المتحدة أرضاً كويتية، وأقام مخافر ثابتة فيها، وأعلن أنه لا يعترف بالمحميات في الشمال أو الجنوب، وحرّك وسائله الدفاعية لتحدي طائرات أميركا وحلفائها، وأعلن أن قوته عادت إلى ما كانت عليه قبل سنتين، وأعلن أن الكويت جزء من العراق، ووضع شروطاً لتحليق طائرات الأمم المتحدة…

فما هو السبب الذي دفع العراق لتحريك هذه الأمور الآن؟ هل هو عمل ذاتي محلي، أو أن هناك محركاً من الخارج؟ وهل يحل من الوجهة الشرعية الإسلامية لحاكم العراق أن يحرك هذه الأمور ليستفز أميركا التي ستبادر إلى ضرب العراق وشعبه؟

ونبدأ بالإجابة عن الجانب الشرعي: نعم يحلّ شرعاً تحريك هذه الأمور في وجه أميركا وحلفائها، لأن ما فرضه هؤلاء الحلفاء الأعداء الكفار على العراق لا يجوز شرعاً قبوله، فإذا أُرغم على قبوله في ظرفٍ قاهر فإنه لا يجوز له أن يبقى ساكتاً بعد زوال هذا الظرف، لأن السكوت عند ئذٍ يعتبر علامة على الرضا. أما القول بأن تحريك الأمور والإعلان عن رفض قرارات الحفاء أو قرارات الأمم المتحدة سيجر علينا من الخراب والولايات الشيء الكثير، فالمصلحة تقتضي أن نبقى ساكتين، هذا القول ليس شرعياً وليس قول أهل المبادئ. وهذا يذكرنا بالذين ينصحون المسلمين في جنوب لبنان بأن يسكتوا عن احتلال إسرائيل للجنوب بحجة أن مقاومتها ستوقع فيها خسائر أكثر مما توقع باليهود. ويذكرنا كذلك بالذين ينصحون أهل فلسطين بأن يوقفوا انتفاضتهم ومقاومتهم لليهود لأنها كذلك توقع بهم من الخسائر أضعاف أضعاف ما توقعه باليهود. نقول: إن هذه النصائح هي نصائح تجار يهتمّون فقط بنسبة الربح أو الخسارة المادية، وليست نصائح أصحاب عقيدة ومؤتمنين على حقوق أجيال وكرامة أمّة. ولقد علّمَنا الله تعالى في كتابه العزيز أن بذل الأموال الأرواح في سبيله هو ربح وليس خسارة، وهو تكريم من الله وليس إهانة، قال تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأََيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ).

أما السبب الذي دفع العراق للتحرك الآن فقد يكون سبباً ذاتياً محلياً في الذكرى الثانية لهجوم دول التحالف على العراق وخاصة بين عهدي بوش وكلينتون، حيث توّقع العراق أن تكون هذه الفترة متسمة بالميوعة والتراخي. وقد يكون السبب خارجياً، وصاحب المصلحة من الخارج هو بوش. فليس بعيداً أن يكون بوش استطاع بأسلوب خفي أن يحتال على العراق ويجره إلى تحريك الأمور وقد سبق لبوش أن خدع العراق وورطه في احتلال الكويت واتخذ من ذلك مبرراً للنزول في الخليج. ومثل صدّام يمكن أن يلدغ من الجحر غير مرّة.

وسواء كان تحرك العراق بخدعة من إدارة بوش أو بدافع ذاتي فإن بوش استثمر هذا التحرك ليزرع الألغام في وجه كلينتون.

بوش بدأ يخطط للعودة إلى البيت الأبيض قبل أن يغادره. أي هو يخطط ليربك إدارة كلينتون وليجعلها تتخبط وتفشل ليترّحم الأميركيون على بوش ويسارعوا إلى إعادته في الانتخابات القادمة.

كلينتون وعد أن يركز اهتمامه على الأمور الداخلية. فأراد بوش أن يورطه في السياسة الخارجية رغم أنفه. كلينتون لا يفهم في السياسة الخارجية حسب رأي بوش، وكان بوش في أيام الانتخابات قال بأن كلبته تفهم في السياسة الخارجية أكثر من كلينتون. وكذلك فقد وزّع بوش تعميماً على جميع السياسيين في إدارته ينصحهم أن يستقيلوا من مناصبهم ولا يتعاونوا مع إدارة كلنتون كي تبدأ بالتخبط من البداية.

وكان ايغلبرغر، وزير خارجية بوش، يهيئ الأمور، بعد فوز كلينتون على بوش، للتدخل العسكري في البوسنة، وذلك ليفتح جبهة خارجية جديدة في وجه كلينتون. وقد تضغط المخابرات لهذا التدخل.

وقد وصف بعض المراقبين أن نزول القوات الأميركية في الصومال هو زَجٌّ لإدارة كلينتون في الخضمّ الدولي. وقد تحاول المخابرات الأميركية، التي هي من صياغة وبناء الجمهوريين، قد تحاول توريط كلينتون في متاعب خارجية كثيرة. ذلك أن المخابرات ستبقى لها صلات مع بوش حتى لو كان خارج السلطة، ما دام طامعاً بالعودة، ومن المتوقع أن يقوم صراع عنيف بين إدارة المخابرات وإدارة كلينتون. ويقول العارفون بأمر المخابرات هذه بأنه حصل صراع عنيف بينها وبين جون كنيدي مما جعلها ترتّب مسألة اغتياله. ويقولون بأن المخابرات هي التي حاربت عودة كارتر إلى ولاية ثانية عن طريق تأخير الأفراد عن رهائن السفارة الأميركية في طهران إلى ما بعد انتهاء الانتخابات بين ريغان وكارتر.

وقد حاولت إدارة بوش فتح مجابهة بين إسرائيل وإدارة كلينتون في شأن تنفيذ القرار 797 بشأن إعادة المبعدين إلى لبنان. وقد لاحظنا أن أبواق أميركا وعملاءها لم يكونوا أقل تنديداً من خصومها بشأن المكيالين. فالجميع صاروا يحتجون: لماذا تنفذ القرارات على العراق ولا تنفذ على إسرائيل؟ لماذا هناك محميات في العراق ولا حماية في البوسنة؟

وبذلك يكون بوش قد استثمر التحركات العراقية لزرع عدة ألغام أمام كلينتون لإرباكه تمهيداً لعودته (عودة بوش). ويكون تصرف بوش في ضرب العراق هو في الحقيقة ضد كلينتون أكثر مما هو ضد صدام، وهو لمصلحة بوش الشخصية وليس لمصلحة الأكراد في شمال العراق أو الشيعة في جنوبه، وليس حرصاً على قرارات مجلس الأمن .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *